الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(44) باب من بعث بهدي لا يلزمه أن يجتنب ما يجتنبه المحرم، وفي ركوب الهدي
[1176]
عَن عَمرَةَ بِنتِ عَبدِ الرَّحمَنِ أَنَّ زِيَادا كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ أَنَّ عَبدَ اللَّهِ بنَ عَبَّاسٍ قَالَ: مَن أَهدَى هَديًا حَرُمَ عَلَيهِ مَا يَحرُمُ عَلَى الحَاجِّ حَتَّى يُنحَرَ الهَديُ، وَقَد بَعَثتُ بِهَديِي فَاكتُبِي إِلَيَّ بِأَمرِكِ. قَالَت عَمرَةُ: قَالَت عَائِشَةُ: لَيسَ كَمَا قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ، أَنَا فَتَلتُ قَلَائِدَ هَديِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِيهِ،
ــ
(44)
ومن باب: من بعث بهدي لا يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم
قوله: (عن عمرة بنت عبد الرحمن: أن زيادًا كتب إلى عائشة)؛ كذا هو الصواب، وهو: زياد بن أبي سفيان، وكذا هو في جميع الموطآت، وفي البخاري. ورواية من رواه:(أن ابن زياد) خطأ. وما حكاه زياد عن ابن عباس هو مذهبه، ومذهب ابن عمر، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير. وحكاه الخطابي عن أصحاب الرأي. وما أسندته إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي عمل به جمهور العلماء، ما خلا من ذُكِرَ.
و(القلائد): جمع قلادة، وهو ما يجعل في العنق من خيط أو سير (1).
و(العهن): الصوف المصبوغ ألوانًا؛ قاله الخليل. وقال غيره: كل صوف عهن.
وقولها: (أنا فتلت قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قلّدها)؛ يدل على
(1) في (ع): أو غيره.
ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَم يَحرُم عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَيءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ حَتَّى نُحِرَ الهَديُ.
رواه أحمد (6/ 78 و 85)، والبخاري (1696)، ومسلم (1321)(369)، وأبو داود (1757 و 1759)، والترمذي (908)، والنسائي (5/ 171)، وابن ماجه (3098).
ــ
تجويدها لتلك الرواية، وأنها اعتنت بالقصة، وحققتها. وفيه (1) ما يدل على أن من بعث بهديه قلَّده، وأشعره من موضعه بخلاف من حَمَله معه، فإنه يُقلِّده من موضع إحرامه.
وقولها: (ثم بعث بها مع أبي)؛ كان هذا - والله أعلم - حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم على الحج أميرًا، ثم أردفه بعليّ لينبذ للناس عهدهم، كما تقدم. وقد مضى الكلام في الإشعار والتقليد.
وقوله صلى الله عليه وسلم لسائق البدنة: (اركبها)؛ أخذ بظاهره أحمد، وإسحاق، وأهل الظاهر. وروى ابن نافع عن مالك: لا بأس بركوب الرجل بدنته ركوبًا غير فادح. وأوجب ركوبها بعضهم لهذا الأمر. وذهب مالك في المشهور: إلى أنه لا يركبها إلا إن اضطر إليها، محتجًّا بقوله صلى الله عليه وسلم:(اركبها إذا ألجئت إليها بالمعروف)؛ وهذا المقيَّد يقضي على ذلك المطلق على ما يعرف (2) في الأصول. وبنحو ذلك قال الشافعي، وأبو حنيفة. ثم إذا ركبها عند الحاجة فاستراح؛ نزل. قال إسماعيل القاضي: وهو الذي يدل عليه مذهب مالك، وهو خلاف ما ذكره ابن القاسم: أنه لا يلزمه النزول، وحجته إباحة النبي صلى الله عليه وسلم له الركوب، فجاز له استصحابه. وقال أبو حنيفة والشافعي: إن نقصها الركوب المباح فعليه قيمة ذلك، ويتصدَّق به.
(1) ساقط من (ع).
(2)
في (ج): كما يعلم.
[1177]
وعَن أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً - وَفِي رِوَايَةٍ: مقلدة - فَقَالَ: اركَبهَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهَا بَدَنَةٌ فَقَالَ: اركَبهَا وَيلَكَ فِي الثَّانِيَةِ، أَو فِي الثَّالِثَةِ.
رواه أحمد (2/ 487)، والبخاري (1689)، ومسلم (1322)(371)، وأبو داود (1760)، والنسائي (5/ 176)، وابن ماجه (3103).
[1178]
وعن جابر بنَ عَبدِ اللَّهِ، وسُئِلَ عَن رُكُوبِ الهَديِ، فَقَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: اركَبهَا بِالمَعرُوفِ إِذَا أُلجِئتَ إِلَيهَا، حَتَّى تَجِدَ ظَهرًا.
ــ
وقوله: (اركبها ويلك! ) تأديبٌ له لأجل مراجعته، وقول الرجل:(إنها بدنة)، وقد كان حالها غير خافٍ على النبي صلى الله عليه وسلم، فإنها كانت مقلَّدة، ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم فهم عن الرجل: أنه لا يرى ركوبها بحال على عادة الجاهلية في البحيرة، والسائبة، والوصيلة، فزجره عن ذلك. وقيل: إنما قال له ذلك لأن هذا الرجل قد كان جهد من المشي، ووصل إلى حد الهلكة.
و(الويل): الهلكة. فقوله: (ويلك)؛ أي: أشرفت على الهلاك لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم من الشدَّة. وقيل: إن هذه الكلمة مما تدغم فيها العرب كلامها. كقولهم: لا أمَّ له ولا أب. وتربت يمينك. ومن ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: (ويل أمه مِسعَرُ حرب)(1). وقد تقدم هذا النحو في الطهارة.
وقوله: (اركبها بالمعروف)؛ يعني: بالرفق في الركوب، والسير على الوجه المعروف، من غير عُنف، ولا إفحاش.
وقوله: (إذا أُلجئت إليها، حتى تجد ظهرًا)؛ يدل على صحة ما قاله
(1) رواه البخاري (4178 و 4179)، وأبو داود (2765 و 2766).