الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَن نَشتَرِكَ فِي الإِبِلِ وَالبَقَرِ كُلُّ سَبعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ.
رواه مسلم (1213)(138).
* * *
(17) باب في حجة النبي صلى الله عليه وسلم
-
[1094]
عَن جَعفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: دَخَلنَا عَلَى جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ، فَسَأَلَ عَن القَومِ، حَتَّى انتَهَى إِلَيَّ، فَقُلتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ
ــ
وقوله: (أمرنا أن نشترك في الإبل والبقر، كل سبعة منَّا في بدنة)؛ يحتج به مَن يرى جواز الاشتراك في الهدايا، وهم الجمهور. وسيأتي إن شاء الله تعالى.
(17)
ومن باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم
حديث جابر هذا فيه أحكام كثيرة، وأبواب من الفقه غزيرة (1)، وقد استخرجها الأئمة، وصنفوها، وعددوها حتى بلغوها إلى نيف على مائة وخمسين حكمًا (2)، وإذا تتبع وجد فيه أكثر من ذلك، لكن أكثرها لا يخفى على فَطِن، فلنعمد إلى بيان ما يشكل.
فمن ذلك: سؤال جابر عن القوم حين دخلوا عليه؛ إنما كان ذلك لأنه كان قد عمي. وفعل جابر ذلك الفعل به إنما كان تأنيسًا له ومبالغة في إكرامه على ما يفعل بالصغار، وعلى ذلك نبه بقوله:(وأنا يومئذٍ غلام شاب).
(1) في (هـ) و (ل): مديدة.
(2)
الأولى أن يقال: حتى بلغوا بها إلى نيف ومئة وخمسين حكمًا.
حُسَينٍ فَأَهوَى بِيَدِهِ إِلَى رَأسِي، فَنَزَعَ زِرِّي الأَعلَى، ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الأَسفَلَ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بَينَ ثَديَيَّ، وَأَنَا يَومَئِذٍ غُلَامٌ شَابٌّ فَقَالَ: مَرحَبًا بِكَ يَا ابنَ أَخِي، سَل عَمَّا شِئتَ، فَسَأَلتُهُ وَهُوَ أَعمَى، وَحَضَرَ وَقتُ الصَّلَاةِ، فَقَامَ فِي سَاجَةٍ مُلتَحِفًا بِهَا، كُلَّمَا وَضَعَهَا عَلَى مَنكِبِيهِ رَجَعَ طَرَفَاهَا إِلَيهِ مِن صِغَرِهَا، وَرِدَاؤُهُ إِلَى جَنبِهِ عَلَى المِشجَبِ، فَصَلَّى بِنَا، فَقُلتُ: أَخبِرنِي عَن حَجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: بِيَدِهِ، فَعَقَدَ تِسعًا، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَكَثَ تِسعَ سِنِينَ لَم يَحُجَّ، ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ فِي العَاشِرَةِ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَاجٌّ، فَقَدِمَ المَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ كُلُّهُم يَلتَمِسُ أَن يَأتَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَيَعمَلَ مِثلَ عَمَلِهِ، فَخَرَجنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَينَا ذَا الحُلَيفَةِ، فَوَلَدَت أَسمَاءُ بِنتُ عُمَيسٍ مُحَمَّدَ بنَ أَبِي بَكرٍ، فَأَرسَلَت إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَيفَ أَصنَعُ؟ قَالَ: اغتَسِلِي وَاستَثفِرِي بِثَوبٍ وَأَحرِمِي فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي المَسجِدِ، ثُمَّ
ــ
وقوله: (مرحبًا بك)؛ كلمة ترحيب وإكرام. وقد تقدَّم تفسيرها.
وقوله: (وقام في ساجة ملتحفًا بها)؛ السَّاجة: ثوب كالطيلسان، والمشجب: أعواد توضع عليها الثياب ومتاع البيت.
وقوله: (مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين لم يحج) يعني في المدينة. وأما بمكة فحج واحدة باتفاق، واختلف في ثانية: هل حجها أم لا؟
وقوله لأسماء: (استثفري)؛ أي: اجعلي لنفسك كثفر الدَّابة، ليمتنع سيلان الدَّم.
و(القصواء): اسم ناقته صلى الله عليه وسلم بالمدِّ والهمز. ووقع عند العذري: القصوى؛ بضم القاف والقصر. وهو خطأ في هذا الموضع. قال ابن قتيبة: كانت للنبي صلى الله عليه وسلم نوق؛ منها: القصواء، والجدعاء، والعضباء. قال غيره: والخرماء، ومخضرمة. وقال: هي كلها أسماء لناقةٍ واحدةٍ. قال الحربي: القصواء: التي قطع طرف أذنها. والجدع، والخرم، والقصو: قطع طرف أذنها. والجدع أكثر منه. قال
رَكِبَ القَصوَاءَ حَتَّى إِذَا استَوَت بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى البَيدَاءِ نَظَرتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي بَينَ يَدَيهِ مِن رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَن يَمِينِهِ مِثلَ ذَلِكَ، وَعَن يَسَارِهِ مِثلَ ذَلِكَ، وَمِن خَلفِهِ مِثلَ ذَلِكَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَينَ أَظهُرِنَا، وَعَلَيهِ يَنزِلُ القُرآنُ، وَهُوَ يَعرِفُ تَأوِيلَهُ، وَمَا عَمِلَ بِهِ مِن شَيءٍ عَمِلنَا بِهِ، فَأَهَلَّ بِالتَّوحِيدِ: لَبَّيكَ اللَّهُمَّ لَبَّيكَ، لَبَّيكَ لَا شَرِيكَ لك لَبَّيكَ، إِنَّ الحَمدَ وَالنِّعمَةَ لك وَالمُلكَ، لَا شَرِيكَ لك، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ، فَلَم يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَيهِم شَيئًا مِنهُ، وَلَزِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَلبِيَتَهُ، قَالَ جَابِرٌ: لَسنَا نَنوِي إِلَّا الحَجَّ، لَسنَا نَعرِفُ العُمرَةَ،
ــ
الأصمعي: كل قطع في الأذن جدع، فإن جاوز الربع؛ فهي عضباء. والمخضرم: المقطوع الأذنين، فإذا اصطلمتا؛ فهي صلماء. وقال أبو عبيدة: القصواء: المقطوعة الأذن عرضًا. والمخضرمة: المستأصلة. والعضباء: النصف فما فوقه.
وقوله: فنظرت إلى مدِّ بصري من راكب وماش)؛ لا خلاف في جواز الركوب والمشي في الحج، واختلف في الأفضل منهما:
فذهب مالك، والشافعي في آخرين: إلى أن الركوب أفضل اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولكثرة النفقة، ولتعظيم شعائر الحج بأبَّهة الركوب.
وذهب غيرهم: إلى أن المشي أفضل؛ لما فيه من المشقة على النفس.
ولا خلاف في: أن الركوب في الوقوف بعرفة أفضل، واختلفوا في الطواف والسَّعي: والركوب عند مالك في المناسك كلها أفضل، للاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم. وقد تقدَّم الكلام على التلبية.
وقول جابر: (لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة)؛ هذا يحتمل أن يخبر به عن حالهم الأول قبل الإحرام، فإنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، كما تقدَّم. فلما كان عند الإحرام بيَّن لهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (من أراد أن
حَتَّى إِذَا أَتَينَا البَيتَ مَعَهُ استَلَمَ الرُّكنَ،
ــ
يُهل بحج فليفعل، ومن أراد أن يُهل بعمرة فليفعل، ومن أراد أن يُهل بحج وعمرة فليفعل)، فارتفع ذلك الوهم الواقع لهم، كما سيأتي هذا إن شاء الله تعالى.
و(يستلم الركن) أي: يلمس الحجر الأسود بفيه، وسُمِّي الحجر: ركنًا؛ لأنه في الركن. و (الرَّمل): تقريب بين المشي والسير. وبفعله صلى الله عليه وسلم هذا تقرر أن الرَّمل في الأشواط الثلاثة سنَّة راتبة، وإن كان أصل مشروعيته في عمرة القضاء ليرى أهل مكة قوَّتهم، وجلدهم، كما في حديث ابن عباس على ما يأتي؛ لكن لما فعله في حجة الوداع مع زوال ذلك المعنى تحقق أنه تعبد، وأنه سُنَّة. وهذا الطواف المذكور هنا؛ هو المسمَّى بطواف القدوم وهو سنَّة مؤكدة يجب بتركه دم على غير المراهق (1). وهو قول أبي ثور، وأحد قولي مالك. وقيل: لا يجب بتركه دم، ويجزئ عنه طواف الإفاضة، وهو قول الشافعي، وأصحاب الرأي. ولا يخاطب بطواف القدوم مكيِّ.
والأطواف الثلاثة: هذا، وطواف الإفاضة، ويسمَّى: طواف الزيارة؛ لأن الطائف يزور البيت من مِنى، فيطوفه. وقد أجاز الحنفي وغيره هذه التسمية، وكره مالك أن يقال: طواف الزيارة. وطواف الوداع، وهو الذي يفعل عند الصَّدر من مكة. ولا دم على تاركه، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
وقوله: (وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله) يعني: إنه إنما كان يفعل من أفعال الحج بحسب ما ينزل عليه به الوحي، فيفهمه هو ويبينه للناس بفعله، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:(خذوا عنِّي مناسككم)(2)، فكانوا كما قال جابر: إذا عمل شيئًا
(1)"المراهق": هو الذي ضاق عليه الوقتُ بالتأخير حتى يخاف فوت الوقوف بعرفة.
(النهاية 2/ 284).
(2)
رواه مسلم (1297)، وأبو داود (1970)، والنسائي (5/ 270).
فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَربَعًا.
- وَفِي رِوَايَةٍ: لَمَّا قَدِمَ مَكةَ أَتَى الحَجَرَ فَاستَلَمَهُ، ثم مشى يمينه، فرمل ثلاثا، ومشى أربعا - ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبرَاهِيمَ، فَقَرَأَ:{وَاتَّخِذُوا مِن مَقَامِ إِبرَاهِيمَ مُصَلًّى} فَجَعَلَ المَقَامَ بَينَهُ وَبَينَ البَيتِ، فَكَانَ أَبِي
ــ
اقتدوا به فيه (1)، وعملوه على نحو ما عمل.
وقوله: (فأهل بالتوحيد) يعني: بقوله: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك. بخلاف ما كانت تُلبي الجاهلية؛ إذ كانت تشرك بالله، فتقول في تلبيتها: إلَاّ شريكًا هو لك تملكه وما مَلَك. وقد تقدَّم القول على التلبية.
وقوله: (وأهل الناس بهذا الذي يهلون به)؛ يعني: أنهم لم يلتزموا هذه التلبية الخاصَّة التي لبَّى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ فهموا: أنها ليست مُتعيِّنَة، فإنه قد ترك صلى الله عليه وسلم كل أحد على ما تيسر له من ألفاظها، ومع هذا فلا بدَّ أن يأتي الملبِّي ما يقال عليه تلبية لسانًا. ولا يجزئ منها التحميد، ولا التكبير، ولا غيره، عند مالك.
وقوله: (ثم نفذ إلى مقام إبراهيم) يعني: أنه صار إليه بعد أن فرغ من طوافه. والرواية هنا: {وَاتَّخِذُوا} بكسر الخاء على الأمر، وهي قراءة الكوفيين، وأبي عمرو، وهي أمر. وعلى قراءة الفتح، وهي قراءة الباقين، هو خبر عن الملتزمين لاستقبال الكعبة.
واختلف في مقام إبراهيم ما هو؟ فقال ابن عباس: هو مواقفُه كلها. وقال الشعبي وعطاء: هو عَرَفة، والمزدلفة، والجمار. وقال مجاهد: الحرم. وقال جابر وقتادة: الحجر الذي قام عليه للبناء، فكان يرتفع به كلما ارتفع البناء. ويرفع هذا الخلاف، ويبيِّن المراد بالمقام قوله: فجعل المقام
(1) من (هـ).
يَقُولُ: وَلَا أَعلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقرَأُ فِي الرَّكعَتَينِ: {قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} و {قُل يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ} ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكنِ فَاستَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِن البَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِن الصَّفَا قَرَأَ:{إِنَّ الصَّفَا وَالمَروَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ}
ــ
بينه وبين الكعبة؛ وهذا يدل على أنه هو الموضع المعروف هناك؛ الذي يستقبل باب البيت.
و(مُصَلًّى) أي: موضع صلاة ودعاء. وهاتان الركعتان هما المسنونتان للطُوَّاف. وهما سنتان مؤكدتان، يجب بتركهما دم عند مالك. ويدركهما ما لم يخرج من الحرم. فإن خرج ولم يركع؛ فهل يعيد الطواف لهما، أم لا؟ قولان. فإذا قلنا: لا يعيد الطواف لهما فقد وجب الدَّم، وكذلك إذا رجع إلى بلاده وجب الدَّم. وغير مالك لا يرى فيهما دمًا، ويركعهما متى ذكرهما.
وقوله: (ثم رجع إلى الركن واستلمه) يعني: بعد الصلاة، وهذا يدل على شدة العناية والتهمم باستلام الحجر.
وقوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالمَروَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ} الصفا: جمع صفاة، قال:
لها كِفلٌ كَصَفاةِ المَسِيل
أو واحدٌ، والجمع: صِفًى. قال (1):
. . . . . . .
…
مواقع الطَّير من الصُّفِيِّ (2)
(1) القائل هو الأخيل.
(2)
صدر البيت: كأن متْنَيْه من النَّفِيِّ.
أَبدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقِيَ عَلَيهِ، حَتَّى رَأَى البَيتَ فَاستَقبَلَ القِبلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ عز وجل وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ،
ــ
وهو حجر أملس، وهو الصفوان. و (المروة) من الحجارة ما لان وصغر. قال (1):
كأن صليل المروحين تُشِدُّه
…
صليل زُيُوف يُنتَقَدنَ بِعَبقَرَا
وقال آخر:
وَيُوالي الأرض خُفًّا ذَابِلاً
…
فإذا ما صادَفَ (2) المَروَ رَضَخ
وهما هنا اسمان لصفحين معلومين. وقيل: سُمِّيا بذلك لجلوس الصفي وامرأته عليهما.
و(الشعائر): المعالم التي للحج، جمع شعيرة، سميت بذلك لما تُشعِر به تلك المواضع من أعمال الحج؛ أي: تُعلِم، أو لما يستشعر هناك من تعظيم الله تعالى، والقيام بوظائفه.
والطواف بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج والعمرة عند جمهور العلماء، ما خلا أبا حنيفة؛ فإنه لم يره فيهما واجبًا في الحج. وسيأتي استيفاء الكلام عليهما إن شاء الله تعالى.
وقوله: (أبدأ بما بدأ الله به) فبدأ بالصَّفا فرقى عليها حتى رأى البيت فاستقبله، هكذا المشروعية المستحبة مهما أمكنت. ولذلك يمنع الابتداء بالمروة، فإن فعل ألغي ذلك الشَّوط عند الجمهور. وقال عطاء: إن جهل ذلك أجزأه.
(1) هو امرؤ القيس.
(2)
في (هـ) و (ل): صدف.
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ، أَنجَزَ وَعدَهُ وَنَصَرَ عَبدَهُ، وَهَزَمَ الأَحزَابَ وَحدَهُ. ثُمَّ دَعَا بَينَ ذَلِكَ. قَالَ مِثلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى المَروَةِ حَتَّى انصَبَّت قَدَمَاهُ فِي بَطنِ الوَادِي سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى حَتَّى أَتَى المَروَةَ، فَفَعَلَ عَلَى المَروَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِ عَلَى المَروَةِ قَالَ: إِنِّي لَو استَقبَلتُ مِن أَمرِي مَا استَدبَرتُ لَم أَسُق الهَديَ، ولَجَعَلتُهَا عُمرَةً، فَمَن كَانَ مِنكُم لَيسَ مَعَهُ هَديٌ، فَليَحِلَّ وَليَجعَلهَا عُمرَةً، فَقَامَ سُرَاقَةُ بنُ مَالِكِ بنِ جُعشُمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلِعَامِنَا هَذَا أَم لِأَبَدٍ، فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الأُخرَى، وَقَالَ: دَخَلَت العُمرَةُ فِي الحَجِّ، مَرَّتَينِ: لَا بَل لِأَبَدٍ أَبَدٍ. وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِن اليَمَنِ بِبُدنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَوَجَدَ
ــ
ويكره الجلوس على الصفا والمروة، والدعاء عليهما كذلك، ويؤخذ من قوله صلى الله عليه وسلم:(أبدأ بما بدأ الله به): أن الذي يقدَّم ليعطف عليه أوكد من المعطوف في مقصود المقدَّم بوجه ما، كما يفهم من قوله تعالى:{إِنَّ المُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ وَالمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ} ومن قوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} فإن المعطوف عليه في هذه المواضع مقدَّم لمزية له على المعطوف. ومثل هذا كثير، وله موضع آخر يُعرف به. ولا يُفهَم منه: أن الواو ترتب؛ لأنه إنما أخذه بالابتداء لا بالترتيب. وقد تقدم القولُ على تحلُّلهم بعمل العمرة.
وقول سراقة بن جعشُم: (أَلِعَامِنا هذا أم لأبد؟ فقال: دخلت العمرة في الحج، لا، بل لأبد أبد) ظاهر هذا السؤال والجواب: أنهما في فسخ الحج في العمرة، فيقتضي أن ذلك جائز مطلقًا مُؤبدًا، وليس مخصوصًا بالصحابة. وبهذا استدل من قال بجواز ذلك مطلقًا، وهم أهل الظاهر. وقد صرف هذا الظاهر الجمهور إلى: أن السؤال إنما كان عن فِعل العمرة في أشهر الحج، فأجاب بذلك. وعلى هذا: فيكون معنى (دخلت العمرة في الحج)؛ أي: في أشهر الحج. وقيل:
فَاطِمَةَ مِمَّن حَلَّ وَلَبِسَت ثِيَابًا صَبِيغًا، وَاكتَحَلَت، فَأَنكَرَ ذَلِكَ عَلَيهَا، فَقَالَت: إِنَّ أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا، قَالَ: فَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ بِالعِرَاقِ: فَذَهَبتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ، لِلَّذِي صَنَعَت، مُستَفتِيًا لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَا ذَكَرَت عَنهُ. فَأَخبَرتُهُ أَنِّي أَنكَرتُ ذَلِكَ عَلَيهَا. فَقَالَ: صَدَقَت صَدَقَت، مَاذَا قُلتَ
ــ
دخلت العمرة بالحج؛ أي: في حق القارن. والذي حملهم على هذه التأويلات ما تقدَّم من أن الأصل وجوب الإتمام لما دخل فيه من الحج والعمرة، وأن الصحابة قد قالوا: إن ذلك كان مخصوصا بهم كما تقدَّم، والله تعالى أعلم.
وقوله: (حتى انصبَّت قدماه في بطن الوادي)؛ هكذا صحَّت روايتي فيه. وقال القاضي عياض: حتى إذا انصبَّت قدماه في بطن الوادي، بـ (إذا) وقال: هكذا في جميع النسخ الواصلة إلينا من مسلم، ليس في أصول شيوخنا فيها اختلاف، وفيه وَهمٌ، وإسقاط لفظة:(رمل)، وبها يتم الكلام، وكذا جاء في غير مسلم: (حتى إذا انصبَّت قدماه في بطن الوادي رَمَل.
قلت: هذا الوهم الذي أبداه لازم على روايته هو؛ إذ رواه بـ (إذا) فيحتاج إلى الجواب، فأبداه. وأما على ما رويته أنا من إسقاط:(إذا) فلا يحتاج إلى تقدير ذلك؛ إذ ليس في الكلام ما يستلزمه. فتأمله.
و(الرَّمَل): سنَّة في السعي في بطن الوادي، واختلف فيمن تركه؛ هل يلزمه دم أم لا؟ واختلف في تعليل الرَّمل، وفي سبب اختصاصه بذلك المحل؛ فقيل: فعله صلى الله عليه وسلم هناك ليرى المشركون جَلَدَه وجَلَد أصحابه.
قلت: وهذا إنما كان في عمرة القضاء، غير أنه دام على فعله في حجته، فدلَّ على أنه سُنَّة راتبة. وقيل: بل اقتدى فيه بهَاجَر في سعيها لطلب الماء لولدها، على ما جاء في الحديث.
ويقال للطواف بينهما: طواف وسعي، ولا يقال: شوط، ولا دور، وقد كرهه جماعة من السلف والشافعي.
وقوله: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، ولجعلتها عمرة) هذا يرد على من قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم متمتعًا، ويدل على أنه إنما
حِينَ فَرَضتَ الحَجَّ؟ قَالَ: قُلتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ. قَالَ: فَإِنَّ مَعِيَ الهَديَ فَلَا تَحِلُّ. قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الهَديِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِن اليَمَنِ وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِائَةً، قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُم وَقَصَّرُوا، إِلَّا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَمَن كَانَ مَعَهُ الهَديُ، فَلَمَّا كَانَ يَومُ التَّروِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالحَجِّ،
ــ
أحرم بما أحرم به مختارًا له، وإنه خُيّر في أنواع الإحرام الثلاثة، ولم يُعَيّن له واحد فيها؛ فأمر به. لكنه اختار القران على ما تقدَّم، ثم إنه لما أمر أصحابه بالتحلل بعمل العمرة، فتوقفوا لأجل أنه لم يتحلل هو؛ أخبرهم بسبب امتناعه، وهو: سوقه الهدي، ثم أخبرهم: أنه ظهر له في ذلك الوقت ما لم يظهر له قبل ذلك من المصلحة التي اقتضت أن أباح لهم فسخ الحج، وأنه لو ظهر له من ذلك قبل إحرامه مما ظهر له بعد؛ لأحرم بعمرة حتى تطيب قلوبهم، وتسكن نفرتهم من إيقاع العمرة في أشهر الحج.
وإنكار عليٍّ على فاطمة تحللها: إنما كان لأنه عَلِم أنها أحرمت بالحج، وأنها تحللت منه قبل إتمامه، وإنما أمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالتحلل؛ لأنها لم تسق الهدي، كما أمر غيرها ممن لم يسق الهدي.
وقوله صلى الله عليه وسلم لعليّ رضي الله عنه: (بم أهللت؟ ) يدل على أنه لم يكن عنده خبر بما به يُحرم النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتقدَّم له فيه عهد منه، وأنَّ عليًّا رضي الله عنه هو الذي ابتدأ إحرامه محالاً به على إحرام النبي صلى الله عليه وسلم من غير تعيين حجّ ولا عمرة، وأنه صلى الله عليه وسلم أقرَّه على ذلك، فكان ذلك حجة على جواز الحوالة على إحرام الغير مطلقًا إذا تحقق أنه أحرم ولا بدَّ، وبه قال الشافعي، وأخذ منه جواز الإحرام من غير تعيين، ثم بعد ذلك يعيَّن، وسيأتي.
وقوله: (فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلُّوا بالحج) يوم التروية: هو اليوم الثامن من ذي الحجة، سُمِّي بذلك: لأن قريشًا كانت تحمل الماء من مكة إلى منى للحاجِّ تسقيهم، فيروون منه.
و(توجهوا): قصدوا، وأخذوا في الأهبة
وَرَكِبَ النبي صلى الله عليه وسلم فَصَلَّى بِهَا الظُّهرَ وَالعَصرَ وَالمَغرِبَ وَالعِشَاءَ وَالفَجرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلاً حَتَّى طَلَعَت الشَّمسُ، فَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِن شَعَرٍ تُضرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ. فَسَارَ
ــ
إلى منى، لا أنَّهم توجهوا بمشيهم إلى منى، فأحرموا منها، فإن ذلك باطل بإجماع العلماء. على أنَّهم أحرموا من مكة. والمستحب عند أكثر العلماء فيمن أحرم من مكة بالحج أن يكون إحرامه من مكة متصلاً بسيره إلى منى يوم التروية؛ أخذًا بظاهر هذا الحديث. واستحب بعضهم أن يكون ذلك أول هلال ذي الحجة ليلحقهم من الشعث إلى وقت الحج ما لحق غيرهم.
والقولان عن مالك، وقد تقدَّم في حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
وقوله: وركب النبي صلى الله عليه وسلم إلى منى، فصلَّى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر؛ يعني: أنه صلَّى كل صلاة في وقتها، غير مجموعة، كما قد توهمه بعضهم، ممن لا يعرف. وإنما ذكر عدد الصلوات الخمس هنا ليعلم الوقت الذي وصل فيه إلى منى، والوقت الذي خرج فيه منها إلى عرفة، ولذلك قال مالك باستحباب دخوله إلى منى، وخروجه منها في ذينك الوقتين المذكورين. وقد استحب جميع العلماء الخروج إلى منى يوم التروية، والمبيت بها، والغدوَّ منها إلى عرفة، ولا حرج في ترك ذلك، والخروج من مكة إلى عرفة، ولا دم.
و(نمرة): هو موضع بعرفة، وهو الجبل الذي عليه أنصاب الحرم، على يمين الخارج من مأزمي منى إلى الموقف. و (نمرة) أيضًا: موضع آخر بقُدَيد.
وفيه دليل: على جواز المحرم في القباب والأخبية، ولا خلاف فيه. واختلف في استظلال الراكب في حال وقوفه، فكرهه مالك، وأهل المدينة، وأحمد بن حنبل. وأجاز ذلك غيرهم. وعليه عند مالك الفدية إذا انتفع به، وكذلك استظلاله عنده (1) في حال سيره. وكذلك لو كان نازلاً بالأرض أو راجلاً فاستظل بما يقربُ من رأسه. وسيأتي الكلام عليه.
(1) أي: عند مالك.
رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا تَشُكُّ قُرَيشٌ إِلَّا أَنَّهُ وَاقفٌ عِندَ المَشعَرِ الحَرَامِ كَمَا كَانَت قُرَيشٌ تَصنَعُ فِي الجَاهِلِيَّةِ. فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ القُبَّةَ قَد ضُرِبَت لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَت الشَّمسُ أَمَرَ بِالقَصوَاءِ، فَرُحِلَت لَهُ، فَأَتَى بَطنَ الوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَقَالَ: إِنَّ دِمَاءَكُم وَأَموَالَكُم
ــ
وقوله: (ولا تشكُّ قريش إلا أنَّه واقف عند المشعر الحرام)؛ يعني: كما كانت قريش تصنع في الجاهلية؛ فإنها كانت تقف بالمشعر الحرام بدل وقوف الناس بعرفة، وتقول: نحن أهل الحرم، لا نخرج منه إلى الحل. وكان هذا من جملة ما ابتدعت وغيرت من شريعة إبراهيم وسنته في الحج.
وقوله: (فَرُحِّلَت له القصواء) أي: وضع عليها الرَّحل.
و(القصواء): ناقته، وقد تقدَّم ذكرها. و (زاغت الشمس): مالت. و (بطن الوادي): المنخفض منه؛ ويعني به: وادي عُرَنة المعروف هناك، وهو موضع متسع جامع. ولذلك خصَّه بخطبته، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فخطب الناس) دليل لمالك وجميع المدنيين والمغاربة؛ إذ قالوا: ليوم عرفة خطبة قبل الصلاة، يذكر الناس فيها، ويُعَلِّمُهم ما يستقبلون من الوقوف وغيره من المناسك. وهو أيضًا حجة على الشافعي وأبي حنيفة؛ إذ قالا: ليس عرفة بموضع خطبة، وهو قول العراقيين من أصحابنا.
وخطب الحج عندنا ثلاثة:
يوم التروية بعد صلاة الظهر في المسجد الحرام، يذكر الناس، ويعلمهم أحكام إحرامهم، ويحضهم على الخروج إلى منى.
والثانية: بعرفة قبل الصلاة بإجماع من القائلين بها. وأجمعوا: على أنه لو صلَّى ولم يخطب فصلاته جائزة.
والثالثة: بعد يوم النحر، يُعلِّمُهم فيها أحكام الرمي والتعجيل.
حَرَامٌ عَلَيكُم كَحُرمَةِ يَومِكُم هَذَا، فِي شَهرِكُم هَذَا، فِي بَلَدِكُم هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيءٍ مِن أَمرِ الجَاهِلِيَّةِ تَحتَ قَدَمَيَّ مَوضُوعٌ، وَدِمَاءُ الجَاهِلِيَّةِ مَوضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِن دِمَائِنَا دَمُ ابنِ رَبِيعَةَ بنِ الحَارِثِ، كَانَ مُستَرضِعًا فِي بَنِي سَعدٍ، فَقَتَلَتهُ هُذَيلٌ، وَرِبَا الجَاهِلِيَّةِ مَوضُوعٌ، وإنَّ أَوَّلُ رِبًا أَضَعُه رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُم أَخَذتُمُوهُنَّ بِأَمَانة اللَّهِ،
ــ
وقوله: (ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع)؛ يعني به: الأمور التي أحدثوها، والشرائع التي كانوا أشرعوها في الحج وغيره. وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم:(من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)(1).
وقوله: (وربا الجاهلية موضوع)؛ الرِّبا: الزيادة، والكثرة لغة، ثم إنهم كانت لهم بيوعات يسمُّونها: بيع الربا. منها: أنهم كانوا إذا حل أجل الدَّين يقول الغريم لرب الدَّين: أنظرني وأزيدك. فينظره إلى وقت آخر على زيادة مقررة، فإذا حل ذلك الوقت الآخر قال له أيضًا كذلك، وربما يؤدي ذلك إلى استئصال مال الغريم نزر يسير كان أخذه أوَّل مرة. فأبطل الله ذلك، وحرَّمه، وتوعَّد عليه بقوله تعالى:{الَّذِينَ يَأكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ المَسِّ} الآيات. وردهم فيه إلى رؤوس أموالهم، وبلَّغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قرآنًا وسنَّة، ووعظ الناس، وذكرهم بذلك في ذلك الموطن مبالغة في التبليغ، وبدأ صلى الله عليه وسلم بربا العباس لخصوصيته بالنبي صلى الله عليه وسلم ليقتدي الناس به قولاً وفعلاً؛ فيضعون عن غرمائهم ما كان من ذلك.
وقوله: (فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله) أي: بأن الله ائتمنكم عليهن، فيجب حفظ الأمانة وصيانتها بمراعاة حقوقها، والقيام بمصالحها
(1) رواه أحمد (6/ 73)، والبخاري (2697)، ومسلم (1718)(18).
وَاستَحلَلتُم فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُم عَلَيهِنَّ أَلَّا يُوطِئنَ فُرُشَكُم أَحَدًا تَكرَهُونَهُ، فَإِن فَعَلنَ ذَلِكَ فَاضرِبُوهُنَّ ضَربًا غَيرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيكُم رِزقُهُنَّ، وَكِسوَتُهُنَّ بِالمَعرُوفِ، وَقَد تَرَكتُ فِيكُم مَا لَن
ــ
الدينية والدنيوية. وجاء في حديث آخر: (فإنهن عوان عندكم)(1) جمع: عانية، وهي الأسيرة. والعاني: الأسير، وذلك أنها محبوسة لحق الزوج، وله التصرف فيها، والسَّلطنة عليها.
وقوله: (واستحللتم فروجهن بكلمة الله) قيل: إن كلمة الله كلمة: لا إله إلا الله، ومعنى هذا عند هذا القائل: إنه لولا الإسلام للزوج لما حلت له. وقيل: هي كلمة النكاح التي يستحل بها الفرج. وهي الصيغ التي ينعقد بها النكاح، وأشبه من هذه الأقوال: أنها عبارة عن حكمه تعالى بحليّة النكاح، وجوازه، وبيان شروطه، فإن حكم الله كلامه المتوجه للمحكوم عليه على جهة الاقتضاء أو التخيير على ما قدمناه في الأصول.
وقوله: (ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه) معنى هذا: لا يدخلن منازلكم أحدًا ممن تكرهونه، ويدخل في ذلك الرجال والنساء، الأقرباء والأجانب. وقد بينا هذا المعنى فيما تقدم، ولا يُفهم من هذا الكلام: أنه النهي عن الزنى، فإن ذلك يحرم مع من يكرهه الزوج ومع من لا يكرهه. وقد قال:(أحدًا تكرهونه) ثم إنها تكون استعارة بعيدة. وأيضًا: فإن الزنى يترتب عليه الحدُّ.
وقوله: (فاضربوهن ضربًا غير مبرح) ليس بالحدِّ، وإنما هو تأديب. والمبرِّح: الشديد الشاقّ. والبَرح: المشقة الشديدة، وفيه إباحة تأديب الرجل زوجته على وجه الرفق.
وقوله: (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف)؛ أي: بما يعرف من
(1) رواه ابن ماجه (1851) من حديث عمرو بن الأحوص.
تَضِلُّوا بَعدَهُ إِن اعتَصَمتُم بِهِ: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَنتُم تُسأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنتُم قَائِلُونَ؟ قَالُوا: نَشهَدُ أَنَّكَ قَد بَلَّغتَ وَأَدَّيتَ وَنَصَحتَ. فَقَالَ بِإِصبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنكُبهَا إِلَى النَّاسِ: اللَّهُمَّ اشهَد اللَّهُمَّ اشهَد، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى العَصرَ،
ــ
حاله وحالها، وهو حجة لمالك؛ حيث يقول: إن النفقات على الزوجات غير مقدرات، وإنما ذلك بالنظر إلى أحوالهم وأحوالهن.
وقوله: (فقال بأصبعه السَّبابة يرفعها إلى السَّماء، ويُنكِّبها إلى الناس) هذه الإشارة منه صلى الله عليه وسلم إمَّا إلى السماء؛ لأنها قبلة الدعاء، وأما لعلو الله المعنوي؛ لأن الله تعالى لا يحويه مكان، ولا يختص بجهةٍ. وقد بين ذلك قوله تعالى:{وَهُوَ مَعَكُم أَينَ مَا كُنتُم}
و(ينكُبُها): روايتي في هذه اللفظة، وتقييدي على من أعتمده من الأئمة المقيّدين؛ بضم الياء، وفتح النون، وكسر الكاف مشدَّدة، وضم الباء بواحدة؛ أي: يُعَدِّلها إلى الناس، وقد رويت:(يَنكُبها) مفتوحة الياء، ساكنة النون، وبضم الكاف؛ ومعناه: يقلبها، وهو قريب من الأول، وقد رويت:(ينكُتُها) باثنتين فوق، وهي أبعدها.
وقوله بعد الفراغ من الخطبة: (ثم أذَّنَ، ثم أقام) دليل على تقديم الخطبة على الصلاة، وعلى أن الأذان بعد الخطبة. وبه أخذ مالك في أحد أقواله، فإنه روي عنه: أنه يؤذن بعد تمام الخطبة، فيجلس الإمام على المنبر، ويؤذن المؤذن.
ورُوي عنه أيضًا: أنَّه يؤذن في آخر خطبة الإمام حتى يكون فراغ الإمام من الخطبة مع فراغ المؤذن من الأذان. وهو قول الشافعي. وروي عنه: أنه يؤذن لها إذا جلس بين الخطبتين. وقال أبو ثور: يؤذن المؤذن والإمام على المنبر قبل الخطبة؛ كالجمعة. وروي أيضًا مثله عن مالك.
وقوله: (فصلَّى الظهر، ثم أقام فصلَّى العصر) فيه دليل: على أن الجمع بين
وَلَم يُصَلِّ بَينَهُمَا شَيئًا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَتَى المَوقفَ،
ــ
الصلاتين يُكتفى فيه بأذانٍ واحدٍ للصلاتين، وعلى أن كل صلاة منهما لا بدَّ لها من إقامة. وهذا قول أحمد، وأبي ثور، وابن الماجشون، والطحاوي. وقال مالك: يؤذن ويقيم لكل صلاة قياسًا على سائر الصلوات. وهو مذهب عمر، وابن مسعود رضي الله عنهما، وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف: إلى أذان واحدٍ، وإقامة واحدة. وقال الشافعي في أحد قوليه: بإقامتين دون أذان. وروي مثله عن القاسم، وسالم. ومثله في كتاب ابن الجلَاّب (1). وقال الثوري: تُجزئ إقامة واحدة لا أذان معها.
قلت: والصحيح الأول؛ حسب ما دلَّ عليه الحديث، والجمع بعرفة والمزدلفة في ذلك سواء.
وقوله: (ولم يُصَلِّ بينهما شيئًا) أي: لم يُدخِل بينهما صلاة أخرى، لا نفلاً ولا غيره. وبهذا قال مالك وغيره. وقال ابن حبيب: يجوز أن يتنفل بينهما، وليس بالبيِّن. ولا خلاف في جواز بين الصلاتين بعرفة ومزدلفة. وإنما اختلفوا فيمن فاته الجمع مع الإمام بعرفة. فالجمهور على أنه يجمع بينهما اتباعًا لفعله صلى الله عليه وسلم. وقال الكوفيون: يصليهما مَن فاتتاه لوقتهما، ولا يجوز الجمع إلا مع الإمام. ولم يختلف: أن من صلاهما في وقتهما أن صلاته جائزة إذا لم يكن إمامًا.
واختلفوا فيمن صلَّى قبل أن يأتي المزدلفة، فذهب الكوفيون: إلى أنهما لا يجزيانه، ويعيدهما، وإن صلاهما بعد مغيب الشفق، وقاله ابن حبيب. وقال مالك: لا يصليهما قبل المزدلفة إلا مِن عُذرٍ به، أو بدابته، ولا يجمع هذا بينهما حتى يغيب الشفق. وقال مالك: يُصلِّيهما لوقتهما. وقيل: تجزئه صلاتهما في وقتهما قبل المزدلفة؛ كان إمام الحاجّ أو غيره، وهو مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين، وقاله الشافعي، والأوزاعي، وأبو يوسف، وأشهب من أصحابنا.
(1) هو عبيد الله بن الحسن بن الجلاب المصري، توفي سنة (378 هـ).
فَجَعَلَ بَطنَ نَاقَتِهِ القَصوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبلَ المُشَاةِ بَينَ يَدَيهِ، وَاستَقبَلَ القِبلَةَ، فَلَم يَزَل وَاقفًا حَتَّى غَرَبَت الشَّمسُ، وَذَهَبَت الصُّفرَةُ قَلِيلاً،
ــ
وسمِّيت المزدلفة بذلك؛ لاقتراب الناس بها إلى منى للإفاضة من عرفات، والازدلاف: القرب، يقال: ازدلف القوم؛ إذا اقتربوا. وقال ثعلب: لأنها منزلة قربة لله تعالى. وقال الهروي: سُمِّيت بذلك: لازدلاف الناس بها. والازدلاف: الاجتماع. وقيل سُمِّت بذلك: للنزول بها بالليل. وزلف الليل: ساعاته. وتسمَّى أيضًا المزدلفة: بالمشعر؛ لأنها من المشاعر، وهي المعالم، والصواب: أن المشعر موضع مخصوص من المزدلفة، وهو الذي كانت الحُمسُ تقف فيه، ولا تتعداه، ويَكتَفِي بالوقوف فيه عن عرفة.
وسُمِّيت منى بذلك: لما يُمنى فيها من الدماء؛ أي: تراق. وقيل: لأن آدم تَمَنَّى الاجتماع مع حواء فيها.
وسُمِّيت عرفة بذلك: لأن جبريل عرَّف آدم، فقال: عرفت عرفت؟ وقيل: لأن آدم تعرَّف فيه بحواء بعد إنزالهما إلى الأرض، وهي المعرَّف. والتعريف: الوقوف بها.
وقوله: (وجعل حبل المشاة بين يديه) يريد: صفَّهم ومجتمعهم. وحبل الرَّمل: ما طال منه. وقيل: حبل المشاة: طريق الرَّجالة، حيث يسلكون.
وقوله: (وجعل بطن ناقته إلى الصَّخرات)؛ يعني - والله أعلم - أنه علا على الصخرات ناحية منها، حتى كانت الصخرات تحاذي بطن ناقته.
وقوله: (فلم يزل واقفًا بعرفة حتى غربت الشمس، وذهبت الصُّفرة قليلاً) لا خلاف في أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج، وأنه من بعد الزوال، وأنه لا يجزئ قبله، وأن وقوف الليل يجزئ. وأكثر العلماء: على أن وقوف النهار يُجزئ إلا مالكًا، فإنه في معروف مذهبه كمن لم يقف، ولا خلاف في أفضلية
حَتَّى غَابَ القُرصُ، وَأَردَفَ أُسَامَةَ خَلفَهُ، وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَد شَنَقَ لِلقَصوَاءِ الزِّمَامَ، حَتَّى إِنَّ رَأسَهَا لَيُصِيبُ مَورِكَ رَحلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ اليُمنَى:
ــ
الجمع بين الوقوفين ليلاً ونهارًا. وفيه دليل: على الاحتياط بأخذ جزء من الليل زائد على مغيب الشمس.
قلت: وقد روى الترمذي حديثًا صحيحًا يرفع الخلاف في هذه المسألة: عن عروة بن مُضرَّس رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة حين خرج إلى الصَّلاة، فقلت: يا رسول الله! إني جئت من جبلي طيء، أكلَلتُ راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(من شهد صلاتنا هذه، فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهارًا فقد تم حجه، وقضى تفثه)(1). قال: هذا حديث حسن صحيح. وزاد النسائي: (ومن لم يدرك مع الإمام والناس؛ فلم يدرك) وظاهر هذا: أنه لا يلزم الجمع بين وقوف الليل والنهار، بل أيُّهما فعل أجزأ؛ لأن الرواية فيه بـ (أو) التي هي لأحد الشيئين، غير أنه قد جاء في كتاب النسائي من حديث عبد الرحمن بن يعمر رضي الله عنه قال: شهدت النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة، وأتاه ناس من نجد، فأمروا رجلاً، فسأله عن الحج؟ فقال:(الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل صلاة الصبح، فقد أدرك حجه). وقال الترمذي: (من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر). قال وكيع: هذا الحديث أُمُّ المناسك. وقال: حديث حسن صحيح (2).
و(شنق الزمام): ضمَّه وضيَّقه على ناقته. وقد فسَّره بقوله: حتى إنَّ رَأسَها لَيُصِيب مَورِكَ رَحلِهِ، وهو قطعة من أدم يتورك عليها الراكب، تجعل في مقدمة الرَّحل، شِبه المِخَدَّة. قال القاضي عياض: مَورِك؛ بفتح الراء.
(1) رواه الترمذي (891)، والنسائي (5/ 263).
(2)
رواه الترمذي (889)، والنسائي (5/ 264).
أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ. كُلَّمَا أَتَى جَبلاً مِن الجبَالِ أَرخَى لَهَا قَلِيلاً، حَتَّى تَصعَدَ. حَتَّى أَتَى المُزدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا المَغرِبَ وَالعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ، وَإِقَامَتَينِ، وَلَم يُسَبِّح بَينَهُمَا شَيئًا، ثُمَّ اضطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى طَلَعَ الفَجرُ، فَصَلَّى الفَجرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ القَصوَاءَ حَتَّى أَتَى المَشعَرَ الحَرَامَ، فَاستَقبَلَ القِبلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَم يَزَل وَاقفًا حَتَّى أَسفَرَ جِدًّا. فَدَفَعَ قَبلَ أَن تَطلُعَ الشَّمسُ، وَأَردَفَ الفَضلَ بنَ عَبَّاسٍ وَكَانَ رَجُلاً حَسَنَ الشَّعرِ، وأَبيَضَ وَسِيمًا، فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّت ظُعُنٌ يَجرِينَ، فَطَفِقَ الفَضلُ يَنظُرُ إِلَيهِنَّ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدَهُ عَلَى وَجهِ الفَضلِ، فَحَوَّلَ الفَضلُ وَجهَهُ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ
ــ
وقوله: (ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلَّى حتى تبيَّن له الصبح)؛ فيه سُنَّةُ المبيت بالمزدلفة، وصلاة الصبح بها بغلس، وسيأتي: أنه أرخص لبعض نسائه في النَّفر منها إلى منى قبل طلوع الفجر. وفيه: الأذان في السفر؛ خلافًا لمن قال: يقتصر المسافر على الإقامة.
وقوله: (ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام)؛ فيه: أن الوقوف بالمشعر إلى الإسفار من المناسك. وقد ذكره الله تعالى في قوله: {فَاذكُرُوا اللَّهَ عِندَ المَشعَرِ الحَرَامِ}
وقد اختلف في وجوب الوقوف فيه: فذهب أبو عبيد القاسم بن سلَاّم: إلى وجوبه. والجمهور على أنه مُستحب.
و(الظُّعُن): النساء في الهوادج. و (يجرين) بضم الياء وفتحها، وكلاهما واضح المعنى. و (طفق): أخذ، وجعل.
ووضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه الفضل: إنما كان خوفًا من الفتنة عليه، وكونه صلى الله عليه وسلم لم ينهه عن ذلك ولم يزجره؛ دليل: على أنه لم يفعل محرمًا. وقال بعض مشايخنا: ستر الوجه عن النساء سُنَّة. وكان الحجاب على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم واجبًا.
يَنظُرُ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدَهُ مِن الشِّقِّ الآخَرِ عَلَى وَجهِ الفَضلِ، فَصرِف وَجهَهُ مِن الشِّقِّ الآخَرِ يَنظُرُ. حَتَّى أَتَى بَطنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قَلِيلاً، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الوُسطَى الَّتِي تَخرُجُ عَلَى الجَمرَةِ الكُبرَى، حَتَّى أَتَى الجَمرَةَ الَّتِي عِندَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنهَا، حَصَى الخَذفِ، رَمَى مِن بَطنِ الوَادِي، ثُمَّ انصَرَفَ إِلَى المَنحَرِ،
ــ
وقوله: (حتى أتى بطن محسِّر فحرَّك قليلاً) محسِّر: واد معروف هناك، يُستحب للحاج أن يحرك دابته هنالك، كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله: (كل حصاة منها حصى الخذف) هكذا صحَّت الرواية فيه في كتاب مسلم. وكان في كتاب القاضي ابن عيسى: (كل حصاة منها مثل حصى الخذف) وهذا هو الصواب. وكذا رواه غير مسلم.
والخذف: رميك حصاة، أو نواة تأخذها بين سبابتيك، أو تجعل مِخذَفَةً من خشب ترمي بها بين إبهامك والسَّبابة.
وقوله: (رمى من بطن الوادي) يعني من أسفلها، كما يأتي من حديث ابن مسعود، وهو المستحب. فلو رمى من أي مكان صحَّ رميه؛ إذا رمى في موضع المرمى.
وقوله: (ثم انصرف إلى المنحر) أي: الموضع الذي نحر هو فيه. وموضع نحره أولى من غيره؛ على أن كل منى منحر، كما قاله صلى الله عليه وسلم. قال مالك: إلا ما خلف العقبة وقُدَيد.
والنحر بمنى عند مالك له ثلاثة شروط:
أحدها: أن يوقف بالهدي بعرفة.
الثاني: أن يكون النَّحر في أيام منى.
الثالث: أن يكون النَّحر في حج لا في عمرة.
فإذا اجتمعت هذه الشروط؛ فلا يجوز النَّحر إلا بمنى، لا بغيرها. وقال
فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ، وَأَشرَكَهُ فِي هَديِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِن كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضعَةٍ، فَجُعِلَت فِي قِدرٍ، فَطُبِخَت فَأَكَلَا مِن لَحمِهَا، وَشَرِبَا مِن مَرَقِهَا،
ــ
القاضي إسماعيل: إنه يجوز أن ينحر بمكة أيام منى، وقد حكى أنه مذهب مالك. فأما في العمرة فالنحر بها بمكة في بيوتها، وطرقها، وفجاجها. ويجزئ عند مالك النحر في العمرة بمنى، فإن نحر بغير منى ومكة في الحج والعمرة لم يجز عنده. وجاز عند أبي حنيفة، والشافعي بأي موضع كان من الحرم، قالا: والمقصود: مساكين الحرم، لا الموضع منه. وأجمعوا: أنه لا يجوز فيما عدا الحرم، ولا يجوز في البيت والمسجد نحر ولا ذبح.
وقوله: (فنحر ثلاثًا وستين بيده) هكذا رواية الجماعة، وعند ابن ماهان:(بدنة) مكان (بيده)، وكلٌّ صواب. وفيه ما يدل على أن الأولى للمهدي أو للمضحي أن يتولى ذلك بيده.
وإعطاؤه ما بقي لعليٍّ لينحرها دليل على صحة النيابة في ذلك، غير أنه روي في غير كتاب مسلم: أنه إنّما أعطاه إياها ليهديها عن نفسه. ويدل عليه قوله: وأشركه في هديه. وعلى هذا: فلا يكون فيه حجة على الاستنابة. وقيل: إنما نحر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثًا وستين بدنة؛ لأنها هي التي أتى بها من المدينة، كما ذكره الترمذي. وقيل: إنما خصَّ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك العدد؛ لأنه منتهى عمره صلى الله عليه وسلم على ما هو الأصح في ذلك، فكأنه أهدى عن كل سنة من عمره بدنة.
وقوله: (ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدرٍ، فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها) إنما فعل هذا ليمتثل قوله تعالى: {فَكُلُوا مِنهَا} وهما وإن لم يأكلا من كل بضعة، فقد شربا من مرق كل ذلك. وخصوصية عليّ بالمؤاكلة دليل على أنه أشركه في الهدي.
وفيه دليل: على أن من حَلَف لا يأكل لحمًا فشرب مرقه: أنه يحنث.
وفيه دليل على استحباب أكل
ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَفَاضَ إِلَى البَيتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهرَ، فَأَتَى بَنِي عَبدِ المُطَّلِبِ يَسقُونَ عَلَى زَمزَمَ، فَقَالَ: انزِعُوا بَنِي عَبدِ المُطَّلِبِ، فَلَولَا أَن يَغلِبَكُم النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُم لَنَزَعتُ مَعَكُم، فَنَاوَلُوهُ دَلوًا فَشَرِبَ مِنهُ.
زاد في رواية: وَكَانَت العَرَبُ يَدفَعُ بِهِم أَبُو سَيَّارَةَ عَلَى حِمَارٍ عُريٍ،
ــ
الأقل من الهدايا والضحايا، والتصدق بالأكثر.
وفيه دليل على جواز أكل المهدي من هدي القران. وقد قدَّمنا: أنه كان قارنًا، وسيأتي حكم الأكل من الهدايا.
وقوله: (ثم ركب فأفاض إلى البيت) هذا هو الإفاضة. ويسُمّى: طواف الزيارة. وهو واجب بإجماع. وهو الذي تناوله قوله تعالى: {ثُمَّ ليَقضُوا تَفَثَهُم وَليُوفُوا نُذُورَهُم وَليَطَّوَّفُوا بِالبَيتِ العَتِيقِ} ولا خلاف أن إيقاعه يوم النحر أولى وأفضل. فلو أوقعه بعد يوم النحر، فهل يلزم الدم بتأخيره أم لا يلزم؟ واختلف فيه، وسيأتي. والجمهور على أن: من ترك طواف الإفاضة أن طواف الوداع لا يجزئ عنه إلا مالكًا، فإنه قال: يجزئ عنه إذا رجع إلى بلده.
قال القاضي عياض: وكذلك طواف التطوُّع.
وقوله: (لولا أن يغلبكم النَّاس على سقايتكم لنزعت معكم) يعني أنه لو استقى هو بيده لاقتدى الناس به في ذلك، فاستقوا بأيديهم، فتزول خصوصية بني عبد المطلب، وهي ثابتة لهم، كولاية الحجابة لبني شيبة، كما يأتي إن شاء الله تعالى. ويقال: نزع، بفتح الزاي، ينزع بكسرها لا غير، وإن كان الأصل فيها الفتح في المضارع؛ لأن ما كان على: فَعَل، وعينه أو لامه حرف حلق، فالأصل في مضارعه أن يأتي على: يَفعُل، بفتح العين أو بضمها. والنزع: الاستقاء بالرِّشا. والنزح بالحاء: الاستقاء بالدَّلو.
و(وأبو سَيَّارة) هو: عميرة (1) بن الأعزل.
(1) في (هـ): عميلة، وهو خطأ.
فَلَمَّا أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِن المُزدَلِفَةِ بِالمَشعَرِ الحَرَامِ، لَم تَشُكَّ قُرَيشٌ أَنَّهُ سَيَقتَصِرُ عَلَيهِ، وَيَكُونُ مَنزِلُهُ ثَمَّ، فَأَجَازَ وَلَم يَعرِض لَهُ، حَتَّى أَتَى عَرَفَاتٍ فَنَزَلَ.
وفي أخرى: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: نَحَرتُ هَاهُنَا وَمِنًى كُلُّهَا مَنحَرٌ، فَانحَرُوا فِي رِحَالِكُم، وَوَقفتُ
ــ
وقوله: (فلما أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمشعر الحرام لم تشكَّ قريشٌ أنَّه سيقتصر عليه، ويكون منزله ثمَّ) يعني: أنهم توهَّموا أنه يفعل كما كانت هي تفعل في الجاهلية، فإنهم كانوا يرون لأنفسهم أنهم لا يقفون بعرفة، ولا يخرجون من الحرم، ويقفون بالمشعر الحرام بدل وقوف الناس بعرفة، وهذا مما كانوا ابتدعوه في الحج، فلما حجَّ النبي صلى الله عليه وسلم أحكم الله الحجَّ، وأزال ما ابتدعته الجاهلية، وأنزل الله:{ثُمَّ أَفِيضُوا مِن حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ} يخاطب قريشًا، ويأمرهم بأن يقفوا بعرفة حيث يقف غيرهم من الناس، وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فعدل عن المشعر الحرام إلى عرفة، فوقف بها، وهي سُنَّة إبراهيم المعروفة عند العرب وغيرهم.
وقوله: (نحرت هاهنا، ومنى كلها منحر)؛ يعني: أنه وإن كان قد نحر في ذلك الموضع المخصوص من منى، فالنحر واسع في كل مواضعها، وهو متفق عليه، وكذلك عرفة ومزدلفة. غير أن توخي موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنحره أولى تبرُّكًا بالنبي صلى الله عليه وسلم وبآثاره، وفي حديث مالك:(عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عُرَنَة)(1) وهو وادي عرفة. قال ابن حبيب: وفيه مسجد عرفة، وهو من الحرم. واتفق العلماء: على أنه لا موقف فيه. واختلفوا فيمن وقف في عُرَنَة: فقال أبو مصعب: هو كمن لم يقف، وحكي عن الشافعي. وقال مالك: حَجُّه صحيح وعليه دم. حكاه عنه ابن المنذر. ومن وقف في المسجد أجزأه عند مالك. وقال
(1) رواه مالك في الموطأ (1/ 388).