الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الجِمَارِ تَوٌّ، وَالسَّعيُ بَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ تَوٌّ، وَالطَّوَافُ تَوٌّ، وَإِذَا استَجمَرَ أَحَدُكُم فَليَستَجمِر بِتَوٍّ.
رواه مسلم (1300).
* * *
(39) باب في الحلاق والتقصير
[1153]
عن ابن عمر، قال: حَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَحَلَقَ طَائِفَةٌ مِن
ــ
البخور. وذكرنا هناك اختيار مالك فيها. وقد ذكر في هذا الحديث الاستجمار مرتين، فيحسن في هذا الحديث أن يحمل أحدهما: على استعمال الحجارة في المخرجين، والآخر: على استعمال البخور، كما صار إليه مالك. ويجوز حمل الثاني على التأكيد، وفيه بُعد.
و(التوّ): الوتر والفرد. وفي الحديث: (فما مضت إلا توَّة واحدة)(1)؛ أي: ساعة واحدة. ويقال في غير هذا: جاء فلان توًّا؛ أي: قاصدًا لا يعرج على شيء. ولا خلاف في وجوب الوتر في السعي، والطواف، ورمي الجمار. واختلف في الاستنجاء على ما مضى (2).
(39)
ومن باب: الحلاق والتقصير
أحاديث هذا الباب تدل: على أن الحِلاق نُسك يثاب فاعله. وهو مذهب
(1) ذكره ابن الأثير في النهاية (1/ 201).
(2)
في هامش مخطوطة التلخيص:
التَّوُّ: الوتر، ويكون على وجهين:
أحدهما: أن الطوافَ سبعةُ أطواف، وكذلك السعي سبع، وهو غير شفع.
والوجه الآخر: أنَّ الطوافَ الواجبَ طوافٌ واحد، لا يثنّى، ولا يكرر، وكذلك السعي، سواء أكان المحرم مفردًا أو قارِنًا.
أَصحَابِهِ، وَقَصَّرَ بَعضُهُم، قَالَ عَبدُ اللَّهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ مَرَّةً، أَو مَرَّتَينِ، ثُمَّ قَالَ:(وَالمُقَصِّرِينَ).
رواه أحمد (2/ 119 و 141)، والبخاري (1727)، ومسلم (1301)(316)، وأبو داود (1979)، والترمذي (913)، وابن ماجه (3044).
ــ
الجمهور. وذهب الشافعي في أحد قوليه، وأبو ثور، وأبو يوسف، وعطاء: إلى أنه ليس بنسك، بل هو مباح. قال الشافعي: لأنه ورد بعد الحظر، فحُمِل على الإباحة، كاللباس، والطيب. وهذه الأحاديث ترد عليهم من وجهين:
أحدهما: أنها تضمنت أن كل واحد من الحِلاق والتقصير فيه ثواب، ولو كان مباحًا لاستوى فعله وتركه.
وثانيهما: تفضيل الحِلاق على التقصير. ولو كانا مباحين لما كان لأحدهما مزية على الآخر في نظر الشرع.
واختلف القائلون بكونهما نسكين في الموجب لأفضلية الحِلاق على التقصير. فقيل: لما ذكر عن ابن عباس قال: حلق رجالٌ يوم الحديبية، وقصر آخرون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(اللهم ارحم المحلقين) ثلاثًا، قيل: يا رسول الله! لِمَ ظاهرت لهم بالترحم؟ قال: (لأنهم لم يشكوا)(1). وحاصله: أنه أمرهم يوم الحديبية بالحِلاق، فما قام منهم أحدٌ؛ لما وقع في أنفسهم من أمر الصلح، فلمَّا حلق النبي صلى الله عليه وسلم ودعا للمحلقين، أو استغفر لهم ثلاثًا، وللمقصرين واحدة، فبادروا إلى ذلك. قال أبو عمر بن عبد البر: وكون ذلك يوم الحديبية هو المحفوظ. وقيل: بل كان ذلك في حجة الوداع؛ كما روته أمُّ الحصين من طريق قتادة، وهو إمام ثقة، وإنما كان الحِلاق أفضل لأنه أبلغ في العبادة، وأدلُّ على صدق النية في
(1) رواه ابن ماجه (3045).
[1154]
وعَنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ قَالُوا: وَالمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَالمُقَصِّرِينَ.
وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: والمقصرينُ.
رواه مسلم (1301)(317 - 319).
[1155]
وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: اللَّهُمَّ اغفِر لِلمُحَلِّقِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَلِلمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ اغفِر لِلمُحَلِّقِينَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَلِلمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ اغفِر لِلمُحَلِّقِينَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَلِلمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: وَلِلمُقَصِّرِينَ.
رواه البخاري (1728)، ومسلم (1302)، وابن ماجه (3043).
[1156]
وعَن يَحيَى بنِ الحُصَينِ، عَن جَدَّتِهِ، أَنَّهَا سَمِعَت
ــ
التذلل لله تعالى؛ لأن المقصر مبقٍ على نفسه بعض الزينة التي ينبغي للحاجّ أن يكون مُجانبًا لها. والله أعلم.
والمُحصَرُ في الحِلاق والتقصير كغيره؛ في كون ذلك نُسُكًا له، وقال أبو حنيفة، وصاحباه: ليس على المُحصر شيء من ذلك، ويرده حِلاق النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية.
ولا خلاف في أن حكم النساء التقصير، وأن الحلاق غير لازم لهنَّ عندنا وعند كثير من العلماء، على أن الحِلاق لهن غير جائز؛ لأنه مُثلَةٌ فيهن. ويدل على أنه ليس بمشروع لهنَّ: بما رواه أبو داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس على النِّساء الحلق، إنما على النساء التقصير)(1).
وجمهورهم: على أن مَن لبَّد، أو عقص، أو ضفر لزمه أن يحلق، ولا يقصر
(1) رواه أبو داود (1985).
النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ دَعَا لِلمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا، وَلِلمُقَصِّرِينَ مَرَّةً.
رواه مسلم (1303).
[1157]
وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَتَى مِنًى، فَأَتَى الجَمرَةَ، فَرَمَاهَا، ثُمَّ أَتَى مَنزِلَهُ بِمِنًى وَنَحَرَ، ثُمَّ قَالَ لِلحَلَّاقِ: خُذ وَأَشَارَ إِلَى جَانِبِهِ الأَيمَنِ، ثُمَّ الأَيسَرِ، ثُمَّ جَعَلَ يُعطِيهِ النَّاسَ.
ــ
للسُّنَّة الواردة بذلك؛ ولأن التقصير لا يعم الشعر. ومن سُنته عموم التقصير. وخالف في هذا أصحاب الثوري، وقالوا: إن الملبِّد والمضفر كغيره يجزئه التقصير.
وقول أنس: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى، ونحر، وحلق)؛ هذا يدل على أن مَن رمى جمرة العقبة حصل له تحلُّل؛ لأنه بعد أن رمى حلق، وهذا لا خلاف فيه في الجملة، لكن اختلفوا في ماذا يستحل من محظورات الإحرام:
فقال أبو ثور: يتمُّ تحلل الحاج من كل شيء إلا النساء برمي جمرة العقبة. وقال الشافعي وأصحاب الرأي، وجماعة من العلماء: بل حتى يحلق. وذهب مالك إلى أن الذي يحل له برمي (1) جمرة العقبة كل شيء إلا النساء، والطيب، والصيد. واختلف قوله إذا تطيب بعد الجمرة، وقبل الإفاضة؛ هل يجب عليه دم أو لا؟ وروي عن عمر: أنه يحل له كل شيء إلا النساء والطيب. وعن عطاء: إلا النساء والصيد. ولا خلاف في أنه لا يحل النساء، ولا الصيد بعد الجمرة، وأنه يحل له جميع محظورات الإحرام بعد الإفاضة. وتعديد ما يحرم على المحرم مُفصل في كتب الفقه.
وقوله للحلاق: (خذ) وأشار إلى جانبه الأيمن؛ هذا على عادته صلى الله عليه وسلم في
(1) في الأصول: رمي.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَبَدَأَ بِالشِّقِّ الأَيمَنِ فَوَزَّعَهُ الشَّعَرَةَ، وَالشَّعَرَتَينِ بَينَ النَّاسِ، ثُمَّ قَالَ: بِالأَيسَرِ فَصَنَعَ مِثلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: هَاهُنَا أَبُو طَلحَةَ؟ فدفعه إلى أبي طلحة.
وفي أخرى: لما حلق شِقَّهُ الأَيمَنَ دَعَا أَبَا طَلحَةَ الأَنصَارِيَّ، وَأَعطَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَ الحالق الشِّقَّ الأَيسَرَ، فَقَالَ: احلِق فَحَلَقَهُ، فَأَعطَاهُ أَبَا طَلحَةَ، فَقَالَ: اقسِمهُ بَينَ النَّاسِ.
ــ
الابتداء باليمين في أفعاله؛ فإنه كان يحب التيمُّن في شأنه كلِّه. وتوزيعُه شعره على الناس حرصًا منه على تشريكهم في التبرك به، وفي ثوابه.
وقوله: (فوزَّعه: الشعرة والشعرتين بين الناس)؛ ليس بمخالف لقوله في الرواية الأخرى لأبي طلحة: (اقسمه بين الناس)؛ فإنه لما أمر بتوزيعه أبا طلحة صح أن يُضاف التوزيع له. كما يقال: إنه صلى الله عليه وسلم رجم ماعزًا (1)، وقطع يد السارق في مجن (2)؛ أي: أمر بذلك.
وقوله: (لما حلق شعر رأسه الأيمن أعطاه أبا طلحة)؛ ليس مناقضًا لما في الرواية الثانية: أنه قسم شعر الجانب الأيمن بين الناس، وشعر الأيسر أعطاه أم سليم - وهي امرأة أبي طلحة، وهي أم أنس - ويحصل من مجموع هذه الروايات: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حلق الشق الأيمن ناوله أبا طلحة ليقسمه بين الناس، ففعل أبو طلحة، وناول شعر الشق الأيسر لأم سليم ليكون عند أبي طلحة، فصحت نسبة كل ذلك إلى من نسب إليه على ما قررناه، والله أعلم.
وهذا أولى من أن نُقدِّر تناقضًا واضطرابًا. والحمد لله.
(1) رواه مسلم (1694)، وأبو داود (4432 و 4433).
(2)
رواه أحمد (2/ 6 و 82)، والبخاري (6797)، ومسلم (1686)، والنسائي (8/ 77).