الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(46) باب بعث العيون في الغزو وما جاء: أن الجنة تحت ظلال السيوف
[1367]
عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بُسَيسَةَ عَينًا يَنظُرُ مَا صَنَعَت عِيرُ أَبِي سُفيَانَ، فَجَاءَ وَمَا فِي البَيتِ أَحَدٌ غَيرِي، وَغَيرُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وقَالَ: لَا أَدرِي هل استَثنَى بَعضَ نِسَائِهِ. قَالَ: فَحَدَّثَهُ الحَدِيثَ، قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَتَكَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ لَنَا طَلِبَةً، فَمَن كَانَ ظَهرُهُ حَاضِرًا فَليَركَب مَعَنَا. فَجَعَلَ رِجَالٌ يَستَأذِنُونَهُ فِي ظُهرَانِهِم أنهم فِي عُلوِ المَدِينَةِ، فَقَالَ: لَا، إِلَّا مَن كَانَ ظَهرُهُ حَاضِرًا. فَانطَلَقَ
ــ
وقوله: {دَرَجَاتٍ} بدل من {أَجرًا عَظِيمًا} وهذه الدَّرجاتُ هي المائةُ الدرجة التي أعدَّها الله للمجاهدين، كما تقدَّم في حديث أبي سعيد.
(46)
ومن باب: العيون في الغزو
(بُسَيسَة) - بضم الباء بواحدةٍ، وفتح السين، وياء التصغير-؛ هكذا رواه جميعُ رواة الحديث، وكذا وقع في كتاب مسلم وأبي داود. والمعلومُ في كتاب السِّير:(بَسبَس) بفتح الباء غير مصغرٍ-؛ وهو: بَسبَسُ بن عمرو. ويقال: ابن بشرٍ من الأنصار، وقيل: حليفهم. وأنشد ابنُ إسحاق في خبره:
أقِم لها صُدُورَهَا يَا بَسبَسُ
…
أن تَرِدِ الماءَ بِمَاءِ أكيَسُ (1)
(1) في سيرة ابن هشام (1/ 634):
أقِم لها صُدُورَهَا يَا بَسبَسُ
…
ليس بذي الطلح لها معرّسُ
رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصحَابُهُ حَتَّى سَبَقُوا المُشرِكِينَ إِلَى بَدرٍ، وَجَاءَ المُشرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَا يُقَدِّمَنَّ أَحَدٌ مِنكُم إِلَى شَيءٍ حَتَّى أَكُونَ أَنَا أؤذنَهُ. فَدَنَا المُشرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرضُ. قَالَ: يَقُولُ عُمَيرُ بنُ حُمَامِ الأَنصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَنَّةٌ عَرضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرضُ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: بَخٍ بَخٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَا يَحمِلُكَ عَلَى قَولِ بَخٍ بَخٍ؟ . قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَّا رَجَاءُ أَن أَكُونَ مِن أَهلِهَا، قَالَ: فَإِنَّكَ مِن أَهلِهَا،
ــ
و(العين) هنا: الجاسوس؛ سُمِي بذلك لأنه يعاينُ فيخبرُ مرسلَه بما يراه، فكأنه عينُه. و (العير): الإبلُ التي عليها الأثقال.
و(ظُهرانهم) - بضم الظاء-: جمع ظهر، وقيل: جمع ظهير، كقضيب وقُضبان، وكثيب وكُثبان. وهو البعيرُ الذي ركب ظهره.
و(بخ بخ): كلمة تقال لتفخيم الأمر، وتعظيمه، والتعجب منه. يقال بسكون الخاء، وكسرها مُنوّنة.
وقوله: (قوموا إلى جنة عرضُها السماوات والأرض)؛ أي: كعرض السماء والأرض. شبَّه الجنة بسعة السماوات والأرض، وإن كانت الجنةُ أوسعَ، مخاطبةً لنا بما شاهدنا؛ إذ لم نشاهد أوسعَ من السماوات والأرض. وهذا أشبهُ ما قيل في هذا المعنى.
وقوله: (لا والله إلا رجاءَ)؛ رويته بنصب الهمزة من غير تاء تأنيثٍ على أن يكونَ مفعولًا من أجله. والأولى فيه الرفع، على أن يكونَ فاعلًا بفعلٍ مضمر، يدلُّ عليه قولُه:(ما يحملُك على قولك: بخ بخ؟ ) لأنَه جوابُه؛ أي: لا يحملُني على قولي: بخٍ بخٍ إلا رجاءُ أن أكون من أهل الجنة. وقد رواه كثير من المشايخ: (إلَاّ رجاة) -بتاء التأنيث- وهو مصدرُ الرَّجاء، لكنه محدود. قال المبرّدُ: تقولُ العربُ: فعلته رجاتك؛ أي: رجاك؛ من الرَّجا، وهو الطمَعُ في تحصيل ما فيه عرضٌ ونَفعٌ.
فَأَخرَجَ تَمَرَاتٍ مِن قَرَنِهِ فَجَعَلَ يَأكُلُ مِنهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: لَئِن أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ، إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ، قَالَ: فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِن التَّمرِ، ثُمَّ قَاتَلَهُم حَتَّى قُتِلَ.
رواه مسلم (1901).
[1368]
وعَن أَبِي بَكرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ بنِ قَيسٍ، عَن أَبِيهِ قَالَ: سَمِعتُ أَبِي وَهُوَ بِحَضرَةِ العَدُوِّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ أَبوَابَ الجَنَّةِ تَحتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ. فَقَامَ رَجُلٌ رَثُّ الهَيئَةِ، فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى! أنتَ سَمِعتَ
ــ
وقوله: (فأخرج تمرات من قُرنه) - بفتح القاف والرَاء-، وهي جَعبةُ السهام. وهكذا روايتنا فيه، وأمَّا من رواه بضم القاف، وسكون الراء، وكسر الباء قربه (1)، و (قَرقَرِهِ) فتغيير، وإن كانت لهما أوجه بعيدة.
وقوله: (الجنَّةُ تحت ظلالِ السُّيوف)؛ من الاستعارة البديعة، والألفاظ السَّهلة البليغة؛ التي لا يُنسَجُ على منوالها، ولا يقدِرُ بليغ أن يأتيَ بمثالها. يعني بذلك: أن من خاض غمراتِ الحروب، وباشرَ حالَ المسايفة كان له جزاء الجنة. وهذا من باب قوله:(الجنَّة تحت أقدام الأمَهات)(2)؛ أي: مَن تذلَّل لهنَّ، وأطاعهنَّ وَصَل إلى الجنة، ودخلها.
وفي هذين الحديثين دليل على جواز استقتال الرجل نفسه في طلب الشَهادة، وإن علم أنه يقتَل. وقد فعله كثير من الصحابة والسَّلف وغيرهم. وروي عن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما، وهو قولُ مالك، ومحمد بن الحسن،
(1) ما بين حاصرتين زيادة من: إكمال إكمال المعلم للأُبِّي.
(2)
رواه ابن عدي (1/ 325)، والقضاعي في الشهاب رقم (82)، والخطيب في: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2/ 289).
رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَم، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى أَصحَابِهِ، قَالَ: أَقرَأُ عَلَيكُم السَّلَامَ، ثُمَّ كَسَرَ جَفنَ سَيفِهِ فَأَلقَاهُ، ثُمَّ مَشَى بِسَيفِهِ إِلَى العَدُوِّ فَضَرَبَ بِهِ حَتَّى قُتِلَ.
رواه أحمد (4/ 396)، ومسلم (1902)، والترمذي (1659).
* * *
ــ
غير أنَّ العلماءَ كرهوا فِعلَ ذلك لرأس الكتيبة؛ لأنه إن هلك هلك جيشُه. وقد روي عن عمر أيضًا كراهية الاستقتال، وقال:(لأن أموتَ على فراشي أحبُّ إليَّ من أن أقتل بين يدي صفٍ). يعني: مستقتلا. ورأى بعضُ العلماء هذا الفعلَ مِن إلقاء اليد للتهلكة المنهي عنه.
قلتُ: وفي هذا بُعدٌ من وجهين:
أحدهما: أن أحسنَ ما قيل في الآية (1)؛ أنها فيمن ترك الإنفاق في الجهاد.
وثانيها: أن عملًا يُفضي بصاحبه إلى الشَّهادة ليس بتهلكة، بل التهلكةُ: الإعراضُ عنه، وتركُ الرَّغبة فيه.
ودلَّ على ذلك الأحاديث المتقدِّمة كلها، فلا يُعدل عنها.
* * *
(1) أشار بذلك إلى قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195].