الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويثبت أيضا أنه يسمع ويبصر ويعلم ويقدر، ويثبت أيضا أنه قوي غني، فالفقير الضعيف لا يدعى ولا يقصد، {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)} فاطر: 13 - 14، فنفى الله عنهم أوصاف الكمال التي انفرد بها عمن سواه، و {يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73)} الحج:73.
فمن السميع لما ذهب المشرك إلى أصم أبكم؟ ومن البصير لما استغاث بعاجز أعمى؟ ومن الغني لما توجه إلي فقير معدم؟ ومن القدير لما عكف على ضريح ميت ضعيف فقير؟ {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)} فاطر: 19 - 22، فدعاء المسألة وكذلك دعاء العبادة توجه لله بأسمائه وصفاته، وإفراده سبحانه بالتعظيم والدعاء والحب الخوف والرجاء، فإذا صرف شيئا من ذلك لغير الله فإنه إلحاد وميل وشرك" (1).
2 - الحلف بغير الله:
يقرر الشيخ رحمه الله: "بأن الحلف بغير الله من ملك أو نبي أو ولي أو مخلوق ما من المخلوقات محرم، لما ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب وعمر يحلف بأبيه فناداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا إن الله عز وجل ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) (2)، وفي رواية أخرى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من كان حالفاً فلا يحلف إلَاّ بالله" (3)، وكانت قريش تحلف
(1) أسماء الله الحسنى في الكتاب والسنة، د/محمود عبد الرازق الرضواني (1/ 301).
(2)
أخرجه البخاري كتاب الأيمان والنذور، باب لا تحلفوا بآبائكم برقم (6646)، ومسلم في كتاب الأيمان باب النهي عن الحلف بغير الله برقم (1646).
(3)
أخرجه البخاري في كتاب الشهادات، باب كيف يستحلف برقم (2679)،ومسلم في كتاب الأيمان، باب النهي عن الحلف بغير الله برقم (1646).
بآبائها فقال: (لا تحلفوا بآبائكم)(1)، رواهما مسلم وغيره، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحلف بغير الله، والأصل في النهي التحريم، بل ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه سماه: شركاً، روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(من حلف بشيء دون الله فقد أشرك)(2)،
وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)(3)، وقد حمل العلماء ذلك على الشرك الأصغر، وقالوا: إنه كفر دون الكفر الأكبر المخرج من الملة والعياذ بالله فهو من أكبر الكبائر، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه:" لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقاً" ويؤيد ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:(من حلف منكم فقال في حلفه: باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لأخيه: تعال أقامرك فليتصدق)(4)، فأمر صلى الله عليه وسلم من حلف من المسلمين باللات والعزى أن يقول بعد ذلك: لا إله إلا الله، لمنافاة الحلف بغير الله كمال التوحيد الواجب؛ وذلك لما فيه من إعظام غير الله بما هو مختص بالله وهو الحلف به، وما ورد في بعض الأحاديث من الحلف بالآباء فهو قبل النهي عن ذلك جرياً على ما كان معتاداً في العرب الجاهلية، والحلف بغير الله قد يكون شركاً أكبر وقد يكون شركاً أصغر على حسب ما يقوم بقلب الحالف" (5).
ويقرر الشيخ كذلك رحمه الله: "أن الفقهاء؛ كمالك، وأبي حنيفة، والشافعي رحمهم الله قالوا: إن الحلف بغير الله مطلقاً منهي عنه سواء كان المحلوف به نبياً أم غيره ولا ينعقد
(1) أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور باب لا تحلفوا بآبائكم برقم (6648)، ومسلم في كتاب الأيمان باب النهي عن الحلف بغير الله برقم (1646).
(2)
أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (5352)، أبو داود في كتاب الأيمان والنذور باب كراهية الحلف بالآباء برقم (3251)، والترمذي في كتاب الأيمان والنذور باب في الكراهية الحلف بغير الله برقم (1534) وحسنه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة الكاملة (5/ 41) والإرواء برقم (2627)، وقال إسناده صحيح على شرط الشيخين ..
(3)
أخرجه الترمذي في كتاب: الأيمان والنذور، باب: في كراهية الحلف بغير الله، برقم (1535)، والحاكم في المستدرك في كتاب الأيمان والنذور برقم (7903)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (2/ 99).
(4)
أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان باب كل لهو باطل إذا شغله عن طاعة الله برقم (6301)، ومسلم في كتاب الأيمان باب من حلف بلات والعزى فليقل لا إله إلا الله برقم (1647).
(5)
ينظر: فتاوى اللجنة (1/ 340 - 358).
ذلك يميناً، وهو القول الصحيح عن أحمد رحمه الله، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (1) رحمه الله وقال: إنه هو الصواب" (2).
والحلف بغير الله عز وجل شرك؛ لحديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: (من حلف بغير الله؛ فقد كفر أو أشرك)(3) وقوله: (فقد كفر أو أشرك): يحتمل أن يكون هذا شكاً من الراوي، ويحتمل أن يكون (أو) بمعنى الواو، فيكون قد كفر وأشرك، ويكون من الكفر الذي هو دون الكفر الأكبر؛ كما أنه من الشرك الأصغر.
وقد كثر من الناس اليوم من يحلف بغير الله؛ كمن يحلف بالأمانة، أو يحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم، أو يقول: وحياتي وحياتك يا فلان
…
وما أشبه هذه الألفاظ، وقد سمعنا ما ورد في الأحاديث من النهي عن الحلف بغير الله عز وجل، واعتباره كفراً أو شركاً؛ لأن الحلف بالشيء تعظيم له، والذي يجب أن يعظم ويحلف به هو الله عز وجل، والحلف بغيره شرك وجريمة عظمى.
والشرك الأصغر ينقض التوحيد ويخلُّ به، وهناك أشياء من الشرك الأصغر حذرنا منها الله ورسوله؛ صيانة للعقيدة، وحماية للتوحيد؛ لأنها تنقض التوحيد، وربما تجر إلى الشرك الأكبر (4).
قال أبو جعفر الطحاوي: "لم يرد به الشرك الذي يخرج من الإسلام حتى يكون به صاحبه خارجاً عن الإسلام، ولكنه أراد أنه لا ينبغي أن يحلف بغير الله تعالى، لأن من حلف بغير الله تعالى فقد جعل ما حلف به محلوفا به، كما جعل الله تعالى محلوفا به، وبذلك جعل من حلف به أو ما حلف به شريكا فيما يحلف به، وذلك أعظم، فجعله شركا بذلك شركا غير الشرك الذي يكون به كافرا بالله تعالى خارجا عن الإسلام"(5).
(1) مجموع الفتاوى (1/ 204).
(2)
ينظر: فتاوى اللجنة (1/ 524 - 525).
(3)
أخرجه الترمذي في كتاب: الأيمان والنذور، باب: في كراهية الحلف بغير الله، برقم (1535)، والحاكم في المستدرك في كتاب الأيمان والنذور برقم (7903)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (2/ 99).
(4)
ينظر: مجموع الفتاوى (11/ 506)، التبيان شرح نواقض الإسلام، لمحمد بن عبد الوهاب (ص 8)، التوحيد وقرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين، لعبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب (1/ 383)، تجريد التوحيد للمقريزي (ص 9)، الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد (96 - 97)، الإيمان حقيقته، خوارمه، نواقضه عند أهل السنة والجماعة، د. عبد الرحمن بن صالح المحمود (1/ 136).
(5)
سد الذرائع في مسائل العقيدة على ضوء الكتاب والسنة الصحيحة، د: عبد الله شاكر محمد الجنيدى (1/ 38).
قال الشيخ الألباني رحمه الله بعد نقله للكلام السابق-: "يعنى - والله أعلم - أنه شرك لفظي وليس شركا اعتقادياً، والأول تحريمه من باب سد الذرائع، والآخر محرم لذاته، وهو كلام وجيه متين"(1).
وما ورد في بعض الأحاديث من الحلف بالآباء كما جاء في بعض الأحاديث، كقول النبي صلى الله عليه وسلم:(أَفْلحَ وأبيه إنْ صدَق)(2)، وقد أجاب عن ذلك العلماء بأقوال:
الجواب الأوّل: أن هذا وأمثاله لا يُقصد به اليمين، وإنما يجري على الألسنة من غير قصد اليمين.
والجواب الثاني: أن بعض العلماء أنكر هذه اللفظة، وقال: إنها لم تثبت في الحديث; لأنها مناقضة للتوحيد، وما كان كذلك; فلا تصح نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون باطلا.
الجواب الثالث: أنها تصحيف من الرواة، والأصل:(أفلح إن صدق)(3). وكانوا في السابق لا يشكلون الكلمات، و (أبيه) تشبه، (الله) إذا حذفت النقط السفلى.
الجواب الرابع: أنّ هذا كان قبل النّهي، فكان في الأوّل يجوز الحلِف بغير الله، وبعد ذلك نُهي عن الحلِف بغير الله، فقوله:(أفلح وأبيه) وأمثاله يكون منسوخاً بالنّهي عن الحلف بغير الله، وهذا هو الراجح.
والشاهد: أن الحلف بغير الله من اتّخاذ الأنداد لله سبحانه وتعالى، لأنّ النّد معناه: النّظير والشّبيه، فالذي يحلف بغير الله يجعل المحلوف به نِدًّا لله وشبيهاً لله سبحانه وتعالى (4).
(1) سلسلة الأحاديث الصحيحة (1/ 217).
(2)
أخرجه مسلم في كتاب الأيمان، باب الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام، برقم (11) عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه.
(3)
أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب الزكاة من الإسلام
…
برقم (46).
(4)
ينظر: إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (2/ 162)، الجديد في شرح كتاب التوحيد (1/ 363)، القول الرشيد في أهم أنواع التوحيد لسليمان بن ناصر بن عبد الله العلوان (1/ 24)، تيسير العزيز الحميد. ط مكتبة الرياض (1/ 527)، فتح الباري (1/ 107)، مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (2/ 216)، وقال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:" أن هذه - أَفْلح وأبيه إنْ صدَق- رواية شاذة مخالفة للأحاديث الصحيحة لا يجوز أن يتعلق بها وهذا حكم الشاذ عند أهل العلم وهو ما خالف فيه الفرد جماعة الثقات، ويحتمل أن هذا اللفظ تصحيف كما قال ابن عبد البر رحمه الله وأن الأصل أفلح والله فصحفه بعض الكتاب أو الرواة ، ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك قبل النهي عن الحلف بغير الله ، وبكل حال فهي رواية فردة شاذة لا يجوز لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتشبث بها ويخالف الأحاديث الصحيحة الصريحة الدالة على تحريم الحلف بغير الله وأنه من المحرمات الشركية" مجموع فتاوى ابن باز (3/ 143).