الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مسألة [32]: إذا رجع عن إقراره قبل تمام الحد عليه
؟
• أكثر أهل العلم على أنه يصح رجوعه عن الإقرار، ويجب الكف عنه، وهو قول عطاء، ويحيى بن يعمر، والزهري، وحماد، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي حنيفة، وأبي يوسف وغيرهم.
واستدلوا على ذلك بأنه ثبت من طرقٍ أنَّ ماعزًا هَرَب، وقال: ردوني إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. فقتلوه. فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «هلا تركتموه وجئتموني به» .
• وذهب جماعةٌ من العلماء إلى أنه يُقام عليه الحد ولا يترك، وهو قول الحسن، وابن أبي ليلى، ومالك في رواية، وسعيد بن جبير.
واستدلوا بالحديث السابق، وقالوا: لو قُبِلَ رجوعُه؛ للزمتهم الدية، ولأنه حق وجب بإقراره؛ فلم يقبل رجوعه كسائر الحقوق، وهذا قول الظاهرية، واختاره ابن عثيمين.
وأجاب أصحاب القول الأول بأنَّ رجوعه أقل ما فيه أنه شبهة، والحدود تُدرأ بالشبهات؛ ولأنَّ الإقرار إحدى بينتي الحد، فيسقط بالرجوع عنه، كالبينة إذا رجعت قبل إقامة الحد، وفارق سائر الحقوق؛ فإنها لا تُدرأ بالشبهات.
قالوا: وإنما لم يجب ضمان ماعز على الذين قتلوه بعد هربه؛ لأنه ليس بصريح في الرجوع، وهذا القول فيما يظهر لي أقرب، والله أعلم.
قال ابن قدامة رحمه الله في «المغني» (12/ 362): إذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَإِنَّهُ إذَا هَرَبَ لَمْ
يُتْبَعْ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ» ، وَإِنْ لَمْ يُتْرَكْ وَقُتِلَ، لَمْ يُضْمَنْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُضَمِّنْ مَاعِزًا مَنْ قَتَلَهُ؛ وَلِأَنَّ هَرَبَهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي رُجُوعِهِ. وَإِنْ قَالَ: رُدُّونِي إلَى الْحَاكِمِ. وَجَبَ رَدُّهُ، وَلَمْ يَجُزْ إتْمَامُ الْحَدِّ؛ فَإِنْ أُتِمَّ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ أَتَمَّهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي هَرَبِهِ. وَإِنْ رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ، وَقَالَ: كَذَبْت فِي إقْرَارِي. أَوْ: رَجَعْت عَنْهُ. أَوْ: لَمْ أَفْعَلْ مَا أَقْرَرْت بِهِ. وَجَبَ تَرْكُهُ؛ فَإِنْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ بَعْدَ ذَلِكَ؛ وَجَبَ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ زَالَ إقْرَارُهُ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ، فَصَارَ كَمَنْ لَمْ يُقِرَّ، وَلَا قِصَاصَ عَلَى قَاتِلِهِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ رُجُوعِهِ، فَكَانَ اخْتِلَافُهُمْ شُبْهَةً دَارِئَةً لِلْقِصَاصِ؛ وَلِأَنَّ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ مِمَّا يَخْفَى، فَيَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا مَانِعًا مِنْ وُجُوبِ الْقِصَاصِ. اهـ
فائدة: يستحب للإمام أن يراجع المعترف على اعترافه وإقراره كما فعل ذلك النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وصح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذلك أيضًا كما في «موطإِ مالك» (2/ 823)، وثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه راجع من أقرَّ على نفسه بالسرقة كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (10/ 23 - 24).
الأمر الثاني مما يثبت به الزنى: شهادة أربعة رجال عدول.
شهادة الزنى لها شروط عند أهل العلم:
• الشرط الأول: أن يكونوا أربعة.
وهذا إجماع لا خلاف فيه؛ لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ
فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور:4]، وقال تعالى:{لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النور:13]، {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} [النساء:15].
• الشرط الثاني: أن يكونوا رجالًا كلهم. ولا تقبل فيه شهادة النساء بحال.
قال ابن قدامة رحمه الله: وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، إلَّا شَيْئًا يُرْوَى عَنْ عَطَاءٍ، وَحَمَّادٍ، أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ وَامْرَأَتَانِ. وَهُوَ شُذُوذٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْأَرْبَعَةِ اسْمٌ لِعَدَدِ الْمُذَكَّرِينَ، وَيَقْتَضِي أَنْ يُكْتَفَى فِيهِ بِأَرْبَعَةٍ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْأَرْبَعَةَ إذَا كَانَ بَعْضُهُمْ نِسَاءً لَا يُكْتَفَى بِهِمْ، وَإِنَّ أَقَلَّ مَا يُجْزِئُ خَمْسَةٌ، وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ. اهـ
• الشرط الثالث: العدالة. ولا خلاف في اشتراطها؛ فلا تقبل شهادة الفاسق، ولا مستور الحال.
• الشرط الرابع: أن يكون الشهداء مسلمين.
فلا تقبل شهادة أهل الذمة، ولو على أنفسهم؛ لعدم تحقق العدالة فيهم.
• الشرط الخامس: أن يصفوا حقيقة الزنى، وصريحه.
وممن نصَّ على ذلك الزهري، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي وغيرهم. ولا خلاف في ذلك.
• الشرط السادس: العقل، والبلوغ. فلا يجوز شهادة مجنون، ولا صبي بلا خلاف.