الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مسألة [4]: اشتراط الإحصان، وبماذا يحصل الإحصان
؟
الرجم لا يجب إلا على المحصن بإجماع أهل العلم؛ لما جاء في حديث عمر رضي الله عنه في الباب: «إن الرجم حقٌّ على من زنى، وقد أحصن» ، وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-:«لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث» ، وذكر منها:«أو زنًى بعد إحصان» ، ولحديث الباب:«هل أحصنت؟» .
وقد اشترط أهلُ العلم للإحصان شروطا:
الأول: الوطء في القُبُل.
ولا خلاف في اشتراطه؛ للحديث: «الثيب بالثيب» ، والثيابة تحصل بالوطء في القبل؛ فوجب اعتباره، ولا خلاف في أنَّ عقد النكاح الخالي عن الوطء لا يحصل به إحصان.
ويُشترط أن يكون وطئًا حصل به تغييب الحشفة؛ لأنَّ ذلك حد الوطء الذي يتعلق به أحكام الوطء.
الثاني: أن يكون الوطء في نكاح.
لأنَّ النكاح يسمى إحصانًا، بدليل قول الله تعالى:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء:24] يعني: المتزوجات.
قال ابن قدامة رحمه الله: وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ التَّسَرِّيَ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِحْصَانُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِكَوْنِهِ لَيْسَ بِنِكَاحٍ، وَلَا تَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُهُ. اهـ
الثالث: أن يكون النكاح صحيحًا.
• اشترط جمهور العلماء في الإحصان أن يكون النكاح صحيحًا، وهو قول عطاء، وقتادة، وقال به أصحاب المذاهب الأربعة.
• وقال أبو ثور: يحصل الإحصان بالوطء في نكاح فاسد، وحُكي ذلك عن الليث، والأوزاعي، وبعض الشافعية؛ لأنَّ الصحيح والفاسد سواء في أكثر الأحكام مثل وجوب المهر، والعدة، وتحريم الربيبة، وأم المرأة، ولحاق الولد. واختاره الشوكاني.
وأُجيب بأنه وطءٌ في غير ملك؛ فلم يحصل به الإحصان كوَطءِ الشبهة، ولا يسلم ما ذكروه من أن الأحكام تعلقت به لكونه نكاح شبهة، وإنما تثبت بالوطء فيه، وهذه ثبتت في كل وطءٍ، وليست مختصة بالنكاح؛ إلا أنَّ النكاح ههنا صار شبهة، فصار فيه كوطء الشبهة.
الرابع: الحرية.
قال ابن قدامة رحمه الله: وَهِيَ شَرْطٌ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ كُلِّهِمْ، إلَّا أَبَا ثَوْرٍ: قَالَ الْعَبْدُ، وَالْأَمَةُ هُمَا مُحْصَنَانِ، يُرْجَمَانِ إذَا زَنَيَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ إجْمَاعٌ يُخَالِفُ ذَلِكَ. وَحُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ فِي الْعَبْدِ تَحْتَهُ حُرَّةٌ: هُوَ مُحْصَنٌ يُرْجَمُ إذَا زَنَى، وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ أَمَةٌ؛ لَمْ يُرْجَمْ.
وَهَذِهِ أَقْوَالٌ تُخَالِفُ النَّصَّ وَالْإِجْمَاعَ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: {فَإِنْ أَتَيْنَ
بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء:25].اهـ
والرجم لا يتنصف، وإيجابه كله يخالف النص مع مخالفة الإجماع المنعقد قبله، وقد وافق الأوزاعي على أنَّ العبد إذا وطئ الأمة، ثم عتق لم يصيرا محصنين، وهو قول الجمهور.
الخامس والسادس: البلوغ والعقل.
فلو وطئ وهو صبي، أو مجنون، ثم بلغ، أو عقل؛ لم يكن محصنًا. هذا قول أكثر أهل العلم، وهو مذهب الشافعي، ونُقل عن بعض أصحابه أنه قال: يصير محصنًا، وكذلك العبد إذا وطِئَ في رِقِّه ثم عَتَقَ يصير محصنًا؛ لأنه وطء يحصل به الإحلال للمطلق ثلاثًا؛ فيحصل به الإحصان أيضًا.
قال ابن قدامة رحمه الله في «المغني» (12/ 314 - 316): وَلَنَا قَوْلُهُ عليه السلام: «وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ، جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» ، فَاعْتَبَرَ الثُّيُوبَةَ خَاصَّةً، وَلَوْ كَانَتْ تَحْصُلُ قَبْلَ ذَلِكَ؛ لَكَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّجْمُ قَبْلَ بُلُوغِهِ وَعَقْلِهِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَيُفَارِقُ الْإِحْصَانُ الْإِحْلَالَ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْوَطْءِ فِي حَقِّ الْمُطَلِّقِ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُقُوبَةً لَهُ بِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَطَأَهَا غَيْرُهُ؛ وَلِأَنَّ هَذَا مِمَّا تَأْبَاهُ الطِّبَاعُ وَيَشُقُّ عَلَى النُّفُوسِ، فَاعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ زَجْرًا عَنْ الطَّلَاقِ ثَلَاثًا، وَهَذَا يَسْتَوِي فِيهِ الْعَاقِلُ وَالْمَجْنُونُ، بِخِلَافِ الْإِحْصَانِ؛ فَإِنَّهُ اُعْتُبِرَ لِكَمَالِ النِّعْمَةِ فِي حَقِّهِ؛ فَإِنْ مَنْ كَمَلَتْ النِّعْمَةُ فِي حَقِّهِ، كَانَتْ جِنَايَتُهُ أَفْحَشَ وَأَحَقَّ بِزِيَادَةِ الْعُقُوبَةِ، وَالنِّعْمَةُ فِي الْعَاقِلِ الْبَالِغِ أَكْمَلُ. اهـ
(1)
(1)
وانظر: «البيان» (12/ 353 - 355)«السيل» (ص 846)«الشرح الممتع» .