الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[954]
ومن حديث جابر، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الشَّهرَ يَكُونُ تِسعًا وَعِشرِينَ، ثُمَّ طَبَّقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِيَدَيهِ ثَلَاثًا مَرَّتَينِ، بِأَصَابِعِ يَدَيهِ كُلِّهَا، وَالثَّالِثَةَ بِتِسعٍ مِنهَا.
رواه أحمد (3/ 329)، ومسلم (1084)(24).
* * *
(2) باب لأهل كل بلد رؤيتهم عند التباعد وفي الهلال يرى كبيرا وشهران لا ينقصان والنهي عن أن يتقدم رمضان بصوم
[955]
عَن كُرَيبٍ أَنَّ أُمَّ الفَضلِ بِنتَ الحَارِثِ بَعَثَتهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، قَالَ: فَقَدِمتُ الشَّامَ فَقَضَيتُ حَاجَتَهَا وَاستُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ، وَأَنَا
ــ
يكفيه تسع وعشرون كما تقدَّم؟ وإخبار عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم بعدد تلك الليالي، يفهم منه: أنها اعتبرت ذلك الشهر بالعدد، واعتناؤها بعدد الأيام استطالة لزمان الهجر، وذلك يدلُّ على فرط محبتها، وشدة شوقها للنبي صلى الله عليه وسلم، وأنه كان عندها من ذلك ما لم يكن عند غيرها، وبذلك استوجبت أن تكون أحب نساء النبي صلى الله عليه وسلم إليه، كما قد صرَّح به صلى الله عليه وسلم حيث قيل له: من أحب الناس إليك؟ فقال: (عائشة)(1).
(2)
ومن باب: لأهل كل بلد رؤيتهم عند التباعد
قوله: (واستهل عليَّ هلال رمضان)؛ مبنيًا لما لم يُسم فاعله. أصل استهل: من الإهلال الذي هو رفع الصوت عند رؤية الهلال، ثم غلب عرف الاستعمال
(1) رواه الترمذي (3879) من حديث عمرو بن العاص.
بِالشَّامِ فَرَأَيتُ الهِلَالَ لَيلَةَ الجُمُعَةِ ثُمَّ قَدِمتُ المَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهرِ، فَسَأَلَنِي عَبدُ اللَّهِ بنُ العَبَّاسٍ ثُمَّ ذَكَرَ الهِلَالَ وقَالَ: مَتَى رَأَيتُم الهِلَالَ؟ فَقُلتُ: رَأَينَاهُ لَيلَةَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: أرَأَيتَهُ؟ قُلتُ: نَعَم، وَرَآهُ النَّاسُ وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ فَقَالَ: لَكِنَّا رَأَينَاهُ لَيلَةَ السَّبتِ فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكمِلَ ثَلَاثِينَ، أَو نَرَاهُ فَقُلتُ: أَوَلَا تَكتَفِي بِرُؤيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ فَقَالَ: لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. شَكّ فِي نَكتَفِي أَو تَكتَفِي.
رواه مسلم (1087)، وأبو داود (2832)، والترمذي (693)، والنسائي (4/ 131).
ــ
فصار يفهم منه رؤية الهلال، ومنه سُمِّي الهلال لَمَّا كان يُهَلُّ عنده.
وقول ابن عباس: (فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه)، ثم قال في آخره:(هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم)؛ كلمة تصريح برفع ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، وبأمره به. فهو حجة على أن البلاد إذا تباعدت كتباعد الشام من الحجاز أو ما قارب ذلك، فالواجب على أهل كل بلد أن تعمل على رؤيته دون رؤية غيره، وإن ثبت ذلك عند الإمام الأعظم، ما لم يحمل الناس على ذلك فلا تجوز مخالفته؛ إذ المسألة اجتهادية مختلف فيها، ولا يبقى مع حكم الإمام اجتهاد، ولا تحل مخالفته. ألا ترى أن معاوية أمير المؤمنين قد صام بالرؤية وصام الناس بها بالشام، ثم لم يلتفت ابن عباس إلى ذلك، بل بقي على حكم رؤيته هو. ووجه هذا يعرف من علم الهيئة (1) والتعديل، وذلك أنه يتبيَّن فيها: أن ارتفاعات الأقاليم مختلفة، فتختلف مطالع الأهلة ومغاربها، فيطلع الهلال، ويغرب على قوم قبل طلوعه وغروبه على آخرين. وعلى هذا: فلا يظهر تأثير هذا إلا فيما بَعُدَ جدًّا، لا فيما قرب، والله
(1)"علم الهيئة": هو علم الفلك، ويختصُّ بدراسة أصل الكون وتطوره، ويبحث عن أحوال الأجرام السماوية، وعلاقة بعضها ببعض، وما لها من تأثير في الأرض.
[956]
وعَن أَبِي البَختَرِيِّ قَالَ: خَرَجنَا لِلعُمرَةِ، فَلَمَّا نَزَلنَا بِبَطنِ
ــ
تعالى أعلم.
وإلى ذلك صار ابن عباس، وسالم، والقاسم، وعكرمة. وبه قال إسحاق. وإليه أشار الترمذي، حيث بوَّب: لأهل كل بلد رؤيتهم. وحكى أبو عمر بن عبد البر: الإجماع على أنه لا تراعى الرؤية فيما بَعُد من البلدان كالأندلس من خراسان، قال: ولكل بلد رؤيتهم، إلا ما كان كالمصر الكبير، وما تقاربت أقطاره من بلدان المسلمين.
قلت (1): وهذا الإجماع الذي حكاه أبو عمر يدلُّ على أن الخلاف الواقع في هذه المسألة إنما هو فيما تقارب من البلاد. ولم يكن في حكم القطر الواحد. ونحن نذكره إن شاء الله تعالى.
قال ابن المنذر: اختلف في الهلال يراه أهل بلد ولا يراه غيرهم: فقال قوم: لأهل كل بلد رؤيتهم، وذكر من تقدَّم ذكر أكثرهم.
وقال آخرون: إذا ثبت أن أهل بلد رأوه فعليهم قضاء ما أفطروا. وهو قول الليث، والشافعي، وأحمد. ولا أعلم إلا قول المزني والكوفي.
وقال شيوخنا: إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع، ثم نقل إلى غيرهم بشهادة شاهدين لزمهم الصوم. وقال عبد الملك: أما ثبوته بالشهادة فلا يلزم فيها الصوم إلا لأهل البلد الذي ثبتت فيه الشهادة، إلا أن يثبت عند الإمام الأعظم فيلزم الناس كلهم الصيام. وعلل هذا: بأن البلاد كلها كبلد واحد؛ إذ حكمه نافذ في الجميع.
قلت: هكذا وقع نقل المشايخ لهذه المسألة، ولم يفرِّقوا بين البعيد والقريب من الأقاليم. والصواب: الفرق (2)؛ بدليل الإجماع الذي حكاه أبو عمر، فيحمل
(1) ساقط من (ع).
(2)
بل الصواب توحيدُ الرؤية لإظهار وحدة المسلمين. ثم إنه بعد التقدم العلمي الهائل في وقتنا المعاصر، أصبح من الممكن إثبات يوم الرؤية بشكل صحيح؛ اعتمادًا على علم الفلك؛ الذي حقَّق سَبْقًا علميًا لا يُضاهى، مقترنًا بتقدُّم أجهزة الحاسوب. فصار من الممكن والمحقَّق إثبات يوم الرؤية إلى ما بعد مئات السنين. وكلنا أمل في أن يتحقق توحيد يوم الرؤية لدى المسلمين كما تحقق توحيد وقوفهم في عرفات.
نَخلَةَ قَالَ: تَرَاءَينَا الهِلَالَ، وَقَالَ بَعضُ القَومِ: هُوَ ابنُ لَيلَتَينِ. وَقَالَ بَعضُ القَومِ: هُوَ ابنُ ثَلَاثٍ، قَالَ: فَلَقِينَا ابنَ عَبَّاسٍ فَقُلنَا: إِنَّا ترَاءَينَا الهِلَالَ، فَقَالَ بَعضُ القَومِ: هُوَ ابنُ ثَلَاثٍ، وَقَالَ بَعضُ القَومِ: هُوَ ابنُ لَيلَتَينِ فَقَالَ:
ــ
إطلاق المشايخ على البلاد المتقاربة، والله تعالى أعلم.
وفي قوله: (صوموا لرؤيته)؛ دليل على أن يوم الشكّ لا يلزم صومه. وهو مذهب الجمهور خلافًا لأحمد بن حنبل، فإنه أوجب صومه احتياطًا، فإن صح أنه من رمضان أجزأه. ونحوه قال الكوفيون؛ إلا أنهم لم يوجبوا صومه. والجمهور على أنه لا يصومه عن رمضان، ولا يجزئه إن صامه، وكان بعض الصحابة يأمر بالفصل ما بين رمضان وشعبان بفطر يوم أو يومين. وكره محمد بن مسلمة تحرِّي فطره، كما كره تحرِّي صومه.
قلت: والأصل: أنه محكوم له بأنه من شعبان حتى يدل الدليل على أنه من رمضان. والأدلة الناقلة عن حكم شعبان: الرؤية، أو الشهادة، أو إكمال عدة شعبان بثلاثين، ولم يوجد واحد منها في يوم الشك، غير أنه يستحب أن يمسك فيه من غير صوم ليسلم من الأكل في زمان رمضان. ثم قوله:(صوموا لرؤيته)؛ يقتضي وجوب الصَّوم حين الرؤية متى وجدت، لكن منع الإجماع من الصوم حينئذ؛ فكان محمولاً على اليوم المستقبل؛ لأنه هلال ليلة ذلك اليوم، ولا فرق بين رؤيته قبل الزوال، أو بعده، وهو المشهور من مذاهب العلماء، ومن مذهب مالك. وقال ابن وهب، وابن حبيب، وعيسى بن دينار: إذا رؤي قبل الزوال فهو لليلة الماضية، ويفطرون ساعة رؤيته إن كان هلال شوال. وقال بعض أهل الظاهر: أما في الصوم فيجعل للماضية، وأما في الفطر فيجعل للمستقبلة، وهو أخذ بالاحتياط منهم. والحديث المتقدِّم حجة عليهم على ما قررناه.
و(بطن نخلة): موضع معروف بذات عرق، ولذلك قال في رواية أخرى في الأصل: قال أبو البختري: أهللنا رمضان ونحن بذات عرق.
أَيَّ لَيلَةٍ رَأَيتُمُوهُ؟ قَالَ: قُلنَا: لَيلَةَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّ اللَّهَ مَدَّهُ لِلرُّؤيَةِ فَهُوَ لِلَيلَةٍ رَأَيتُمُوهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ: إن الله قد أمده لرؤيته، فإن أغمي عليكم فأكملوا العدة.
رواه مسلم (1088)(29).
[957]
وعَن أَبِي بَكرَةَ، عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: شَهرَا عِيدٍ لَا يَنقُصَانِ: رَمَضَانُ وَذُو الحِجَّةِ.
رواه أحمد (5/ 47 - 48)، والبخاري (1912)، ومسلم (1089)(31)، وأبو داود (2823)، والترمذي (692)، وابن ماجه (1659).
ــ
وقوله: فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله مدَّه للرؤية)؛ هكذا صحت روايتنا فيه، وهكذا الأصول الصحيحة، والنسخ المقيَّدة، وقد سقط في بعض النسخ لمن لا يضبط ولا يحفظ:(قال: إن الله)، فيبقى اللفظ:(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مدَّه للرؤية)؛ وهو خطأ صراح، لا يقبل الإصلاح. ووقع في إحدى الروايتين:(مدَّه) ثلاثيًّا. وفي الأخرى: (أمَدَّه) رباعيًّا.
قال القاضي أبو الفضل عياض: هما بمعنى: أطال له مدّة الرؤية، ومنه قوله تعالى:{وَإِخوَانُهُم يَمُدُّونَهُم فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقصِرُونَ} وقرئ بالوجهين. أي: يطيلون لهم. وقال غيره: مدَّ: من الامتداد. وأمدَّ: من الإمداد، وهو الزيادة. ومنه: أمددت الجيش بمدد. ويجوز أن يكون: أمدَّه من المُدَّة. قال صاحب الأفعال: أمددتك مدة: أعطيتكها.
وقوله: (شهرا عيدٍ لا ينقصان) قيل فيه أقوال:
أحدها: لا ينقصان من الأجر، وإن نقصا في العدد.
[958]
وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَومِ يَومٍ وَلَا يَومَينِ، إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَومًا فَليَصُمهُ.
رواه أحمد (2/ 234 و 347)، والبخاري (1914)، ومسلم (1082)، وأبو داود (2335)، والترمذي (685)، والنسائي (4/ 154)، وابن ماجه (1650).
* * *
ــ
وثانيها: لا ينقصان في عام بعينه.
وثالثها: لا يجتمعان ناقصين في سنة واحدة في غالب الأمر.
ورابعها: ما قاله الطحاوي: لا ينقصان في الأحكام، وإن نقصا في العدد؛ لأن في أحدهما الصيام، وفي الآخر الحج، وأحكام ذلك كله كاملة غير ناقصة.
وخامسها: ما قاله الخطابي: لا ينقص أجر ذي الحجة عن أجر رمضان؛ لفضل العمل في العشر.
وقوله: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين)؛ هذا النهي لما يخاف من الزيادة في شهر رمضان، وهو من أدلة مالك على قوله بسدِّ الذرائع، لا سيما وقد وقع لأهل الكتابين من الزيادة في أيام الصوم غلط (1) حتى أنهوا ذلك إلى ستين يومًا، كما هو المنقول عنهم. وقد وسع في المنع في الحديث الذي خرَّجه الترمذي عن أبي هريرة وصححه فقال:(2) قال رسول صلى الله عليه وسلم: (إذا بقي نصف من شعبان فأمسكوا عن الصوم حتى يأتي رمضان)(3).
ومَحمَلُ هذا النهي ما يخاف من الزيادة
(1) ساقط من (ع) واستدرك من (ظ) و (هـ).
(2)
ساقط من (ع).
(3)
رواه الترمذي (738).