الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(11) أبواب الاعتكاف وليلة القدر
(1) باب لا اعتكاف إلا في مسجد وبصوم
[1034]
عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اعتَكَفَ
ــ
(11)
أبواب الاعتكاف وليلة القدر
الاعتكاف في اللغة: هو ملازمة الشيء والإقامة فيه. ولما كان المعتكف ملازمًا للعمل بطاعة الله مدة اعتكافه؛ لزمه هذا الاسم. وهو في عرف الشرع: ملازمة طاعةٍ مخصوصة، على شرط مخصوص، في موضع مخصوص، على ما يأتي تفصيله.
وأجمع على: أنه ليس بواجب، وهو قربة من القرب، ونافلة من النوافل، عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأزواجه، ويكره الدخول فيه لمن يخاف عليه العجز عن الوفاء بحقوقه.
واختلف منه في مسائل:
المسألة الأولى: هل من شرطه الصوم، أم لا؟ فذهب مالك وجمهور العلماء إلى أنه شرط فيه؛ لقوله تعالى:{وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُم عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ} ؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم لم يعتكف قط إلا وهو صائم. قال مالك: وعلى ذلك: الأمر عندنا. قال أبو إسحاق التونسي: ودليلنا على ذلك: ما رواه سفيان بن حسين عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا اعتكاف إلا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بصوم) (1). قال: ومثله عن علي، وابن عبَّاس، وابن عمر.
قال أبو عمر بن عبد البر: وبه قال عروة بن الزبير، والشعبي، والزهري، والثوري، والأوزاعي، والحسن بن حَييّ، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، وأحمد، وقال الشافعي: الاعتكاف جائز بغير صيام. وهو قول علي، وابن مسعود، والحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، وعمر بن عبد العزيز، وابن أبي عَبلَة، وداود.
واختلف فيه عن ابن عباس، وأحمد، وإسحاق.
قلت: والصحيح: الاشتراط؛ لأنه إن صح حديث عائشة فهو نصٌّ فيه، وإن لم يصح وإلا فالأفضل (2) في العبادات والقرب أنها إنما تفعل على نحو ما قررها الشارع، وعلى ما فعلها، وقد تقررت مشروعية الاعتكاف مع الصوم في قوله:{وَأَنتُم عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ} ؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتكف قط إلا صائمًا، فمن ادعى جوازه من غير صوم دفع إلى إقامة دليل على ذلك (3).
المسألة الثانية: اشتراط المسجد. وهو شرط في الجملة للرجال والنساء عند الجمهور. وقد شذَّ ابن لبابة من متأخري أصحابنا، فجوَّزه بغير صوم ولا مسجد. وقال الكوفيون: لا يعتكف النساء إلا في بيوتهن. وذهب بعض السَّلف: إلى أنه
(1) رواه أبو داود (2473).
(2)
في (هـ): فالأصل.
(3)
جاء في حاشية (هـ) ما يلي:
للشافعي أن عمر رضي الله عنه نذر في الجاهلية أن يعتكف ليلةً، فسأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال:""أوفِ بنذرك". فدلَّ على أنَّ الصومَ غيرُ شرطٍ، والحديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما. وحديث عائشة موقوف، ولم يخرجه غير أبي داود، وفي إسناده مقال، فالصحيحُ عدم الاشتراط، ومَن ادَّعى وجوده أُلْجِئ إلى حُجَّة ودليل، والله أعلم.
العَشرَ الأَوَّلَ مِن رَمَضَانَ، ثُمَّ اعتَكَفَ العَشرَ الأَوسَطَ فِي قُبَّةٍ تُركِيَّةٍ، عَلَى سُدَّتِهَا حَصِيرٌ، قَالَ: فَأَخَذَ الحَصِيرَ بِيَدِهِ فَنَحَّاهَا فِي نَاحِيَةِ القُبَّةِ، ثُمَّ أَطلَعَ رَأسَهُ فَكَلَّمَ النَّاسَ، فَدَنَوا مِنهُ، فَقَالَ: إِنِّي اعتَكَفتُ العَشرَ الأَوَّلَ أَلتَمِسُ هَذِهِ اللَّيلَةَ، ثُمَّ اعتَكَفتُ العَشرَ الأَوسَطَ، ثُمَّ أُتِيتُ فَقِيلَ لِي إِنَّهَا فِي العَشرِ الأَوَاخِرِ فَمَن أَحَبَّ مِنكُم أَن يَعتَكِفَ فَليَعتَكِف، فَاعتَكَفَ النَّاسُ مَعَهُ قَالَ: وَإِنِّي أُريتُهَا لَيلَةَ وِترٍ، وَإِنِّي أَسجُدُ صَبِيحَتَهَا فِي طِينٍ وَمَاءٍ. فَأَصبَحَ مِن
ــ
لا يعتكف إلا في أحد المساجد الثلاثة، وذُكر عن حذيفة.
وذهب بعضهم: إلى أنه لا يعتكف، إلا في مسجد تُجَمَّع فيه الجمعة. ورُوي عن مالك من مذهبه: أن ذلك إنما يشترط فيمن أراد أن يعتكف أيامًا تتخللها الجمعة؛ لأنه إن خرج إلى الجمعة بطل اعتكافه.
والصحيح: اشتراط المسجد للرِّجال والنساء لقوله تعالى: {وَأَنتُم عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ} ولأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يعتكفوا إلا في المسجد، رجالهم ونساؤهم.
المسألة الثالثة: قال أئمتنا: الاعتكاف الشرعي هو: ملازمة المسجد ليتفرغ لعبادة الله تعالى مع صوم، إما له وإما لغيره في مدة أقل واجبها يوم وليلة، وأقل مستحبها عشرة أيام ولياليها.
وقد خولف أئمتنا في كثير من هذه القيود على ما يأتي في تضاعيف الكلام على الأحاديث إن شاء الله تعالى.
(1)
ومن باب: لا اعتكاف إلا في مسجد وبصوم (1)
قوله: (في قبة تركية على سدتها حصير)، القبة التركية: التي لها باب واحد. والسُّدة: الباب الذي يُسدُّ. وهذه القبة هي المعبَّر عنها في الحديث الآخر: بالبناء. وفي الآخر: بالخيمة.
(1) شرح المؤلف تحت هذا العنوان ما أشكل في أحاديث هذا الباب، وأحاديث باب: ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين، وباب: ليلة القدر ليلة سبع وعشرين.
لَيلَةِ إِحدَى وَعِشرِينَ، وَقَد قَامَ إِلَى الصُّبحِ فَمَطَرَت السَّمَاءُ فَوَكَفَ المَسجِدُ فَأَبصَرتُ الطِّينَ وَالمَاءَ، فَخَرَجَ حِينَ فَرَغَ مِن صَلَاةِ الصُّبحِ وَجَبِينُهُ وَرَوثَةُ أَنفِهِ فِيهِمَا الطِّينُ وَالمَاءُ، وَإِذَا هِيَ لَيلَةُ إِحدَى وَعِشرِينَ مِن العَشرِ الأَوَاخِر.
رواه مسلم (1167)(215)، والنسائي (3/ 79 - 80).
[1035]
وعنه قَالَ: اعتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم العَشرَ الأَوسَطَ مِن رَمَضَانَ، يَلتَمِسُ لَيلَةَ القَدرِ قَبلَ أَن تُبَانَ لَهُ، قال: فَلَمَّا انقَضَينَ أَمَرَ بِالبِنَاءِ فَقُوِّضَ، ثُمَّ أُبِينَت لَهُ أَنَّهَا فِي العَشرِ الأَوَاخِرِ، فَأَمَرَ بِالبِنَاءِ فَأُعِيدَ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهَا كَانَت أُبِينَت لِي لَيلَةُ القَدرِ، وَإِنِّي خَرَجتُ لِأُخبِرَكُم بِهَا، فَجَاءَ رَجُلَانِ يَحتَقَّانِ، مَعَهُمَا الشَّيطَانُ فَنُسِّيتُهَا، فَالتَمِسُوهَا فِي العَشرِ الأَوَاخِرِ مِن رَمَضَانَ التَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالخَامِسَةِ قَالَ: قُلتُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ إِنَّكُم أَعلَمُ بِالعَدَدِ مِنَّا قَالَ: أَجَل نَحنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنكُم، قَالَ: قُلتُ: مَا التَّاسِعَةُ وَالسَّابِعَةُ وَالخَامِسَةُ؟ قَالَ: إِذَا مَضَت وَاحِدَةٌ وَعِشرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا ثِنتَانِ وَعِشرِونَ فَهِيَ التَّاسِعَةُ، فَإِذَا مَضَت ثَلَاثٌ وَعِشرُونَ، فَالَّتِي تَلِيهَا السَّابِعَةُ، فَإِذَا مَضَى خَمسٌ وَعِشرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا الخَامِسَةُ.
ــ
و(وكف المسجد): قطر.
و(الرَّوثة): طرف الأرنبة.
و(يلتمس): يطلب.
و(تقويض البناء): هدمه.
و(أبينت): روايتنا فيه من البيان. قال أبو الفرج: وضبطه المحققون: (أثبتت) من الإثبات.
(يحتقان): يطالب كل واحد منها صاحبه بحقه. وقد تقدَّم الكلام في تسمية ليلة القدر في صلاة الليل من كتاب الصلاة.
وقول الرجل لأبي سعيد: (إنكم أعلم بالعدد منَّا)؛ أي: بهذا العدد الذي ذكر، وذلك لأنه محتمل لأن يعتبر بكمال الشهر أو بنقصه، وقد اعتبره أبو سعيد هنا بالباقي على كمال الشهر.