الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(41) باب في قوله تعالى: {أَجَعَلتُم سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسجِدِ الحَرَامِ} الآية
[1354]
عن النُّعمَانُ بنُ بَشِيرٍ قَالَ: كُنتُ عِندَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ رَجُلٌ: مَا أُبَالِي أَلَا أَعمَلَ عَمَلًا بَعدَ الإِسلَامِ، إِلَّا أَن أُسقِيَ الحَاجَّ. وَقَالَ آخَرُ: مَا أُبَالِي أَلَا أَعمَلَ عَمَلًا بَعدَ الإِسلَامِ إِلَّا أَن أَعمُرَ المَسجِدَ الحَرَامَ.
ــ
(41)
ومن باب: قوله تعالى: {أَجَعَلتُم سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسجِدِ الحَرَامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ}
(السقاية): مصدر كالسِعاية والحِماية، وهو على الحذف؛ أي: أجعلتم صاحبَ سقاية الحاج مثل مَن آمَنَ بالله، وجاهَدَ في سبيله؛ ويصح أن يقدَّر الحذفُ في:(مَن آمَنَ)؛ أي: أجعلتم عمل سقي الحاج كعمل مَن آمن؟ . و (الحَاجِّ): اسم جنس الحُجّاج. و (عِمَارَةَ المَسجِدِ الحَرَامِ): معاهدته، والقيام بمصالحه.
وظاهِرُ هذه الآية أنَّها مبطلة قولَ من افتخر من المشركين بسقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام، كما ذكره السُّدِّي. قال: افتخر عباسٌ بالسقاية، وشيبة بالعمارة، وعلي بالإسلام والجهاد، فصدَّق اللهُ عليًّا وكذبهما، وهذا واضح. وأما حديث النعمان هذا فمشكل على مساق الآية، فإنه يقتضي أنها إنما نزلت عند اختلافِ المسلمين في الأفضل من هذه الأعمال، وحينئذ لا يصلحُ أن يكون قولُه تعالى:{أَجَعَلتُم سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسجِدِ الحَرَامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَستَوُونَ عِندَ اللَّهِ} ؛ نزل جوابًا لذلك (1)، فإن أولئك
(1) ساقط من (ع) و (ج) واستدركناه من (ج 2).
وَقَالَ الآخَرُ: الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفضَلُ مِمَّا قُلتُم. فَزَجَرَهُم عُمَرُ وَقَالَ: لَا تَرفَعُوا أَصوَاتَكُم عِندَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَومُ الجُمُعَةِ، وَلَكِن إِذَا صَلَّيتُ الجُمُعَةَ دَخَلتُ وَاستَفتَيتُهُ فِيمَا اختَلَفتُم فِيهِ، فَأَنزَلَ اللَّهُ عز وجل:{أَجَعَلتُم سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسجِدِ الحَرَامِ} الآيَةَ إِلَى آخِرِهَا.
رواه مسلم (1879).
ــ
المسلمين لم يختلفوا في أن الإيمانَ مع الجهاد أفضل من مجرَّد السقاية والعمارة، وإنَّما اختلفوا في أي الأعمال أفضل بعد الإسلام، وقد نصّوا على ذلك في الحديث. وأيضًا: فلا يليقُ أن يقالَ لهم في هذا الذي اختلفوا فيه: {وَاللَّهُ لا يَهدِي القَومَ الظَّالِمِينَ} كما قال في آخر الآية. وأيضًا: فإن الآيات التي قبل هذه الآية من قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلمُشرِكِينَ أَن يَعمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ} تدلُ على أن الخطاب مع المشركين، فتعيّن الإشكال، فلينظر في التخلص منه. ويمكن أن يتخلص منه بأن يقال: إن بعضَ الرُّواة تسامَحَ في قوله: فأنزل الله الآية. وإنما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على عُمَرَ الآيةَ حين سأله، فظن الرَّاوي أنها نزلت حينئذ، وإنما استدلَ بها النبيُّ صلى الله عليه وسلم على أن الجهادَ أفضل مما قال أولئك الذين سمعهم عُمر، فاستفتى لهم، فتلا عليه ما كان قد أنزل عليه في المشركين، لا أنها نزلت في هؤلاء. فيبقى أن يقال: فكيف يُستدلُ بما أنزل في المشركين في حالةٍ مخصوصة على مثل ذلك المعنى في المسلمين، وهم مخالفون لهم في تلك الحال؟
والجواب: أن هذا لا بُعدَ فيه. فقد تنتزعُ مما أنزل في المشركين أحكام تليقُ في المسلمين، كما قد فعله عمر، حيث قال: أما إنا لو شئنا لاتخذنا سلائق وشواء وتوضع صحفةٌ، وترفع أخرى، ولكنَّا سمعنا قوله تعالى:{أَذهَبتُم طَيِّبَاتِكُم فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنيَا وَاستَمتَعتُم بِهَا} وهذه الآية نصٌّ في أنها للكفار، ومع ذلك ففهم عمر منها الزجرَ عما يناسبُ أحوالهم بعض المناسبة، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فيمكن أن تكونَ هذه الآيةُ من هذا النوع، والله تعالى أعلم.
[1355]
وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَيُّ النَّاسِ أَفضَلُ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ مُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِمَالِهِ وَنَفسِهِ. قَالَ: ثُمَّ مَن؟ قَالَ: مُؤمِنٌ فِي شِعبٍ مِن الشِّعَابِ، يَعبُدُ اللَّهَ وَيَدَعُ النَّاسَ مِن شَرِّهِ.
رواه أحمد (3/ 37)، والبخاري (2786)، ومسلم (1888)(122)، وأبو داود (2485)، والترمذي (1660)، والنسائي (6/ 11)، وابن ماجه (3978).
[1356]
وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: عَن رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: مِن خَيرِ مَعَاشِ النَّاسِ لَهُم، رَجُلٌ مُمسِكٌ بعِنَانَ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَطِيرُ عَلَى مَتنِهِ، كُلَّمَا
ــ
وقوله: (أي الناس أفضل؟ ) أي: أيّ الناس المجاهدين؟ بدليل أنه أجابه بقوله: (رجل مجاهِد بنفسه وماله). ثم ذكر بعده مَن جاهد نفسه بالعُزلة عن الناس؛ إذ كل واحد من الرَّجُلَين مجاهد. فالأول للعدوِّ الخارجيِّ، والآخر للداخليِّ؛ الذي هو: النفس والشيطان، فجاهدهما بقطع المألوفات، والمستحسنات من الأهل، والقرابات، والأصدقاء، والأوطان، والشهوات المعتادات. وكل ذلك فرارا بدينه، وخوفًا عليه. وهذا هو الجهادُ الأكبر؛ الذي من وصل إليه فقد ظفر بالكبريت الأحمر (1). غير أن العزلةَ إنما تكونُ مطلوبة إذا كفى المسلمون عدوَّهم، وقام بالجهاد بعضهم. فأما مع تعيّن الجهاد؛ فليس غيرُه بمراد، ولذلك بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث ببيان (2) أفضلية الجهاد على العزلة لما قدَّمناه في الباب الذي قبل هذا.
وقوله: (مِن خير معاش الناس لهم)؛ المعاشُ: مصدر بمعنى المعيشة أو
(1) قال في اللسان: أعزُّ من الكبريت الأحمر. ويُقال: ذهبٌ كبريت؛ أي: خالص.
(2)
من (م) و (ج 2).
سَمِعَ هَيعَةً، أَو فَزعَةً طَارَ عَلَيهِ، يَبتَغِي القَتلَ وَالمَوتَ مَظَانَّهُ، أَو رَجُلٌ فِي غُنَيمَةٍ فِي رَأسِ شَعَفَةٍ مِن هَذِهِ الشَّعَفِ، أَو بَطنِ وَادٍ مِن هَذِهِ الأَودِيَةِ، فيُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤتِي الزَّكَاةَ، يَعبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأتِيَهُ اليَقِينُ، لَيسَ مِن الله إِلَّا فِي خَيرٍ.
رواه أحمد (2/ 443)، ومسلم (1889)(125)، وابن ماجه (3977).
* * *
ــ
العيش؛ أي: مِن أشرفِ طُرُق المعاش الجهاد. ففيه دليل على جواز نية أخذ المغانم والاكتساب بالجهاد، لكن إذا كان أصلُ النية في الجهاد أن يجاهدَ لتكون كلمةُ الله هي العليا. ولهذا أشار صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بقوله:(رجل مُمسِك بعِنان فرسه في سبيل الله)، وبقوله:(يبتغي القتلَ مظانَّه).
ومتنُ الفرس وغيره: ظَهرُه. و (الهيعة): الفزعة. يقال: هاع، يهيع، هيوعًا، وهيعةً؛ إذا خاف (1). و: هاع، يهاع؛ إذا جاع، وإذا تهوع. و (مظانَّه)؛ أي: في الأوقات التي يظن القتل فيها. وهو منصوب هنا على الظرف.
و(الشَّعَفة) - بفتح العين غير معجمة-: واحدة الشُّعَف، وهي رؤوس الجبال. و (اليقين) هنا: هو المتيقن، وهو الموت.
* * *
(1) في (ج 2): جبن.