المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(22) باب ما جاء أن فتح مكة عنوة وقوله عليه الصلاة والسلام: لا يقتل قرشي صبرا بعد اليوم - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم - جـ ٣

[أبو العباس القرطبي]

فهرس الكتاب

- ‌(9) كتاب الزكاة

- ‌(1) باب ما تجب فيه الزكاة، وكم مقدار ما يخرج

- ‌(2) باب ليس فيما اتُّخِذَ للقُنيَةً صدقة وتقديم الصدقة وتحمّلها عمن وجبت عليه

- ‌(3) باب الأمر بزكاة الفطر، وعمن تخرج، ومماذا تخرج، ومتى تخرج

- ‌(4) باب وجوب الزكاة في البقر والغنم، وإثم مانع الزكاة

- ‌(5) باب الحض على الصدقة والنفقة على العيال والأقربين

- ‌(6) باب فضل الصدقة على الزوج والولد اليتيم والأخوال

- ‌(7) باب الصدقة على الأم المشرِكة، وعن الأم الميتة

- ‌(8) باب الابتداء في الصدقة بالأهم فالأهم

- ‌(9) باب أعمال البر صدقات

- ‌(10) باب الدعاء للمنفق وعلى الممسك، والأمر بالمبادرة للصدقة قبل فَوتِها

- ‌(11) باب لا يقبل الله الصدقة إلا من الكسب الطيب

- ‌(12) باب الصدقة وقاية من النار

- ‌(13) باب حث الإمام الناس على الصدقة إذا عنت فاقة

- ‌(14) باب النهي عن لَمزِ المتصدِّق والترغيب في صدقة المِنحَة

- ‌(15) باب مثل المتصدق والبخيل، وقبول الصدقة تقع عند غير مستحق

- ‌(16) باب أجر الخازن الأمين والمرأة تتصدق من كسب زوجها والعبد من مال سيده

- ‌(17) باب أجر من أنفق شيئين في سبيل الله وعظم منزلة من اجتمعت فيه خصال من الخير

- ‌(18) باب من أحصى أُحصِي عليه والنهي عن احتقار قليل الصدقة وفضل إخفائها

- ‌(19) باب أي الصدقة أفضل وفضل اليد العليا والتعفف عن المسألة

- ‌(20) باب من أحق باسم المسكنة وكراهة المسألة للناس

- ‌(21) باب من تحل له المسألة

- ‌(22) باب إباحة الأخذ لمن أعطي من غير سؤال ولا استشراف

- ‌(23) باب كراهية الحرص على المال والعُمر

- ‌(24) باب الغنى غِنَى النفس وما يخاف من زهرة الدنيا وفضل التعفف والقناعة

- ‌(25) باب إعطاء السائل ولو أفحش في المسألة

- ‌(26) باب إعطاء المؤلفة قلوبهم

- ‌(27) باب يَجِبُ الرضا بما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما أعطى ويكفر من نَسبَ إليه جَورًا وذكر الخوارج

- ‌(28) باب لا تَحِلُّ الصدقة لمحمد ولا لآلِ محمد، ومن يستعمل على الصدقة

- ‌(29) ومن باب: الصدقة إذا بلغت محلها

- ‌(30) باب دعاء المصدق لِمن جاء بصدقته، والوصاة بالمصدق

- ‌(10) كتاب الصوم

- ‌(1) باب فضل شهر رمضان والصوم والفطر لرؤية الهلال

- ‌(2) باب لأهل كل بلد رؤيتهم عند التباعد وفي الهلال يرى كبيرا وشهران لا ينقصان والنهي عن أن يتقدم رمضان بصوم

- ‌(3) باب في قوله تعالى: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيطُ الأَبيَضُ مِنَ الخَيطِ الأَسوَدِ} وقوله عليه الصلاة والسلام: إن بلالا ينادي بليل

- ‌(4) باب الحث على السحور، وتأخيره وتعجيل الإفطار

- ‌(5) باب إذا أقبل الليل وغابت الشمس أفطر الصائم

- ‌(6) باب النهي عن الوصال في الصوم

- ‌(7) بَابُ ما جاء فِي القُبلَة للصائم

- ‌(8) باب صوم من أدركه الفجر وهو جنب

- ‌(9) باب كفارة من أفطر متعمدا في رمضان

- ‌(10) باب جواز الصوم، والفطر في السفر والتخيير في ذلك

- ‌(11) باب من أجهده الصوم حتى خاف على نفسه وجب عليه الفطر

- ‌(12) باب الفطر أفضل لمن تأهب إلى لقاء العدو

- ‌(13) باب فضل صيام يوم عرفة وترك صيامه لمن كان بعرفة

- ‌(14) باب في صيام يوم عاشوراء وفضله

- ‌(15) باب النهي عن صيام يوم الفطر ويوم الأضحى وكراهية صوم أيام التشريق

- ‌(16) باب النهي عن اختصاص يوم الجمعة بصيام واختصاص ليلته بقيام

- ‌(17) باب نسخ الفدية، ومتى يقضى رمضان

- ‌(18) باب قضاء الصيام عن الميت

- ‌(19) باب فضل الصيام، والأمر بالتحفظ به من الجهل والرفث

- ‌(20) باب فيمن أصبح صائمًا متطوعا ثم يفطر وفيمن أكل ناسيا

- ‌(21) باب كيف كان صوم رسول الله صلى الله عليه وسلم في التطوع

- ‌(22) باب كراهية سرد الصوم، وبيان أفضل الص

- ‌(23) باب فضل صوم ثلاثة أيام من كل شهر وسرر شعبان، وصوم المحرم وستة أيام من شوال

- ‌(11) أبواب الاعتكاف وليلة القدر

- ‌(1) باب لا اعتكاف إلا في مسجد وبصوم

- ‌(2) باب للمعتكف أن يختص بموضع من المسجد فيضرب خيمة ومتى يدخلها، واعتكاف النساء في المسجد وأن المعتكف لا يخرج من معتكفه إلا لحاجته الضرورية

- ‌(3) باب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان

- ‌(4) باب الأمر بالتماس ليلة القدر

- ‌(5) باب لَيلَةُ القَدرِ لَيلَةُ ثَلَاثُ وَعشرين

- ‌(6) باب ليلة القدر ليلة سبع وعشرين وما جاء في علاماتها

- ‌(12) كتاب الحج

- ‌(1) باب ما يجتنبه المحرم من اللباس والطيب

- ‌(2) باب المواقيت في الحج والعمرة

- ‌(3) باب الإحرام والتلبية

- ‌(4) باب بيان المحل الذي أهل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌(5) باب تطيب المحرم قبل الإحرام

- ‌(6) باب ما جاء في الصيد، وفي لحمه للمحرم

- ‌(7) باب ما يقتل المحرم من الدواب

- ‌(8) باب الفدية للمحرم

- ‌(9) باب جواز مداواة المحرم بالحجامة وغيرها مما ليس فيه طيب

- ‌(10) باب غسل المحرم رأسه

- ‌(11) باب المحرم يموت، ما يفعل به؟ وهل للحاج أن يشترط

- ‌(12) باب يغتسل المحرم على كل حال ولو كان امرأة حائضا، وإرداف الحائض

- ‌(13) باب تفعل الحائض والنفساء جميع المناسك إلا الطواف بالبيت

- ‌(14) باب أنواع الإحرام ثلاثة

- ‌(15) باب ما جاء في فسخ الحج في العمرة وأن ذلك كان خاصا بهم

- ‌(16) باب يجزئ القارن بحجه وعمرته طواف واحد وسعي واحد

- ‌(17) باب في حجة النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌(18) باب في قوله تعالى: {أَفِيضُوا مِن حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ}

- ‌(19) باب الإهلال بما أهل به الإمام

- ‌(20) باب الاختلاف في أي أنواع الإحرام أفضل

- ‌(21) باب الهدي للمتمتع والقارن

- ‌(22) باب الاختلاف فيما به أحرم النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌(23) باب الطواف عند القدوم

- ‌(24) باب إباحة العمرة في أشهر الحج

- ‌(25) باب تقليد الهدي وإشعاره عند الإحرام

- ‌(26) باب كم اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم وكم حج

- ‌(27) باب فضل العمرة في رمضان

- ‌(28) باب من أين دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة والمدينة، ومن أين خرج

- ‌(29) باب المبيت بذي طوى، والاغتسال قبل دخول مكة، وتعيين مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌(30) باب الرمل في الطواف والسعي

- ‌(31) باب استلام الركنين اليمانيين وتقبيل الحجر الأسود

- ‌(32) باب الطواف على الراحلة لعذر، واستلام الركن بالمحجن

- ‌(33) باب في قوله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالمَروَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ

- ‌(34) باب متى يقطع الحاج التلبية

- ‌(35) باب ما يقال في الغدو من منى إلى عرفات

- ‌(36) باب الإفاضة من عرفة والصلاة بمزدلفة

- ‌(37) باب التغليس بصلاة الصبح بالمزدلفة والإفاضة منها، وتقديم الظغن والضعفة

- ‌(38) باب رمي جمرة العقبة

- ‌(39) باب في الحلاق والتقصير

- ‌(40) باب من حلق قبل النحر ونحر قبل الرمي

- ‌(41) باب طواف الإفاضة يوم النحر ونزول المحصب يوم النفر

- ‌(42) باب الرخصة في ترك البيتوتة بمنى لأهل السقاية

- ‌(43) باب التصدق بلحوم الهدايا وجلودها وأجلتها والاشتراك فيها

- ‌(44) باب من بعث بهدي لا يلزمه أن يجتنب ما يجتنبه المحرم، وفي ركوب الهدي

- ‌(45) باب ما عطب من هدي التطوع قبل محله

- ‌(46) باب ما جاء في طواف الوداع

- ‌(47) باب ما جاء في دخول النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة وفي صلاته فيها

- ‌(48) باب في نَقضِ الكَعبَةِ وَبِنَائِهَا

- ‌(49) باب الحج عن المعضوب والصبي

- ‌(50) باب فرض الحج مرة في العمر

- ‌(51) باب ما جاء أن المحرم من الاستطاعة

- ‌(52) باب ما يقال عند الخروج إلى السفر وعند الرجوع

- ‌(53) باب التعريس بذي الحليفة إذا صدر من الحج أو العمرة

- ‌(54) باب في فضل يوم عرفة ويوم الحج الأكبر

- ‌(55) باب ثواب الحجِّ والعمرة

- ‌(56) باب تَمَلُّك دُور مكة ورِباعها وكم كان مكث المهاجر بها

- ‌(57) باب تحريم مكة وصيدها وشجرها ولقطتها

- ‌(58) باب تحريم المدينة وصيدها وشجرها والدعاء لها

- ‌(59) باب الترغيب في سكنى المدينة والصبر على لأوائها

- ‌(60) باب المدينة لا يدخلها الطاعون ولا الدَّجال، وتنفي الأشرار

- ‌(61) باب إثم من أراد أهل المدينة بسوء والترغيب فيها عند فتح الأمصار

- ‌(62) باب فضل المنبر والقبر وما بينهما، وفضل أحد

- ‌(63) باب فضل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسجد الحرام، وما تشد الرحال إليه، والمسجد الذي أسس على التقوى، وإتيان قباء

- ‌(13) كتاب الجهاد والسير

- ‌(1) باب في التأمير على الجيوش والسرايا ووصيتهم، والدعوة قبل القتال

- ‌(2) باب النهي عن الغدر، وما جاء أن الحرب خدعة

- ‌(3) باب النهي عن تمنِّي لقاء العدو والصبر عند اللقاء والدعاء بالنصر

- ‌(4) باب النهي عن قتل النساء والصبيان وجواز ما يصاب منهم إذا بيتوا وقطع نخيلهم وتحريقها

- ‌(5) باب تخصيص هذه الأمة بتحليل الغنائم

- ‌(6) باب في قوله تعالى: {يَسأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ}

- ‌(7) باب للإمام أن يخص (ل اتل بالسَّلب

- ‌(8) باب لا يستحق القاتل السَّلب بنفس القتل

- ‌(9) باب في التنفيل بالأسارى، وفداء المسلمين بهم

- ‌(10) باب ما يخمس من الغنيمة وما لا يخمس وكم يسهم للفرس والرجل

- ‌(11) باب بيان ما يصرف فيه الفيء والخمس

- ‌(12) باب تصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم بما وصل إليه من الفيء ومن سهمه

- ‌(13) باب الإمام مُخيَّر في الأسارى وذكر وقعة يوم بدر، وتحليل الغنيمة

- ‌(14) باب في المن على الأسارى

- ‌(15) باب إجلاء اليهود والنصارى من المدينة ومن جزيرة العرب

- ‌(16) باب إذا نزل العدو على حكم الإمام فله أن يرد الحكم إلى غيره ممن له أهلية ذلك

- ‌(17) باب أخذ الطعام والعلوفة من غير تخميس

- ‌(18) باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام

- ‌(19) باب كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك يدعوهم

- ‌(20) باب في غزاة حنين وما تضمنته من الأحكام

- ‌(21) باب في محاصرة العدو، وجواز ضرب الأسير وطرف من غزوة الطائف

- ‌(22) باب ما جاء أن فتح مكة عنوة وقوله عليه الصلاة والسلام: لَا يَقتِلُ قُرَشِيٌّ صَبرًّا بَعدَ اليَومِ

- ‌(23) باب صلح الحديبية وقوله تعالى: {إِنَّا فَتَحنَا لَكَ فَتحًا مُبِينًا}

- ‌(24) باب في التحصين بالقلع والخنادق عند الضعف عن مقاومة العدو وطرف من غزوة الأحزاب

- ‌(25) باب في اقتحام الواحد على جمع العدو، وذكر غزوة أحد وما أصاب فيها النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌(26) باب فيما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى قريش

- ‌(27) باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله وصبره على الجفاء والأذى

- ‌(28) باب جواز إعمال الحيلة في قتل الكفار وذكر قتل كعب بن الأشرف

- ‌(29) باب في غزوة خيبر وما اشتملت عليه من الأحكام

- ‌(30) باب في غزوة ذي قرد وما تضمنته من الأحكام

- ‌(31) باب خروج النساء في الغزو

- ‌(32) باب لا يسهم للنساء في الغنيمة بل يحذين منه

- ‌(33) باب عدد غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌(34) باب في غزوة ذات الرِّقاع

- ‌(35) باب ترك الاستعانة بالمشركين

- ‌(36) باب السن الذي يجاز في القتال

- ‌(37) باب النهي عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو

- ‌(38) باب في المسابقة بالخيل، وأنها معقود في نواصيها الخير، وما يكره منها

- ‌(39) باب الترغيب في الجهاد وفضله

- ‌(40) باب فضل القتل في سبيل الله تعالى

- ‌(41) باب في قوله تعالى: {أَجَعَلتُم سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسجِدِ الحَرَامِ} الآية

- ‌(42) باب في رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة، وفيمن قتل كافرًا

- ‌(43) باب فضل الحمل في سبيل الله والجهاد ومن دل على خير

- ‌(44) باب في البعوث ونيابة الخارج عن القاعد وفيمن خلف غازيا في أهله بخير أو بشر

- ‌(45) باب في قوله تعالى: {لا يَستَوِي القَاعِدُونَ} الآية

- ‌(46) باب بعث العيون في الغزو وما جاء: أن الجنة تحت ظلال السيوف

- ‌(47) باب في قوله تعالى: {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ}

- ‌(48) باب الإخلاص وحسن النية في الجهاد

- ‌(49) باب إثم من لم يُخلص في الجهاد وأعمال البر

- ‌(50) باب الغنيمة نقصان من الأجر وفيمن مات ولم ينو الغزو وفيمن تمنى الشهادة

- ‌(51) باب الغزو في البحر

- ‌(52) باب في فضل الرِّباط، وكم الشهداء

- ‌(53) باب في قَولِهِ تَعَالَى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَا استَطَعتُم}

- ‌(54) باب في قوله عليه الصلاة والسلام: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين)

- ‌(55) باب من آداب السفر

الفصل: ‌(22) باب ما جاء أن فتح مكة عنوة وقوله عليه الصلاة والسلام: لا يقتل قرشي صبرا بعد اليوم

(22) باب ما جاء أن فتح مكة عنوة وقوله عليه الصلاة والسلام: لَا يَقتِلُ قُرَشِيٌّ صَبرًّا بَعدَ اليَومِ

[1297]

عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ رَبَاحٍ قَالَ: وَفَدنَا إِلَى مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفيَانَ وَفِينَا أَبُو هُرَيرَةَ، فَكَانَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَصنَعُ طَعَامًا يَومًا لِأَصحَابِهِ، فَكَانَت نَوبَتِي فَقُلتُ: يَا أَبَا هُرَيرَةَ، اليَومُ نَوبَتِي، فَجَاءُوا إِلَى المَنزِلِ وَلَم يُدرِك طَعَامُنَا فَقُلتُ: يَا أَبَا هُرَيرَةَ، لَو حَدَّثتَنَا عَن رَسُولِ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم حَتَّى يُدرِكَ طَعَامُنَا. فَقَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم يَومَ الفَتحِ، فَجَعَلَ خَالِدَ بنَ الوَلِيدِ

ــ

(22)

ومن باب: ما جاء أن فتح مكة عنوة

قوله: (كان كل (1) رجل منَّا يصنع طعامًا يومًا لأصحابه، فكانت نوبتي)؛ هذه المناوبة في الطعام كانت منهم على جهة المكارمة، والمطايبة، والتبرك بالمؤاكلة والمشاركة فيها، لا على جهة المعاوضة، والمشاحة؛ ولذلك قال أبو هريرة للذي دعاه:(سبقتني)(2). ففيه ما كان السلف عليه من حسن التودد، والمزاولة، والمواصلة، والمكارمة. و (لو) هي هنا للتمني؛ أي: ليتك حدثتنا. و (أدرك طعامنا)؛ أي: انتهى إلى النضج.

(1) ساقطة من (ج).

(2)

هذه اللفظة من رواية ثانية للحديث، وهي في صحيح مسلم برقم (1780).

ص: 628

عَلَى المُجَنِّبَةِ اليُمنَى، وَجَعَلَ الزُّبَيرَ عَلَى المُجَنِّبَةِ اليُسرَى، وَجَعَلَ أَبَا عُبَيدَةَ عَلَى البَيَاذِقَةِ وَبَطنِ الوَادِي، فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيرَةَ، ادعُ لِي الأَنصَارَ. فَدَعَوتُهُم فَجَاءُوا يُهَروِلُونَ، فَقَالَ: يَا مَعشَرَ الأَنصَارِ، هَل تَرَونَ أَوبَاشَ قُرَيشٍ؟ . قَالَوا: نَعَم، قَالَ: انظُرُوا إِذَا لَقِيتُمُوهُم غَدًا، أَن تَحصُدُوهُم

ــ

وقوله: (وجعل أبا عبيدة على البياذقة)؛ البياذقة: هم الرَّجالة. وأصله بالفارسية: أصحاب ركاب الملك. وقد رواه بعضهم: (السَّاقة) وفيها بُعد. وبعضهم قال: (الشارفة)؛ أي: المشرفة. وهي تصحيف. والأُولى هي الصواب. وفي رواية أخرى: (الحسر) مكان (البياذقة) وهو جمع حاسر. وهو هنا: الذي لا درع معه. وهذا الوصف صادق على الرَّجالة؛ فإنهم كذلك غالبًا.

وقوله: (وبطن الوادي) منصوب بفعل مضمر؛ أي: وجعل طريقه بطن الوادي، كما جاء مفسَّرًا في الرواية، ولا يجوز خفضه؛ لأنه يلزم منه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم جعل أبا عبيدة على سكان بطن الوادي. وذلك غير مراد قطعًا.

ونداؤه صلى الله عليه وسلم للأنصار خاصة: إما لأن المهاجرين كانوا حضورًا معه، فلم يحتج إلى ندائهم، وإما ليظهر لهم شدة اعتنائه بهم، وتعويله عليهم. ويظهر لي: أن اختصاصه بالأنصار في هذا الموضع، وقوله:(لا يأتيني إلا أنصاري)؛ كما جاء في الرواية الأخرى، إنما كان لأنه وصَّاهم بقتل من تعرض لهم من قريش؛ إذ لا قرابة، ولا رحم بينهم، فلا موجب للعطف عليهم، بخلاف المهاجرين؛ فإن بينهم قرابات وأرحامًا، فلا جرم لما سمعت الأنصار أمره مضوا لذلك، فلم يتعرض لهم أحد إلا أناموه؛ أي: قتلوه، فصيروه كالنائم. والله تعالى أعلم.

و(أوباش قريش): أخلاطهم. وفي الرواية الأخرى: ووبشت قريش أوباشًا لها؛ أي: جمعت جموعًا من قبائل مختلفة. ويقال: أوباش وأوشاب. بمعنى

ص: 629

حَصدًا. وَأَخفَى بِيَدِهِ وَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ، وَقَالَ: مَوعِدُكُم الصَّفَا. قَالَ: فَمَا أَشرَفَ يَومَئِذٍ لَهُم أَحَدٌ إِلَّا أَنَامُوهُ، قَالَ: وَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم على الصَّفَا، وَجَاءَت الأَنصَارُ فَأَطَافُوا بِالصَّفَا، فَجَاءَ أَبُو سُفيَانَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُبِيدَت خَضرَاءُ قُرَيشٍ، لَا قُرَيشَ بَعدَ اليَومِ. قَالَ أَبُو سُفيَانَ:

ــ

واحد.

و(الحصد): القطع. وأصله في الزرع، واستعاره هنا للقتل لما كانت الرءوس والأيدي تقطع فيه.

وقوله: (وأحفى بيده ووضع يمينه على شماله)؛ كذا صحيح الرواية- بالحاء المهملة- معناه: استأصل؛ أي: أشار إلى ذلك. وبعضهم رواه: (وأكفى) - بالكاف-؛ أي: مال بيده، فكأنه صلى الله عليه وسلم وضع يمناه على يسراه، وأمرها عليها مشيرًا إلى الاستئصال. والله تعالى أعلم.

وقوله: (موعدكم الصفا)؛ ظاهره خطابه للأنصار، فكأنه صلى الله عليه وسلم سلك الطريق الأعلى من مكة، وسلكت الأنصار من أسفلها، حتى اجتمعوا عند الصفا. و (الموعد) هنا: موضع الوعد، وقد يأتي كذلك في الزمان، كقوله تعالى:{إِنَّ مَوعِدَهُمُ الصُّبحُ} ويأتي كذلك للمصدر. وهو في كل ذلك مكسور العين.

وقول أبي سفيان: (أبيدت خضراء قريش)؛ أي: أفنيت وأذهبت. وفي رواية أخرى: (أبيحت) من الإباحة. وكلاهما متقارب. و (خضراء قريش) معظمها، وجموعها.

وقوله: (لا قريش بعد اليوم)؛ أي: لا وجود لقريش بعد هذا. وذلك لما رأى من هول الأمر، والغلبة، والقهر، والاستطالة، والاستيلاء عليهم.

وهذا الحديث لمالك نص: على أن النبي صلى الله عليه وسلم دخلها عنوة، وقهرًا. وهو

ص: 630

فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم: مَن دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَن أَغلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَن أَلقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، فَقَالَت الأَنصَارُ: أَمَّا الرَّجُلُ فَقَد أَخَذَتهُ رَأفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ، وَرَغبَةٌ فِي قَريَتِهِ. وَنَزَلَ الوَحيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم، وقَالَ: قُلتُم: أَمَّا الرَّجُلُ فَقَد أَخَذَتهُ رَأفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ وَرَغبَةٌ فِي قَريَتِهِ، أَلَا فَمَا اسمِي إِذًا (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أَنَا مُحَمَّدٌ عَبدُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، هَاجَرتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيكُم، فَالمَحيَا مَحيَاكُم، وَالمَمَاتُ مَمَاتُكُم. قَالَوا: وَاللَّهِ مَا قُلنَا إِلَّا ضِنًّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُم وَيَعذِرَانِكُم.

ــ

الذي صار إليه جمهور العلماء، والفقهاء، مالك وغيره، ما عدا الشافعي، فإنه قال: فتحت صلحًا. وقد اعتذر بعض أصحابه عنه في ذلك بأن قال: أراد الشافعي بقوله: إنه صلى الله عليه وسلم دخل مكة صلحًا؛ أي: فعل فيها ما يفعل من صالح. فملكهم أنفسهم، ومالهم (1)، وأرضيهم.

قلت: والكل متفقون على أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة أمن أهلها ولم يغنمهم، وترك لهم أموالهم، وذراريهم، وأراضيهم، ولم يجر عليها حكم الغنيمة، ولا حكم الفيء، فكان ذلك أمرًا خاصًّا بمكة، لشرفها، وحرمتها، ولا يساويها في ذلك غيرها من البلاد بوجه من الوجوه. والله تعالى أعلم. وقد تقدم الكلام في بيع دور مكة وإجاراتها.

وقول الأنصار: (أما الرَّجل فقد أخذته رأفة بعشيرته، ورغبة في قريته)؛ هذا القول ليس فيه تنقيص، ولا تصغير، وإنما هم لما رأوا منه ما يقتضيه خلق الكرام، وجبلات الفضلاء من الرأفة على العشيرة، والصَّغو (2) للوطن، والحنين له، خافوا أن يؤثر المقام فيها على المقام بالمدينة، فحملهم شدة محبتهم له، وكراهة

(1) في (ج): وأموالهم.

(2)

"الصغو": الميل.

ص: 631

وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: فَأَقبَلَ النَّاسُ إِلَى دَارِ أَبِي سُفيَانَ، وَأَغلَقَ النَّاسُ أَبوَابَهُم، قَالَ: فأَقبَلَ رَسُولُ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَقبَلَ إِلَى الحَجَرِ فَاستَلَمَهُ، ثُمَّ طَافَ بِالبَيتِ، قَالَ: فَأَتَى عَلَى صَنَمٍ إِلَى جَنبِ البَيتِ كَانُوا يَعبُدُونَهُ، قَالَ: وَفِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم قَوسٌ. وَهُوَ آخِذٌ بِسِيَةِ القَوسِ، فَلَمَّا أَتَى عَلَى الصَّنَمِ جَعَلَ يَطعُنُ فِي عَينِهِ وَيَقُولُ: جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ فَلَمَّا فَرَغَ مِن طَوَافِهِ أَتَى الصَّفَا، فَعَلَا عَلَيهِ حَتَّى نَظَرَ إِلَى البَيتِ، وَرَفَعَ يَدَيهِ فَجَعَلَ يَحمَدُ اللَّهَ وَيَدعُو بِمَا شَاءَ أَن يَدعُوَ.

رواه أحمد (2/ 538)، ومسلم (1780)(84 و 86)، وأبو داود (1872) و (3023).

ــ

مفارقته، أو مفارقة أوطانهم، على أن قالوا هذا الكلام، وقد بيَّنوا عذرهم عن هذا حيث قالوا: (ما قلناه إلا ضنًّا برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي: بخلًا.

وإخباره صلى الله عليه وسلم إياهم بما قالوا، معجزة من معجزاته.

وقوله صلى الله عليه وسلم: (ألا فما اسمي إذًا؟ ) قيل: إنما قال ذلك تنبيهًا على صدقه لما ظهرت معجزته بإخباره عما غاب عنه، كما كان يقول عند ظهور الخوارق على يديه:(أشهد أني رسول الله)(1). وقيل: إنما قال ذلك تنبيهًا على أن صدق اسمه (محمد) عليه يمنعه من نقض العهد، وترك القيام بحق من له حق، فكأنه قال: لو فعلت ذلك لما استحققت أن أسمّى: محمدًا، ولا: أحمد؛ وكلاهما مأخوذ من الحمد. ويدل على صحة هذا التأويل قوله: (المحيا محياكم، والممات مماتكم)(2)؛ أي لا أفارقكم حياتي ولا موتي. وبكاء الأنصار إنما كان فرحًا وصبابة برسول الله صلى الله عليه وسلم.

(1) رواه البيهقي في دلائل النبوة (6/ 229).

(2)

هو حديث الباب.

ص: 632

[1298]

وعَن عَبدِ اللَّهِ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ-صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ وَحَولَ الكَعبَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ نُصُبًا، وفي رواية: صنما، فَجَعَلَ يَطعُنُهَا بِعُودٍ كَانَ في يَدِهِ وَيَقُولُ: جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ، إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا، جَاءَ الحَقُّ، وَمَا يُبدِئُ البَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ.

رواه البخاري (2478)، ومسلم (1781)، والترمذي (3137).

[1299]

وعن عَبدُ اللَّهِ بنُ مُطِيعٍ، عَن أَبِيهِ قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ-صلى الله عليه وسلم يَقُولُ يوم فتح مكة: لَا يُقتَلُ قُرَشِيٌّ صَبرًا بَعدَ اليَومِ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ.

ــ

و(سية القوس): طرفها المنحني. وله سيتان. وقد قال في طريق أخرى: (بعود في يديه)، يريد به القوس.

وقوله: (كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا)؛ إنما كانت بهذا العدد؛ لأنهم كانوا يعظمون في كل يوم صنمًا، ويخصُّون أعظمها بيومين.

وقوله: (فجعل يطعنها بعود في يده)؛ يقال: كانت مثبتة بالرَّصاص، وأنه كلما طعن منها صنمًا في وجهه خر لقفاه، أو في قفاه خر لوجهه (1). ذكر هذا القول عياض في كتاب الشفاء.

وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يقتل قرشي صبرًا بعد اليوم إلى يوم القيامة)؛ أصل الصبر: الحبس. فمعنى: قتل صبرًا؛ أي: محبوسًا، مأسورًا لا في معركة، ومنه: المصبورة: المنهي عن قتلها. قال الحميدي: وقد تأوَّل بعض العلماء هذا الحديث على معنى: أنه لا يقتل قرشي مرتدًّا ثابتًا على الكفر صبرًا؛ إذ قد وجد من قتل منهم صبرًا في القتال وغيره، ولم يوجد من قتل منهم صبرًا وهو ثابت على الكفر.

(1) ما بين حاصرتين ساقط من (هـ).

ص: 633

زَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَلَم يَكُن أَحَدٌ أَسلَمَ مِن عُصَاةِ قُرَيشٍ غَيرَ مُطِيعٍ، كَانَ اسمُهُ العَاصِي، فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم مُطِيعًا.

رواه أحمد (3/ 412)، ومسلم (1782)(88 و 89).

* * *

ــ

وقد قال عياض: هذا إعلام منه صلى الله عليه وسلم: أنهم يسلمون كلهم، كما كان، وأنهم لا يرتدون بعده كما ارتد غيرهم ممن حورب، وقتل صبرًا.

وقوله: (لم يكن أسلم من عصاة قريش غير مطيع بن الأسود)؛ قال القاضي عياض: (عصاة) هنا: جمع العاصي، من الأسماء، لا من الصفات؛ أي: لم يسلم ممن كان اسمه (العاصي)، كالعاصي بن وائل السهمي، والعاصي بن هشام أبي البختري، والعاصي بن سعد بن العاصي بن أميَّة، والعاصي بن هشام بن المغيرة المخزومي، والعاصي بن منبه بن الحجاج وغيرهم، سوى العاصي بن الأسود العدوي، فغير النبي صلى الله عليه وسلم اسمه، فسماه: مطيعًا. وإلا فقد أسلم عصاة قريش وعتاتهم، والحمد لله، لكنه قد ذكر: أن أبا (1) جندل بن سهيل بن عمرو هو ممن أسلم، واسمه: العاصي. فإذا صح هذا فيحتمل: أن لما غلبت كنيته عليه، وصار اسمه كأنه غير معروف، فلم يستثنه كما استثنى مطيع بن الأسود. والله تعالى أعلم.

* * *

(1) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).

ص: 634