الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
1153 -
وَعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَضَى فِي ابْنَةِ حَمْزَةَ لِخَالَتِهَا، وَقَالَ:«الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ» . أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ.
(1)
1154 -
وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ رضي الله عنه، فَقَالَ:«وَالجَارِيَةُ عِنْدَ خَالَتِهَا؛ فَإِنَّ الخَالَةَ وَالِدَةٌ» .
(2)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [1]: الأحق بالحضانة وترتيب المستحقين لها
؟
قال ابن القيم رحمه الله في «زاد المعاد» (5/ 438 - ): وَلَمّا كَانَ النّسَاءُ أَعْرَفَ بِالتّرْبِيَةِ، وَأَقْدَرَ عَلَيْهَا، وَأَصْبَرَ، وَأَرْأَفَ، وَأَفْرَغَ لَهَا؛ لِذَلِكَ قُدّمَتْ الْأُمّ فِيهَا عَلَى الْأَبِ. وَلَمّا كَانَ الرّجَالُ أَقْوَمَ بِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ الْوَلَدِ وَالِاحْتِيَاطِ لَهُ فِي الْبُضْعِ؛ قُدِّمَ الْأَبُ فِيهَا عَلَى الْأُمّ، فَتَقْدِيمُ الْأُمّ فِي الْحَضَانَةِ مِنْ مَحَاسِنِ الشّرِيعَةِ، وَالِاحْتِيَاطُ لِلْأَطْفَالِ، وَالنّظَرُ لَهُمْ، وَتَقْدِيمُ الْأَبِ فِي وِلَايَةِ الْمَالِ وَالتّزْوِيجِ كَذَلِكَ.
قال: إذَا عُرِفَ هَذَا، فَهَلْ قُدّمَتْ الْأُمّ لِكَوْنِ جِهَتِهَا مُقَدّمَةً عَلَى جِهَةِ الْأُبُوّةِ فِي الْحَضَانَةِ فَقُدّمَتْ لِأَجْلِ الْأُمُومَةِ، أَوْ قُدّمَتْ عَلَى الْأَبِ لِكَوْنِ النّسَاءِ أَقْوَمَ بِمَقَاصِدِ
(1)
أخرجه البخاري برقم (2699).
(2)
حسن. أخرجه أحمد (1/ 98 - 99) قال: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، وهبيرة بن يريم، عن علي به. وإسناده حسن، رجاله ثقات؛ إلا هانئًا، وهبيرة؛ فحديثهما حسن بمتابعة أحدهما للآخر، وهو صحيح لغيره بشاهده عن البراء الذي قبله.
الْحَضَانَةِ وَالتّرْبِيَةِ مِنْ الذّكُورِ؛ فَيَكُونُ تَقْدِيمُهَا لِأَجْلِ الْأُنُوثَةِ؟ فَفِي هَذَا لِلنّاسِ قَوْلَانِ، وَهُمَا فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، يَظْهَرُ أَثَرُهُمَا فِي تَقْدِيمِ نِسَاءِ الْعَصَبَةِ عَلَى أَقَارِبِ الْأُمّ أَوْ بِالْعَكْسِ، كَأُمِّ الْأُمِّ، وَأُمِّ الْأَبِ، وَالْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ، وَالْأُخْتِ مِنْ الْأُمّ، وَالْخَالَةِ، وَالْعَمّةِ، وَخَالَةِ الْأُمّ، وَخَالَةِ الْأَبِ، وَمَنْ يُدْلِي مِنْ الْخَالَاتِ وَالْعَمّاتِ بِأُمٍّ، وَمَنْ يُدْلِي مِنْهُنّ بِأَبٍ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. إحْدَاهُمَا: تَقْدِيمُ أَقَارِبِ الْأُمّ عَلَى أَقَارِبِ الْأَبِ. وَالثّانِيَةُ: وَهِيَ أَصَحّ دَلِيلًا، وَاخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيّةَ: تَقْدِيمُ أَقَارِبِ الْأَبِ. وَهَذَا هُوَ الّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيّ فِي «مُخْتَصَرِهِ» فَقَالَ: وَالْأُخْتُ مِنْ الْأَبِ أَحَقّ مِنْ الْأُخْتِ مِنْ الْأُمّ، وَأَحَقّ مِنْ الْخَالَةِ، وَخَالَةُ الْأَبِ أَحَقّ مِنْ خَالَةِ الْأُمّ، وَعَلَى هَذَا فَأُمّ الْأَبِ مُقَدّمَةٌ عَلَى أُمّ الْأُمّ كَمَا نَصّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَنْهُ. وَعَلَى هَذِهِ الرّوَايَةِ؛ فَأَقَارِبُ الْأَبِ مِنْ الرّجَالِ مُقَدّمُونَ عَلَى أَقَارِبِ الْأُمّ، وَالْأَخُ لِلْأَبِ أَحَقّ مِنْ الْأَخِ لِلْأُمّ، وَالْعَمّ أَوْلَى مِنْ الْخَالِ هَذَا إنْ قُلْنَا: إنّ لِأَقَارِبِ الْأُمّ مِنْ الرّجَالِ مَدْخَلًا فِي الْحَضَانَةِ. وَفِي ذَلِكَ وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَالشّافِعِيّ.
أَحَدُهُمَا: أَنّهُ لَا حَضَانَةَ إلّا لِرَجُلِ مِنْ الْعَصَبَةِ مَحْرَمٌ، أَوْ لِامْرَأَةِ وَارِثَةٍ، أَوْ مُدْلِيَةٍ بِعَصَبَةِ، أَوْ وَارِثٍ. وَالثّانِي: أَنّ لَهُمْ الْحَضَانَةَ وَالتّفْرِيعُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى رُجْحَانِ جِهَةِ الْأُبُوّةِ عَلَى جِهَةِ الْأُمُومَةِ فِي الْحَضَانَةِ، وَأَنّ الْأُمّ إنّمَا قُدّمَتْ لِكَوْنِهَا أُنْثَى لَا لِتَقْدِيمِ جِهَتِهَا؛ إذْ لَوْ كَانَت جِهَتُهَا رَاجِحَةً لَتَرَجّحَ رِجَالُهَا وَنِسَاؤُهَا عَلَى الرّجَالِ وَالنّسَاءِ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ، وَلَمّا لَمْ يَتَرَجّحْ رِجَالُهَا اتّفَاقًا فَكَذَلِكَ النّسَاءُ، وَمَا الْفَرْقُ الْمُؤَثّرُ؟
قال: وَأَيْضًا فَإِنّ أُصُولَ الشّرْعِ وَقَوَاعِدَهُ شَاهِدَةٌ بِتَقْدِيمِ أَقَارِبِ الْأَبِ فِي الْمِيرَاثِ، وَوِلَايَةِ النّكَاحِ، وَوِلَايَةِ الْمَوْتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَمْ يُعْهَدْ فِي الشّرْعِ تَقْدِيمُ قَرَابَةِ الْأُمّ عَلَى قَرَابَةِ الْأَبِ فِي حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ، فَمَنْ قَدّمَهَا فِي الْحَضَانَةِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ مُوجَبِ الدّلِيلِ.
قال: فَالصّوَابُ فِي الْمَأْخَذِ هُوَ أَنّ الْأُمّ إنّمَا قُدّمَتْ؛ لِأَنّ النّسَاءَ أَرْفَقُ بِالطّفْلِ، وَأَخْبَرُ بِتَرْبِيَتِهِ، وَأَصْبَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا فَالْجَدّةُ أُمُّ الْأَبِ أَوْلَى مِنْ أُمّ الْأُمّ، وَالْأُخْتُ لِلْأَبِ أَوْلَى مِنْ الْأُخْتِ لِلْأُمّ، وَالْعَمّةُ أَوْلَى مِنْ الْخَالَةِ كَمَا نَصّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ، وَعَلَى هَذَا فَتُقَدّمُ أُمّ الْأَبِ عَلَى أَب الْأَبِ كَمَا تُقَدّمُ الْأُمّ عَلَى الْأَبِ.
قال: وَإِذَا تَقَرّرَ هَذَا الْأَصْلُ؛ فَهُوَ أَصْلٌ مُطّرِدٌ مُنْضَبِطٌ لَا تَتَنَاقَضُ فُرُوعُهُ، بَلْ إنْ اتّفَقَتْ الْقَرَابَةُ وَالدّرَجَةُ وَاحِدَةٌ؛ قُدِّمَتْ الْأُنْثَى عَلَى الذّكَرِ، فَتُقَدّمُ الْأُخْتُ عَلَى الْأَخِ، وَالْعَمَّةُ عَلَى العَمِّ، وَالْخَالَةُ عَلَى الْخَالِ وَالْجَدّةُ عَلَى الْجَدّ، وَأَصْلُهُ تَقْدِيمُ الْأُمّ عَلَى الْأَبِ. وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْقَرَابَةُ؛ قُدّمَتْ قَرَابَةُ الْأَبِ عَلَى قَرَابَةِ الْأُمّ، فَتُقَدّمُ الْأُخْتُ لِلْأَبِ عَلَى الْأُخْتِ لِلْأُمّ، وَالْعَمّةُ عَلَى الْخَالَةِ، وَعَمّةُ الْأَبِ عَلَى خَالَتِهِ، وَهَلُمّ جَرًّا.
قال: وَهَذَا هُوَ الِاعْتِبَارُ الصّحِيحُ، وَالْقِيَاسُ الْمُطّرِدُ، وَهَذَا هُوَ الّذِي قَضَى بِهِ سَيّدُ قُضَاةِ الْإِسْلَامِ شُرَيْحٌ.
قال: وَمَنْ سَلَكَ غَيْرَ هَذَا الْمَسْلَكِ لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ التّنَاقُضِ. ثم ذكر أمثلة
على ذلك.
قال: فَإِنْ قِيلَ: الْخَالَةُ تُدْلِي بِالْأُمِّ، وَالْعَمّةُ تُدْلِي بِالْأَبِ، فَكَمَا قُدّمَتْ الْأُمّ عَلَى الْأَب؛ قُدّمَ مَنْ يُدْلِي بِهَا، وَيَزِيدُهُ بَيَانًا كَوْنُ الْخَالَةِ أُمًّا كَمَا قَالَ النّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَالْعَمّةُ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ. قِيلَ: قَدْ بَيّنّا أَنّهُ لَمْ يُقَدّمْ الْأُمّ عَلَى الْأَبِ لِقُوّةِ الْأُمُومَةِ وَتَقْدِيمِ هَذِهِ الْجِهَةِ، بَلْ لِكَوْنِهَا أُنْثَى، فَإِذَا وُجِدَ عَمّةٌ وَخَالَةٌ؛ فَالْمَعْنَى الّذِي قُدّمَتْ لَهُ الْأُمّ مَوْجُودٌ فِيهِمَا، وَامْتَازَتْ الْعَمّةُ بِأَنّهَا تُدْلِي بِأَقْوَى الْقَرَابَتَيْنِ، وَهِيَ قُرَابَةُ الْأَبِ.
قال: وَالنّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَضَى بِابْنَةِ حَمْزَةَ لِخَالَتِهَا، وَقَالَ:«الْخَالَةُ أُمٌّ» حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهَا مُزَاحِمٌ مِنْ أَقَارِبِ الْأَبِ تُسَاوِيهَا فِي دَرَجَتِهَا.
ثم أورد ابن القيم على نفسه (صفية بنت عبد المطلب)؛ فإنها عمتها، وكانت موجودة، وأجاب عن ذلك بأنها كانت كبيرة السن قد جاوزت الخمسين في ذلك الحين، فلعلها لم تطالب بالحضانة لكبرها، فالحديث يدل على ما ذكروا لو ثبت أن صفية خاصمت في ابنة أخيها وطلبت كفالتها، فقدم رسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الخالة، وهذا لا سبيل إليه.
قال: وَمِمّا يُبَيّنُ صِحّةَ الْأَصْلِ الْمُتَقَدّمِ أَنّهُمْ قَالُوا: إذَا عَدِمَ الْأُمّهَاتِ وَمَنْ فِي جِهَتهنَّ؛ انْتَقَلَتْ الْحَضَانَةُ إلَى الْعَصَبَاتِ، وَقُدّمَ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْهُمْ كَمَا فِي الْمِيرَاثِ، فَهَذَا جَارٍ عَلَى الْقِيَاسِ. فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلَّا رَاعَيْتُمْ هَذَا فِي جِنْسَ الْقَرَابَةِ، فَقَدّمْتُمْ الْقَرَابَةَ الْقَوِيّةَ الرّاجِحَةَ عَلَى الضّعِيفَةِ الْمَرْجُوحَةِ كَمَا فَعَلْتُمْ فِي الْعَصَبَاتِ؟ وَأَيْضًا فَإِنَّ الصَّحِيْحَ فِي الْأَخَوَاتِ عِنْدَكُم أَنَّهُ يُقَدَّم مِنْهُنَّ مَنْ كَانَتْ
لِأَبَوَيْنِ، ثُمَّ مِنْ كَانَتْ لِأَبٍ، ثُمَّ مَنْ كَانَتْ لِأُمٍّ، وَهَذَا صَحِيحٌ مُوَافِقٌ لِلْأُصُولِ وَالْقِيَاسِ، لَكِنْ إذَا ضُمَّ هَذَا إلَى قَوْلِهِمْ بِتَقْدِيمِ قَرَابَةِ الْأُمّ عَلَى قَرَابَةِ الْأَبِ؛ جَاءَ التّنَاقُضُ، وَتِلْكَ الْفُرُوعُ الْمُشْكِلَةُ الْمُتَنَاقِضَةُ. وَأَيْضًا فَقَدْ قَالُوا بِتَقْدِيمِ أُمّهَاتِ الْأَبِ وَالْجَدّ عَلَى الْخَالَاتِ وَالْأَخَوَاتِ لِلْأُمّ، وَهُوَ الصّوَابُ الْمُوَافِقُ لِأُصُولِ الشّرْعِ، لَكِنّهُ مُنَاقِضٌ لِتَقْدِيمِهِمْ أُمّهَاتِ الْأُمّ عَلَى أُمّهَاتِ الْأَبِ، وَيُنَاقِضُ تَقْدِيمَ الْخَالَةِ وَالْأُخْتِ لِلْأُمّ عَلَى الْأَبِ.
ثم قال: وَقَدْ ضَبَطَ هَذَا الْبَابَ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيّةَ بِضَابِطِ آخَرَ، فَقَالَ: أَقْرَبُ مَا يُضْبَطُ بِهِ بَابُ الْحَضَانَةِ أَنْ يُقَالَ: لَمّا كَانَتْ الْحَضَانَةُ وِلَايَةً تَعْتَمِدُ الشّفَقَةَ، وَالتّرْبِيَةَ، وَالْمُلَاطَفَةَ؛ كَانَ أَحَقّ النّاسِ بِهَا أَقْوَمَهُمْ بِهَذِهِ الصّفَاتِ وَهُمْ أَقَارِبُهُ، يُقَدّمُ مِنْهُمْ أَقْرَبُهُمْ إلَيْهِ، وَأَقْوَمُهُمْ بِصِفَاتِ الْحَضَانَةِ؛ فَإِنْ اجْتَمَعَ مِنْهُمْ اثْنَانِ فَصَاعِدًا؛ فَإِنْ اسْتَوَتْ دَرَجَتُهُمْ؛ قُدّمَ الْأُنْثَى عَلَى الذّكَرِ، فَتُقَدّمُ الْأُمّ عَلَى الْأَبِ، وَالْجَدّةُ عَلَى الْجَدِّ، وَالْخَالَةُ عَلَى الْخَالِ، وَالْعَمّةُ عَلَى الْعَمّ، وَالْأُخْتُ عَلَى الْأَخِ؛ فَإِنْ كَانَا ذَكَرَيْنِ، أَوْ أُنْثَيَيْنِ؛ قُدّمَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ، يَعْنِي مَعَ اسْتِوَاءِ دَرَجَتِهِمَا، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ دَرَجَتُهُمَا مِنْ الطّفْلِ؛ فَإِنْ كَانُوا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ؛ قُدّمَ الْأَقْرَبُ إلَيْهِ، فَتُقَدّمُ الْأُخْتُ عَلَى ابْنَتِهَا، وَالْخَالَةُ عَلَى خَالَةِ الْأَبَوَيْنِ، وَخَالَةُ الْأَبَوَيْنِ عَلَى خَالَةِ الْجَدّ وَالْجَدّةِ، وَالْجَدّ أَبُو الْأُمّ عَلَى الْأَخِ لِلْأُمّ، هَذَا هُوَ الصّحِيحُ؛ لِأَنّ جِهَةَ الْأُبُوّةِ وَالْأُمُومَةِ فِي الْحَضَانَةِ أَقْوَى مِنْ جِهَةِ الْأُخُوّةِ فِيهَا. وَقِيلَ: يُقَدّمُ الْأَخُ لِلْأُمِّ؛ لِأَنّهُ أَقْوَى مِنْ أَبِ الْأُمّ فِي الْمِيرَاثِ. وَالْوَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد. وَفِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ: أَنّهُ
لَا حَضَانَةَ لِلْأَخِ مِنْ الْأُمّ بِحَالِ؛ لِأَنّهُ لَيْسَ مِنْ الْعَصَبَاتِ، وَلَا مِنْ نِسَاءِ الْحَضَانَةِ، وَكَذَلِكَ الْخَالُ أَيْضًا؛ فَإِنَّ صَاحِبَ هَذَا الْوَجْهِ يَقُولُ: لَا حَضَانَةَ لَهُ.
وَلَا نِزَاعَ أَنّ أَبَا الْأُمّ وَأُمّهَاتِهِ أَوْلَى مِنْ الْخَالِ.
قال: وَإِنْ كَانُوا مِنْ جِهَتَيْنِ، كَقَرَابَةِ الْأُمّ، وَقَرَابَةِ الْأَبِ، مِثْلَ الْعَمّةِ، وَالْخَالَةِ، وَالْأُخْتِ لِلْأَبِ، وَالْأُخْتِ لِلْأُمّ، وَأُمّ الْأَبِ، وَأُمّ الْأُمّ، وَخَالَةِ الْأَبِ، وَخَالَةِ الْأُمّ؛ قُدِّمَ مَنْ فِي جِهَةِ الْأَبِ فِي ذَلِكَ كُلّهِ عَلَى إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ فِيهِ. هَذَا كُلّهُ إذَا اسْتَوَتْ دَرَجَتُهُمْ، أَوْ كَانَتْ جِهَةُ الْأَبِ أَقْرَبَ إلَى الطّفْلِ، وَأَمّا إذَا كَانَتْ جِهَةُ الْأُمّ أَقْرَبَ، وَقَرَابَةُ الْأَبِ أَبْعَدُ، كَأُمِّ الْأُمِّ، وَأُمِّ أَبِ الْأَبِ، وَكَخَالَةِ الطّفْلِ، وَعَمّةِ أَبِيهِ؛ فَقَدْ تَقَابَلَ التّرْجِيحَانِ، وَلَكِنْ يُقَدّمُ الْأَقْرَبُ إلَى الطّفْلِ لِقُوّةِ شَفَقَتِهِ وَحُنُوّهِ عَلَى شَفَقَةِ الْأَبْعَدِ، وَمَنْ قَدّمَ قَرَابَةَ الْأَبِ فَإِنّمَا يُقَدّمُهَا مَعَ مُسَاوَاةِ قَرَابَةِ الْأُمّ لَهَا، فَأَمّا إذَا كَانَتْ أَبْعَدَ مِنْهَا؛ قُدِّمَتْ قَرَابَةُ الْأُمّ الْقَرِيبَةِ، وَإِلّا لَزِمَ مِنْ تَقْدِيمِ الْقَرَابَةِ الْبَعِيدَةِ لَوَازِمُ بَاطِلَةٌ لَا يَقُولُ بِهَا أَحَدٌ، فَبِهَذَا الضّابِطِ يُمْكِنُ حَصْرُ جَمِيعِ مَسَائِلِ هَذَا الْبَابِ وَجَرْيُهَا عَلَى الْقِيَاسِ الشّرْعِيّ، وَاطّرَادُهَا وَمُوَافَقَتُهَا لِأُصُولِ الشّرْعِ، فَأَيّ مَسْأَلَةٍ وَرَدَتْ عَلَيْك أَمْكَنَ أَخْذُهَا مِنْ هَذَا الضّابِطِ مَعَ كَوْنِهِ مُقْتَضَى الدّلِيلِ، وَمَعَ سَلَامَتِهِ مِنْ التّنَاقُضِ وَمُنَاقَضَةِ قِيَاسِ الْأُصُولِ، وَبِاَلله التّوْفِيقُ. انتهى من «زاد المعاد» باختصار (5/ 438 - 451).
تنبيه: الترتيب المذكور إنما هو في حالة التنازع، وأما إن رضي القريب بحضانة البعيد؛ فلا إشكال في ذلك، ومن قصَّر في الحضانة؛ فإنَّ الحاكم يلزمه بها، وإلا نقلها إلى غيره ممن يقوم بها، والله أعلم.
فائدة: تقدم أنَّ الأم أحق بالطفل مالم تتزوج؛ فإن تزوجت فالأب أحق به، هذا قول الجمهور كما تقدم، وبقي إذا لم يكن الأب موجودًا، فهل تنتقل الحضانة إلى أقرباء الأب، وتؤخذ من الأم؟
قال بذلك الجمهور، والذي يظهر أنهم ليس لهم أخذها من الأم؛ لأنَّ الحديث الوارد كان النزاع فيه بين الأب والأم، وهم في درجة واحدة، وهذا قول الحسن، وابن حزم، وابن جرير، ثم ظهر لي أن قول الجمهور أقرب، وهو أن الأولياء أحق به بعد زواجها؛ لأنه يشق عليهم بقاؤه عند رجل أجنبي، وبذلك أفتى الإمام ابن باز مع غيره من أعضاء اللجنة الدائمة.
(1)
فائدة أخرى: قال ابن القيم رحمه الله: وَهَاهُنَا مَسْأَلَةٌ يَنْبَغِي التّنْبِيهُ عَلَيْهَا وَهِيَ: أَنّا إذَا أَسْقَطْنَا حَقَّهَا مِنْ الْحَضَانَةِ بِالنّكَاحِ، وَنَقَلْنَاهَا إلَى غَيْرِهَا، فَاتّفِقَ أَنّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَاهَا؛ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهَا مِنْ الْحَضَانَةِ، وَهِيَ أَحَقّ بِهِ مِنْ الْأَجْنَبِيّ الّذِي يَدْفَعُهُ الْقَاضِي إلَيْهِ، وَتَرْبِيَتُهُ فِي حِجْرِ أُمّهِ، وَرَأْيِهِ أَصْلَحُ مِنْ تَرْبِيَتِهِ فِي بَيْتِ أَجْنَبِيّ مَحْضٍ لَا قَرَابَةَ بَيْنَهُمَا تُوجِبُ شَفَقَتَهُ وَرَحْمَتَهُ، وَحُنُوّهُ، وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ تَأْتِيَ الشّرِيعَةُ بِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ بِمَفْسَدَةِ أَعْظَمَ مِنْهَا بِكَثِيرِ، وَالنّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَحْكُمْ حُكْمًا عَامًّا كُلِّيًّا: أَنّ كُلّ امْرَأَةٍ تَزَوّجَتْ سَقَطَتْ حَضَانَتُهَا فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، حَتّى يَكُونَ إثْبَاتُ الْحَضَانَةِ لِلْأُمّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُخَالَفَةً لِلنّصّ. اهـ
(2)
(1)
«زاد المعاد» (5/ 485 - ).
(2)
«زاد المعاد» (5/ 462 - 463).