الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
1107 -
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: إنَّمَا الأَقْرَاءُ الأَطْهَارُ. أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي قِصَّةٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.
(1)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [1]: ما هو المراد بالأقراء، الأطهار، أم الحيض
؟
جاءت اللغة العربية بتفسير الأقراء بالحيض وبالطهر، وأنشدوا في الأمرين أشعارًا تدل على ذلك.
واختلف أهل العلم في المقصود بالآية على قولين:
• القول الأول: أنَّ المقصود بذلك الحيض.
صحَّ هذا القول عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبدالله بن مسعود، وأبي موسى، وجاء ذلك عن عثمان، وأبي بكر، وابن عباس، وفي الأسانيد إليهم ضعف.
وكذا عن أبي الدرداء، وعبادة بن الصامت، والإسناد إليهما منقطع.
وهذا قول علقمة، والأسود، وإبراهيم، وشريح، والشعبي، والحسن، وقتادة، وسعيد بن جبير، وطاوس، وسعيد بن المسيب، والثوري، والأوزاعي، والعنبري، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي.
وهذا القول هو الذي استقر عليه قول أحمد كما ذكر ذلك أصحابه.
(1)
صحيح. أخرجه مالك (2/ 576 - 577) عن الزهري عن عمرة عن عائشة به. وإسناده صحيح.
واستدل أصحاب هذا القول بأدلة وهي:
1) قوله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق:4]، فنقلهن عند عدم الحيض إلى الاعتداد بالأشهر، فدل ذلك على أنَّ الأصل الحيض.
2) المعهود في استعمال الشرع استعمال القرء بمعنى الحيض؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لفاطمة بنت أبي حبيش: «دعي الصلاة أيام أقرائك» ، ولم يأت في موضع واحد استعمال الشرع له بمعنى الطهر.
3) ظاهر قوله تعالى: {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة:228] أنهن يتربصن ثلاثة كاملة، ومن جعل القروء الأطهار لم يوجب ثلاثة؛ لأنه يكتفي بطهرين، وبعض الثالث، ولو بجزء يسير، فيخالف ظاهر النص.
4) أنَّ العدة استبراء فكانت بالحيض، كاستبراء الأمة.
5) قوله تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228]، وهو الحيض والحمل عند عامة المفسرين.
6) أنَّ الذي يدل على براءة الرحم هو الحيض لا الطهر.
• القول الثاني: أنَّ الأقراء هي الأطهار. وهذا القول صح عن عائشة، وزيد بن ثابت، وعبدالله بن عمر، وابن عباس، وهو قول القاسم، وسالم، وسليمان بن يسار، وأبان ابن عثمان، وعمر بن عبدالعزيز، والزهري، ومالك، والشافعي،
وداود، وأبي ثور وأصحابهم، وقال به أحمد في رواية.
واستدلوا على ذلك بأدلة:
1) قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1]، أو في عدتهن كقوله تعالى:{وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء: 47]، أي: في يوم القيامة، فاللام لام الوقت، وكذا {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78]، وقد فسَّر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- العدة حين أمر عبدالله أن يطلقها في طهر لم يمسها فيه، ثم قال:«فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» .
2) قراءة {فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبلِ عِدَّتِهِنَّ} ، أي: مستقبلة عدتها؛ وذلك بأن يطلقها طاهرًا؛ لأنها حينئذٍ تستقبل عدتها، ولو طلقت حائضًا لم تكن مستقبلة عدتها إلا بعد الحيض.
3) قالوا: وأما قول المخالف: (ثلاثة كاملة) فبقية الطهر، وإن كان قليلًا يعتبر قُرءًا كاملًا، وكذلك العرب توقع اسم الجمع على اثنين، وبعض الثالث، كقوله تعالى:{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197].
4) قالوا: وتأنيث اللفظ بقوله {ثَلَاثَة} يدل على أنه قصد الأطهار؛ لأنه مذكر، لا الحيضة؛ لأنها مؤنثة.
5) قالوا: الحديث الوارد: «تدع الصلاة أيام أقرائها» أجاب عنه الشافعي بأنَّ أيوب شكَّ في اللفظ فقال: «تدع الصلاة عدد الليالي والأيام التي كانت
تحيضهن، أو أيام أقرائها» قال: وقد رواه نافع بإسناده عن أم سلمة: «لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها ما أصابها، ثم لتدع الصلاة .. » ، وقد روى أيوب الحديث بهذا اللفظ بدون شك؛ فوجب الأخذ به لموافقته لنافع عليه.
وقال البيهقي رحمه الله: وقد رُوي هذا اللفظ الذي احتجوا به في أحاديث ذكرناها في كتاب الحيض، وتلك الأحاديث في نفسها مختلف فيها، فبعض الرواة قال فيها:«أيام أقرائها» ، وبعضهم قال فيها:«أيام حيضها» أو في معناه، وكل ذلك من جهة الرواة، كل واحد منهم يعبر بما يقع له، والأحاديث الصحاح متفقة على العبارة عنه بأيام الحيض دون لفظ الأقراء، والله أعلم.
6) قالوا: استدلال المخالف بالآية: {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة:228] لا يدل على أنَّ الأقراء الحيض؛ لأنَّ المرأة إذا كتمت مجيء الحيض فقد كتمت انقضاء الطهر.
7) وقالوا: استدلال المخالف بالآية: {وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4] ليس فيه أنَّ الأقراء الحيض، وإنما فيه أنَّ التي لا تحيض تعتد بالأشهر.
ونحن نقول: الأطهار لا يمكن وجودها إلا مع الحيض، والقول الأول هو الصواب.
وأما الجواب عن أدلة أصحاب هذا القول فكما يلي:
1) استدلالهم بقوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1]، أجاب عنه ابن القيم رحمه الله، فقال: أَمّا اسْتِدْلَالُكُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} ؛ فَهُوَ إلَى أَنْ يَكُونَ حُجّةً عَلَيْكُمْ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى أَنْ يَكُونَ حُجّةً لَكُمْ؛ فَإِنّ الْمُرَادَ طَلَاقُهَا قَبْلَ الْعِدّةِ ضَرُورَةً؛ إذْ لَا يُمْكِنُ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى الطّلَاقِ فِي الْعِدّةِ؛ فَإِنَّ هَذَا مَعَ تَضَمّنِهِ لِكَوْنِ اللّامِ لِلظّرْفِيّةِ بِمَعْنَى (فِي) فَاسِدٌ مَعْنَى؛ إذْ لَا يُمْكِنُ إيقَاعُ الطّلَاقِ فِي الْعِدّةِ؛ فَإِنّهُ سَبَبُهَا وَالسّبَبُ يَتَقَدّمُ الْحُكْمَ، وَإِذَا تَقَرّرَ ذَلِكَ فَمَنْ قَالَ: الْأَقْرَاءُ (الْحِيَضُ)، فَقَدْ عَمِلَ بِالْآيَةِ وَطَلّقَ قَبْلَ الْعِدّةِ.
قال: فَإِنْ قُلْتُمْ: وَمَنْ قَالَ: إنّهَا الْأَطْهَارُ. فَالْعِدّةُ تَتَعَقّبُ الطّلَاقَ؛ فَقَدْ طَلّقَ قَبْلَ الْعِدّةِ.
قال: قُلْنَا: فَبَطَلَ احْتِجَاجُكُمْ حِينَئِذٍ، وَصَحّ أَنّ الْمُرَادَ الطّلَاقُ قَبْلَ الْعِدّةِ، لَا فِيهَا، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ يَصِحّ أَنْ يُرَادَ بِالْآيَةِ.
ثم ذكر كلامًا في تقرير أنَّ اللام هنا ليست للظرفية، وإنما هي تفيد مُضِي زمن الفعل أو استقباله.
ثم قال: وَإِذَا تَقَرّرَ هَذَا مِنْ قَوَاعِدِ الْعَرَبِيّةِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى:{فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} مَعْنَاهُ: لِاسْتِقْبَالِ عِدّتِهِنّ لَا فِيهَا، وَإِذَا كَانَتْ الْعِدّةُ الّتِي يُطَلّقُ لَهَا النّسَاءُ مُسْتَقْبَلَةً بَعْدَ الطّلَاقِ؛ فَالْمُسْتَقْبَلُ بَعْدَهَا إنّمَا هُوَ الْحَيْضُ؛ فَإِنّ الطّاهِرَ لَا
تَسْتَقْبِلُ الطّهْرَ؛ إذْ هِيَ فِيهِ، وَإِنّمَا تَسْتَقْبِلُ الْحَيْضَ بَعْدَ حَالِهَا الّتِي هِيَ فِيهَا، هَذَا الْمَعْرُوفُ لُغَةً، وَعَقْلًا، وَعُرْفًا؛ فَإِنّهُ لَا يُقَالُ لِمَنْ هُوَ فِي عَافِيَةٍ: هُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْعَافِيَةَ. وَلَا لِمَنْ هُوَ فِي أَمْنٍ: هُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْأَمْنَ.
قال: فَإِنْ قِيلَ: فَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ مَنْ طَلّقَ فِي الْحَيْضِ مُطَلّقًا لِلْعِدّةِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ؛ لِأَنّهَا تَسْتَقْبِلُ طُهْرَهَا بَعْدَ حَالِهَا الّتِي هِيَ فِيهَا. قُلْنَا: نَعَمْ يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ.
ثم قال: وَلَوْ سَلّمْنَا أَنّ (اللّامَ) بِمَعْنَى (فِي)، وَسَاعَدَ عَلَى ذَلِكَ قِرَاءَةُ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما وَغَيْرِهِ {فَطَلّقُوهُنّ فِي قُبُلِ عِدّتِهِنّ} ؛ فَإِنّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْقَرْءُ هُوَ الطّهْرَ؛ فَإِنّ الْقَرْءَ حِينَئِذٍ يَكُونُ هُوَ الْحَيْضَ، وَهُوَ الْمَعْدُودُ وَالْمَحْسُوبُ، وَمَا قَبْلَهُ مِنْ الطّهْرِ يَدْخُلُ فِي حُكْمِهِ تَبَعًا وَضِمْنًا لِوَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنّ مِنْ ضَرُورَةِ الْحَيْضِ أَنْ يَتَقَدّمَهُ طُهْرٌ، فَإِذَا قِيلَ: تَرَبّصِي ثَلَاثَ حِيَضٍ. وَهِيَ فِي أَثْنَاءِ الطّهْرِ؛ كَانَ ذَلِكَ الطّهْرُ مِنْ مُدّةِ التّرَبّصِ، كَمَا لَوْ قِيلَ لِرَجُلٍ: أَقِمْ هَاهُنَا ثَلَاثَةَ أَيّامٍ. وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ لَيْلَةٍ؛ فَإِنّهُ يُدْخِلُ بَقِيّةَ تِلْكَ اللّيْلَةِ فِي الْيَوْمِ الّذِي يَلِيهَا كَمَا تَدْخُلُ لَيْلَةُ الْيَوْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ فِي يَوْمَيْهِمَا. الثّانِي: أَنّ الْحَيْضَ إنّمَا يَتِمّ بِاجْتِمَاعِ الدّمِ فِي الرّحِمِ قَبْلَهُ؛ فَكَانَ الطّهْرُ مُقَدّمَةً وَسَبَبًا لِوُجُودِ الْحَيْضِ، فَإِذَا عُلّقَ الْحُكْمُ بِالْحَيْضِ فَمِنْ لَوَازِمِهِ مَا لَا يُوجَدُ الْحَيْضُ إلّا بِوُجُودِهِ. اهـ
قال شيخ الإسلام رحمه الله كما في «مجموع الفتاوى» (20/ 479): ثم الطهر يدخل في اسم القُرء تبعًا كما يدخل الليل في اسم اليوم، قال النبي صلى الله عليه وسلم -
للمستحاضة: «دعي الصلاة أيام أقرائك» ، والطهر الذي يتعقبه حيض هو قرء؛ فالقرء اسم للجميع.
قال: وأما الطهر المجرد؛ فلا يسمى قرءًا؛ ولهذا إذا طلقت في أثناء حيضة لم تعتد ذلك قرءًا؛ لأنَّ عليها أن تعتد بثلاثة قروء، وإذا طلقت في أثناء طهر كان القرء الحيضة مع ما تقدمها من الطهر؛ ولهذا كان أكابر الصحابة على أنَّ الأقراء الحيض، كعمر، وعثمان، وعلي، وأبي موسى وغيرهم؛ لأنها مأمورة بتربص ثلاثة قروء، فلو كان القرء هو الطهر؛ لكانت العدة قُرأين، وبعض الثالث؛ فإنَّ النزاع من الطائفتين في الحيضة الثالثة؛ فإنَّ أكابر الصحابة ومن وافقهم يقولون: هو أحق بها مالم تغتسل من الحيضة الثالثة. وصغار الصحابة يقولون: إذا طعنت في الحيضة الثالثة؛ فقد حلَّت. فقد ثبت بالنص والإجماع أنَّ السنة أن يطلقها طاهرًا من غير جماع، وقد مضى بعض الطهر، والله أمر أن يطلق لاستقبال العدة لا في أثناء العدة وقوله {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] عدد ليس هو كقوله {ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ} [الطلاق: 4] فإنَّ ذلك صيغة جمع لا عدد، فلابد من ثلاثة قروء كما أمر الله، لا يكفي بعض الثالث. انتهى.
قلتُ: ويلزم القائلين بالأطهار أنه إذا طلقها في آخر جزء من الحيض؛ فقد طلقها لعدتها؛ لأنها تستقبل الأطهار، وهم لا يقولون بذلك.
ويلزمهم أنه إذا طلقها في آخر جزء من الطهر؛ فقد طلقها لغير عدتها؛ لأنه طلقها مستقبلة الحيض، وهم لا يقولون بذلك، بل يقولون: إنه طلقها طلاقًا
شرعيًّا؛ فدلَّ على أنَّ الأقراء هي الحيض، ويدخل الطهر فيه تبعًا، والله أعلم.
2) وقولهم: (إن بعض الطهر ولو كان لحظة يُعتبر قُرءًا كاملًا) فيحتاجون إلى إثبات ذلك من لغة العرب، أو لسان الشارع دون قول هؤلاء أنفسهم.
وقولهم: (إنَّ العرب توقع اسم الجمع على اثنين وبعض الثالث).
فقال ابن القيم رحمه الله: إِنّمَا يَقَعُ هَذَا فِي أَسْمَاءِ الْجُمُوعِ الّتِي هِيَ ظَوَاهِرُ فِي مُسَمّاهَا، وَأَمّا صِيَغُ الْعَدَدِ الّتِي هِيَ نُصُوصٌ فِي مُسَمّاهَا، فَكَلّا وَلَمَّا، وَلَمْ تَرِدْ صِيغَةُ الْعَدَدِ إلّا مَسْبُوقَةً بِمُسَمّاهَا، كَقَوْلِهِ {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ} [التّوْبَةَ:36]، وَقَوْلُهُ:{وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا} [الْكَهْفَ:25]، وَقَوْلُهُ:{فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [الْبَقَرَةَ:196]، وَقَوْلُهُ:{سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا} [الْحَاقّةَ:7]، وَنَظَائِرُهُ مِمّا لَا يُرَادُ بِهِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ دُونَ مُسَمّاهُ مِنْ الْعَدَدِ، وَقَوْلُهُ:{ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} اسْمُ عَدَدٍ لَيْسَ بِصِيغَةِ جَمْعٍ، فَلَا يَصِحّ إلْحَاقُهُ بِأَشْهُرٍ مَعْلُومَاتٍ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنّ اسْمَ الْعَدَدِ نَصٌّ فِي مُسَمّاهُ لَا يَقْبَلُ التّخْصِيصَ الْمُنْفَصِلَ بِخِلَافِ الِاسْمِ الْعَامّ؛ فَإِنّهُ يَقْبَلُ التّخْصِيصَ الْمُنْفَصِلَ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ التّوَسّعِ فِي الِاسْمِ الظّاهِرِ التّوَسّعُ فِي الِاسْمِ الّذِي هُوَ نَصّ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ.
الثّانِي: أَنّ اسْمَ الْجَمْعِ يَصِحّ اسْتِعْمَالُهُ فِي اثْنَيْنِ فَقَطْ مَجَازًا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَحَقِيقَةً عِنْدَ بَعْضِهِمْ، فَصِحّةُ اسْتِعْمَالِهِ فِي اثْنَيْنِ وَبَعْضِ الثّالِثِ أَوْلَى بِخِلَافِ الثَّلَاثَة؛ وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ الله تَعَالَى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ
فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} [النّسَاءَ: 11] حَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى أَخَوَيْنِ، وَلَمّا قَالَ:{فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ} [النّورَ:6] لَمْ يَحْمِلْهَا أَحَدٌ عَلَى مَا دُونَ الْأَرْبَعِ. اهـ
3) أما الأحاديث التي فيها أنَّ المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها فقد تقدم أحدها، وكلام الشافعي عليه، وقد جاء من حديث عائشة وفاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنهما:«إذا أتى قرؤك فلا تصلي، وإذا مرَّ قرؤك فتطهري، ثم صلي ما بين القرء إلى القرء» رواه أبو داود (280)، والنسائي (1/ 183)، وفي إسناده: المنذر بن المغيرة، وهو مجهول.
وأخرجه الحاكم (1/ 175) من وجهٍ آخر بلفظ: «لتدع الصلاة في كل شهر أيام أقرائها» ، وهو عند أحمد أيضًا (6/ 464)، وفي إسناده: عثمان بن سعد الكاتب، وهو ضعيف.
وأخرج نحوه أبو داود (297) من حديث عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، وإسناده شديد الضعف بسبب أبي اليقظان عثمان بن عمير، وهو متروك، وأخرج أبو داود نحوه عقب الحديث (281)، بإسناد ظاهره الصحة.
وأصح ما ورد ما رواه أحمد (6/ 128 - 129) من حديث عائشة، وفيه: «لتنظر عدد أيام قرئها
…
»، وإسناده ظاهره الصحة، وتقدم كلام البيهقي أنها رُويت بالمعنى، وليس ببعيد ما قاله؛ فإنَّ القصة واحدة، وأكثر الألفاظ بلفظ الحيض.
قال ابن القيم رحمه الله: وتعليل هذه الأحاديث بأنَّ هذا من تغيير الرواة، رووه بالمعنى، لا يلتفت إليه، ولا يعرج عليه، فلو كانت من جانب من عللها؛ لأعاد ذكرها، وأبداه، وشنع على من خالفها.
4) قال ابن القيم: قولكم (دخول التاء في ثلاثة يدل على أنَّ واحدها مذكر، وهو الطهر) جوابه: أنَّ واحد القروء قرء، وهو مذكر، فأتى بالتاء مراعاة للفظه، وإن كان مسماه حيضة، وهذا كما يقال (جاءني ثلاثة أنفس) وهنَّ نساء؛ باعتبار اللفظ، والله أعلم. اهـ
وهذه المسألة تترتب عليها مسائل مهمة، والذي يظهر -والله أعلم- أنَّ الصحيح قول من قال:(الأقراء الحيض)، وهو اختيار الشوكاني، ثم الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين، وغيرهم.
ونسأل الله عزوجل أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، والحمد لله.
(1)
تفريع: الذين يقولون: (الأقراء هي الأطهار)، يقولون بانقضاء العدة بدخولها في الحيضة الثالثة، ولها أن تتزوج قبل انتهاء الحيضة عند أكثرهم، وقال بعضهم: لا تتزوج حتى تطهر. وهو قول ابن عباس، وسالم.
وقال أبو عبيد: إن كان قد جامعها في الطهر الذي طلقها فيه؛ فلا تعتد بذلك
(1)
انظر: «زاد المعاد» (5/ 600 - 650)«المغني» (11/ 199 - )«المحلى» (1993)«البيان» (11/ 14 - )«تفسير الطبري» ، و «ابن كثير» «ابن أبي شيبة» (5/ 161)«سنن ابن منصور» (1/ 291 - )«البيهقي» (7/ 415 - ).