الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2 - السحر
(1):
أ- تعريف السحر:
يعرف الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله السحر، بقوله:"السحر في اللغة: عبارة عما خفي ولطف سببه؛ وفي الاصطلاح: السحر: عزائم ورقى"(2).
والسحر في اللغة:
السحر في اللغة يدور حول عدة معانٍ؛ فيطلق على كل ما لطف مأخذه ودق، وقيل أصل السحر صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره، وقيل في معنى قوله تعالى:{فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89)} المؤمنون: 89: فأنى تصرفون (3).
وفي الاصطلاح:
اختلفت تعريفات العلماء للسحر لكثرة أنواعه، وقد أشار الشافعي رحمه الله إلى ذلك بقوله:"والسحر اسم جامع لمعان مختلفة"(4)، كما أوضح هذا الاختلاف الشيخ محمد الأمين الشنقيطي بقوله: " اعلم أن السحر في الاصطلاح لا يمكن حده بحد جامع مانعاً
(1) وجه إدخال السحر في أبواب التوحيد أن كثيراً من أقسامه لا يتأتى إلا بالشرك، والتوسل بالأرواح الشيطانية إلى مقاصد الساحر، فلا يتم للعبد توحيد حتى يدع السحر كله قليله وكثيره. ولهذا قرنه الشارع بالشرك، فالسحر يدخل في الشرك من جهتين: من جهة ما فيه من استخدام الشياطين ومن التعلق بهم، وربما تقرب إليهم بما يحبون ليقوموا بخدمته ومطلوبه. ومن جهة ما فيه من دعوى علم الغيب، ودعوى مشاركة الله في علمه وسلوك الطرق المفضية إلى ذلك، وذلك من شعب الشرك والكفر.
وفيه أيضا من التصرفات المحرمة والأفعال القبيحة كالقتل والتفريق بين المتحابين والصرف والعطف والسعي في تغيير العقول، وهذا من أفظع المحرمات، وذلك من الشرك ووسائله، ولذلك تعين قتل الساحر لشدة مضرته وإفساده.
القول السديد في مقاصد التوحيد (1/ 106)
(2)
ينظر: فتاوى اللجنة (1/ 544، 547).
(3)
ينظر: معجم المقاييس (3/ 138)، لسان العرب (4/ 438)، ترتيب القاموس المحيط على طرقة المصباح المنير وأساس البلاغة للأستاذ الطاهر أحمد الزاوي (2/ 528)، أعلام الحديث للخطابي (ص 1035)، والمفردات في غريب القرآن للأصفهاني (ص 225).
(4)
الأم (1/ 319).
لكثرة الأنواع المختلفة الداخلة تحته، ولا يتحقق قدر مشترك بينها يكون جامعاً لها مانع لغيرها، ومن هنا اختلفت عبارات العلماء في حده اختلافاً متبايناً" (1).
ومن أشهر هذه التعريفات: تعريف ابن قدامة (2)
حين قال: السحر: عزائم ورقى وعقد يؤثر في القلوب والأبدان فيمرض ويقتل، ويفرق بين المرء وزوجته، ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه" (3).
السحر حقيقة أم تخييل:
السحر منه ما يكون له حقيقة وأثر لذا جاء الأمر بالاستعاذة منه كما في قوله تعالى {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4)} الفلق: 4، يعني السواحر (4). ومنه ما يكون تخييل (5) كما في قوله تعالى:{يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66)} طه: 66.
وفي معجم المناوي (6) قال: " السحر: يقال على معان:
الأول: تخيلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعوذة (7).
الثاني: استجلاب معاونة الشيطان بضرب من التقرب إليه.
(1) أضواء البيان (4/ 44).
(2)
هو: الإمام موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي، فقيه من أكابر الحنابلة، وهو عالم مجاهد، قاتل مع صلاح الدين، ولد سنة (541 هـ) وتوفي سنة (620 هـ) له تصانيف منها المغني شرح مختصر الخرقي، والكافي، وروضة الناظر في أصول الفقه، والمقنع.
ينظر: سير أعلام النبلاء (22/ 165)، وشذرات الذهب (7/ 155)، والأعلام (4/ 67).
(3)
الكافي في مذهب الإمام أحمد (4/ 164)، وينظر: السحر بين الحقيقة والخيال، د. أحمد بن ناصر الحمد (ص 13 - 16).
(4)
جامع البيان (30/ 227)، تفسير القرآن العظيم (4/ 574).
(5)
ينظر: تفسير القرآن العظيم (1/ 147)، أضواء البيان (4/ 437).
(6)
هو: العلامة محمد عبد الرؤوف بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري، من كبار العلماء ومن سليل أسرة علمية عريقة، انزوى للبحث والتصنيف، وقد مرض وضعفت أطرافه، فجعل ولده محمد يستملي منه تأليفه، ولد سنة (952)، وتوفي سنة (1031 هـ)، له مصنفات عديدة منها: فيض القدير، وشرح الشمائل للترمذي، التوقيف على مهمات التعاريف.
ينظر: البدر الطالع (1/ 357)، والأعلام (6/ 204)، ومعجم المؤلفين لعمر رضا كحالة (2/ 143)، والمسائل العقدية في فيض القدير للمناوى عرض ونقد للدكتور عبد الرحمن بن عبد الله التركي (ص 66) وما بعدها.
(7)
الشعوذة أو الشعبذة: لَعِبٌ بخقة يرى الإنسان منه الشيء بخلاف ما عليه أصله في رأي العين، أي يرى ما ليس له حقيقة.
ينظر: لسان العرب مادة شعذ (5/ 29)، والمصباح المنير للفيومي (1/ 337).
الثالث: ما يغير الصور والطبائع، كجعل الإنسان حماراً، ولا حقيقة له عند المحصلين" (1).
وفي تفسير الإمام الرازي: لفظ السحر في عرف الشرع، مختص بكل أمر يخفى سببه، ويتخيل على غير حقيقة، ويجري مجرى التمويه والخداع. وإذا أطلق ذم فاعله" (2)
من التعريفات المتداولة عند الأئمة أن السحر عزائم ورقى وعقد، تؤثر في الأبدان والقلوب، فيمرض ويقتل، ويفرق بين المرء وزوجه (3).
ب- أنواع السحر:
هناك أنواع يمكن إلحاقها بالسحر لما بينهما من التشابه.
قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله: " والسحر أنواع مختلفة (4):
1 -
يطلق السحر على الفصاحة وقوة البيان، فإن استعمل ذلك في إظهار الحق وإبطال الباطل فهو مشروع محمود، وإن استعمل في التمويه على الناس وقلب الحقائق فهو ممنوع وقد يبلغ درجة الكفر" (5).
والبيان كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن من البيان لسحراً)(6)، البيان ليس سحراً، فليس فيه استعانة بالشياطين، ولكنه داخل في حقيقة السحر اللغوية؛ لأنه تأثير خفي على
(1) التوقيف على مهمات التعاريف -وهو معجم لغوي مصطلحي- (ص 399)، وينظر: المفردات في غريب القرآن للراغب (ص 224 - 225).
(2)
التفسير الكبير (3/ 205 - 206)، وينظر أعلام الحديث للخطابي (3/ 1976 - 1977).
(3)
ينظر: الكافي لابن قدامة (5/ 331)، تفسير القرطبي (2/ 44)، الدين الخالص لمحمد صديق حسن خان (2/ 318)، فتح المجيد (ص 313)، المسائل العقدية في فيض القدير للمناوي عرض ونقد (ص 336 - 337).
(4)
أنواع السحر كثيرة وخفية، حتى اعتقد كثير من الناس أن من صدرت منه هذه الأمور من الأولياء، وعدّوها من كرامات الأولياء، وليس كل من جرى على يده شيء من خوارق العادة يكون ولياً لله؛ لأن العادة تنخرق بفعل الساحر والمشعوذ وخبر المنجم والكاهن بشيء من الغيب مما يخبره به الشياطين المسترقون للسمع، فأولياء الله هم المتبعون للرسول صلى الله عليه وسلم باطناً وظاهراً، ومن كان بخلاف ذلك فليس بمؤمن فضلاً عن أن يكون ولياً لله تعالى، فلو أن الرجل طار في الهواء أو مشى على الماء لم يغتر به حتى يُنظر متابعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وموافقته لأمره ونهيه.
ينظر: الدر النضيد (1/ 172)
(5)
فتاوى اللجنة (1/ 544 - 547، 563).
(6)
أخرجه البخاري في كتاب الطب باب إن من البيان لسحرا برقم (5767)، ومسلم في كتاب الجمعة باب تخفيف الصلاة والخطبة برقم (869).
القلوب، فإن الرجل البليغ ذا البيان وذا الإيضاح وذا اللسان الجميل الفصيح يؤثر على القلوب حتى يسبيها، وربما قلب الحق باطلا والباطل حقا ببيانه.
"فقد يستعمل السحر مقيداً فيما يمدح ويحمد؛ نحو خبر: (إن من البيان لسحراً).أي أن بعض البيان سحر، لأن بعضه يوضح المشكل، ويكشف عن حقيقة المجمل بحسن بيانه، فيستميل القلوب، كما يستمال بالسحر، وقيل لما كان في البيان من إبداع التركيب، وغرابة التأليف، ما يجذب السامع، ويخرجه إلى حد يكاد يشغله عن غيره، شبه بالسحر الحقيقي"(1).
البيان: البلاغة والفصاحة. وصدق نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم، فإنَّ الرجل يكون عليه الحقُّ وهو ألحنُ بالحجج من صاحب الحق (2)، فيسحرُ القومَ ببيانه فيذهب بالحق. وقال ابنُ عبد البر: تأولته طائفة على الذم؛ لأن السحر مذموم، وذهب أكثر أهل العلم وجماعة أهل الأدب إلى أنه على المدح؛ لأن الله تعالى مدح البيان. وقد قال عمرُ بن عبد العزيز رحمه الله لرجلٍ سأله عن حاجة فأحسن المسألة؛ فأعجبه قوله. قال:"هذا والله السحر الحلال"انتهى (3).
والطائفة التي تأولته على الذم رأت أن المراد به البيان الذي فيه تمويهٌ على السامع وتلبيس، كما قال بعضهم شعراً:
ففي زخرف القول تزيينٌ لباطله
…
والحقُّ قد يعتريه سوءُ تعبير (4)
مأخوذ عن قول الشاعر:
تقول هذا مُجاج (5) النحل تمدحُه
…
وإنْ تشأ قلت ذا قيءُ الزنابير (6)
(1) التفسير الكبير (3/ 205 - 206)، وينظر: أعلام الحديث للخطابي (3/ 1976 - 1977)، المسائل العقدية في فيض القدير للمناوي عرض ونقد (ص 337).
(2)
(فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض)، أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأحكام باب من أقام البينة بعد اليمين برقم (2625).
(3)
فتح المجيد (ص 328 - 329)، معالم السنن للخطابي (4/ 136).
(4)
من كلام أحمد بن شافع الجيلاني (ت 565 هـ) ذكره ابنُ رجب في التاريخ (1/ 313).
(5)
المُجَاجُ بالضم والمُجَاجَةُ أيضا الريق الذي تمجه من فيك يقال المطر مُجَاجُ المزن والعسل مُجَاج النحل.
ينظر: غريب الحديث للخطابي (1/ 188)، مختار الصحاح (1/ 642)، مقاييس اللغة (5/ 215).
(6)
والزنابير: جمع زنبور، وهو كل ذباب أليم اللسع من النحل وغيره.
ينظر: المعجم الوسيط (1/ 402)، تاج العروس من جواهر القاموس (11/ 452)، بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة لعبد المتعال الصعيدي (1/ 248).
مدحاً وذمّاً وما جاوزتَ وصفهما
…
والحقُّ قد يعتريه سوءُ تعبير (1)
وأما البيان الذي يوضح الحق ويقرِّره، ويبطل الباطل ويبيِّنه. فهذا هو الممدوح. وهكذا حال الرسل وأتباعهم؛ ولهذا علت مراتبُهم في الفضائل، وعظمت حسناتهم.
وبالجملة: فالبيان إذا استعمل لتغطية الحق وتحسين الباطل. فإنه مذموم (2).
"2 - ويطلق على النميمة، وهي من كبائر الذنوب إلَاّ إذا نمى خيراً ليصلح بين الناس، ولها واقع وتأثير في نفس من أصغى إليه"(3).
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم ما العَضْهُ؟ هي النميمة: القالة بين الناس)(4)،
وأصل العضه في اللغة (5) يطلق على أشياء ومنها السحر، والنميمة - هي نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد - القالة بين الناس نوع من أنواع السحر، وهي كبيرة من الكبائر ومحرم من المحرمات، ووجه الشبه بين النميمة وبين السحر أن تأثير السحر في التفريق بين المتحابين أو في جمع المتفارقين تأثيره على القلوب خفي، وهذا عمل النمام فإنه يفرق بين الأحباب؛ لأجل كلام يسوقه لهذا وكلام يسوقه لذاك فيفرق بين القلوب، ويجعل العداوة والبغضاء بين قلب هذا وهذا.
وقد دل الحديث على أن النميمة نوع من السحر؛ وذلك لأن النميمة تؤثر ما يؤثر السحر أو أكثر فنتيجتها مثل عمل ونتيجة السحر، وهو تفريق الناس، وتغيير القلوب،
(1) والبيتان لابن الرومي ينظر: الإيضاح في علوم البلاغة (ص 207)، وذكرهما ابن القيم رحمه الله في مفتاح دار السعادة (ص 135).
(2)
ينظر: فتح المجيد (310 - 311).
(3)
فتاوى اللجنة (1/ 544 - 547، 563).
(4)
أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم النميمة رقم الحديث (4722). والعضه بينها الإمام النووي، فقال:" هذه اللفظة رووها على وجهين أحدهما العضة بكسر العين وفتح الضاد المعجمة على وزن العدة والزنة والثاني العضه بفتح العين وإسكان الضاد على وزن الوجه وهذا الثاني هو الأشهر في روايات بلادنا والأشهر في كتب الحديث وكتب غريبة والأول أشهر في كتب اللغة ونقل القاضي أنه رواية أكثر شيوخهم وتقدير الحديث والله اعلم ألا أنبئكم ما العضه الفاحش الغليظ التحريم".
ينظر: شرح النووي على مسلم (16/ 159).
(5)
ينظر: الصحاح للجوهري (7/ 91)، تاج العروس من جواهر القاموس (36/ 443)، تهذيب اللغة (1/ 95)، غريب الحديث لإبراهيم الحربي بالحواشي (3/ 925)، لسان العرب (13/ 515).
وصرف الإنسان عن بعض الأشخاص؛ لكن لم يكفر صاحب النميمة ولم يحكم بقتله، وإنما كفر صاحب السحر وحكم بقتله؛ لأن السحر يقوم على وسائل شركية، والنميمة ليست كذلك (1).
" ذكر ابن عبد البر عن يحيى بن أبي كثير قال: يفسد النمام والكذاب في ساعة ما لا يفسد الساحر في سنة. وقال أبو الخطاب في عيون المسائل: ومن السحر السعي بالنميمة والإفساد بين الناس.
ووجهُه: أنه يقصد الأذى بكلامه وعمله على وجه المكر والحيلة، أشبه السحر، وهذا يعرف بالعرف والعادة أنه يؤثر، وينتج ما يعمله السِّحر أو أكثر فيُعطى حكمُه تسويةً بين المتماثلين أو المتقابلين. لكن يُقال: الساحرُ إنما يكفر لوصف السحر، وهو أمرٌ خاص ودليله خاصّ، وهذا ليس بساحر. وإنما يؤثر عملُه ما يؤثر فيعطى حكمه، إلا فيما اختص به من الكفر وعدم قبول التوبة؛ وقال ابن حزم رحمه الله:اتفقوا على تحريم الغيبة والنميمة في غير النصيحة الواجبة" (2).
"والنميمة على قسمين: تارة تكون على وجه التحريش بين الناس وتفريق قلوب المؤمنين فهذا حرام متفق عليه، فأما إن كانت على وجه الإصلاح بين الناس وائتلاف كلمة المسلمين كما جاء في الحديث: (ليس بالكذاب من ينم خيراً) (3) أو يكون على وجه التخذيل والتفريق بين جموع الكفرة، فهذا أمر مطلوب كما جاء في الحديث: (الحرب خدعة) (4)، وكما فعل نعيم بن مسعود في تفريق كلمة الأحزاب وبني قريظة"(5).
(1) ينظر: الجديد في شرح كتاب التوحيد لمحمد بن عبدالعزيز السليمان القرعاوي (1/ 232).
(2)
فتح المجيد (ص 309)، الملخص في شرح كتاب التوحيد (1/ 210).
(3)
أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (26729). ولهذا الحديث له شاهد عند البخاري ومسلم فقد أخرج البخاري عن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً) أخرجه في كتاب الصلح، باب ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس، برقم (2692)، وأخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والأب، باب تحريم الكذب وبيان المباح منه، برقم (2607).
(4)
أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير باب الحرب خدعة برقم (3028)، ومسلم في كتاب الجهاد والسير باب جواز الخداع في الحرب برقم (1739).
(5)
تفسير ابن كثير (1/ 231)، أضواء البيان للشنقيطي (4/ 46).
"3 - ويطلق السحر أيضاً على التخييل وإيهام الناظر إلى الشيء أنه يتحرك مثلاً مع أنه لا يتحرك، وهذا من الإيهام والتدجيل، وهذا النوع من السحر حرام؛ لما فيه من التمويه والتلبيس واللعب بالعقول، وهذا النوع من أنواع الكفر الأكبر، وهو سحر سحرة فرعون"(1).
أثبتت النصوص القرآنية والحديثية هذا النوع من أنواع السحر، يقول الحق جل وعلا في محكم كتابه:{قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116)} الأعراف: 115 - 116، قال الطبري:" وذكر أن السحرة سحروا عين موسى وأعين الناس قبل أن يلقوا حبالهم وعصيهم، فخيل حينئذ إلى موسى أنها تسعى"(2).
وقد ثبت من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (سُحر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنه ليخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله)(3).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: " قال المازري (4):
- عن إنكار بعض المبتدعة لهذا الحديث - وهذا كله مردود، لأن الدليل قد قام على صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن الله تعالى وعلى عصمته في التبليغ، والمعجزات شاهدات بتصديقه، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل، وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها ولا كانت الرسالة من أجلها فهو في ذلك عرضة لما يعترض البشر كالأمراض، فغير بعيد أن يخيل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين، قال: وقد قال بعض
(1) فتاوى اللجنة (1/ 544 - 547، 563).
(2)
جامع البيان في تأويل القرآن (ص 8/ 433).
(3)
متفق عليه أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الطب باب السحر برقم (5763)، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب السلام باب السحر برقم (2189).
(4)
هو: أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازري المالكي، كان بصيراً بعلم الحديث، له معرفة بالطب، ألف في الفقه والأصول والحديث وغيرها، توفي رحمه الله سنة (536 هـ)، وله تصانيف من أشهرها: المعلم بفوائد مسلم.
ينظر: وفيات الأعيان (4/ 109)، والسير (20/ 104)، وشذرات الذهب (4/ 114).
الناس أن المراد بالحديث أنه كان صلى الله عليه وسلم يخيل إليه أنه وطئ زوجاته ولم يكن وطأهن، وهذا كثير ما يقع تخيله للإنسان في المنام فلا يبعد أن يخيل إليه في اليقظة " (1).
يقول ابن خلدون: "سحر التخيل هو أن يعمد الساحر إلى القوى المتخيلة فيتصرف فيها بنوع من التصرف، ويلقي فيها أنواعا من الخيالات والمحاكاة وصوراً مما يقصده من ذلك، ثم ينزلها إلى الحس من الرائين بقوة نفسه المؤثرة فيه، فينظر الراؤون كأنها في الخارج وليس هناك شيء من ذلك"(2).
قال الشنقيطي رحمه الله: " من أنواع السحر هو التخيلات والأخذ بالعيون ومبنى هذا النوع منه على أن القوة الباصرة قد ترى الشيء على خلاف ما هو عليه في الحقيقة لبعض الأسباب العارضة. ولأجل هذا كانت أغلاط البصر كثيرة .. ولا يخفى أن يكون سحرة فرعون من هذا النوع. فهو تخييل وأخذ بالعيون كما دل عليه قوله تعالى: {قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66)} طه: 66، فإطلاق التخييل في الآية على سحرهم نص صريح في ذلك. وقد دل على ذلك أيضاً قوله في الأعراف: {فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116)} الأعراف: 116، لأن إيقاع السحر على أعين الناس في الآية يدل على أن أعينهم تخيلت غير الحقيقة الواقعة، والعلم عند الله تعالى"(3).
"4 - ويطلق السحر أيضاً على التعوذ بالجن والاستعانة بهم على نفع إنسان أو إصابته بضر من مرض أو تفريق أو بغض أو حب أو فك سحر ونحو ذلك، وحكمه أنه كفر أكبر؛ لما فيه من اللجوء والاستعانة بغير الله والتقرب إلى الجن"(4).
(1) فتح الباري (10/ 227).
(2)
مقدمة ابن خلدون (ص 498) 0، ينظر: بدائع التفسير لابن القيم (5/ 412)، إعجاز القرآن في علاج السحر والحسد ومسّ الشيطان لمحمد محمود عبد الله (ص 85).
(3)
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (4/ 35، 43 - 44).
(4)
فتاوى اللجنة (1/ 544 - 547، 563).
وبين الشيخ رحمه الله عند قوله تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6)} الجن: 6: " بأن المعنى أنه كان رجال من الإنس يستجيرون بالجن إذا نزلوا وادياً مخيفاً فيقولون: نعوذ بسيد هذا الحي من سفهاء قومه، فزاد الإنس الجن طغياناً وكبراً، أو زاد الجن الإنس ذعراً وخوفاً ليستمروا على الاستعاذة بهم، وهذا من الشرك الذي لا يغفره الله تعالى"(1).
قال تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6)} الجن: 6
قال مقاتل: كان أول من تعوذ بالجن قوم من أهل اليمن ثم من بني حنيفة ثم فشا ذلك في العرب فلما جاء الإسلام عاذوا بالله وتركوهم، ومعنى الآية أي كان الإنس يعوذون بالجن عند المخاوف والأفزاع ويعبدونهم فزاد الإنس الجن رهقا أي طغيانا وتكبرا لما رأوا الإنس يعبدونهم ويستعيذون بهم ويحتمل أن الضمير وهو (الواو) يرجع إلى الجن أي زاد الجن الإنس رهقا؛ وقوله {فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6)} ، اختلف أهل التأويل في معنى ذلك فقال بعضهم معنى: ذلك أي خوفا وإرهاباً وذعراً حتى بقوا أشد منهم مخافة وأكثر تعوذا بهم وقيل: ازدادت الجن عليهم بذلك جرأة، وقال ابن عباس في قوله تعالى:{وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ} ،قال: كان رجال من الإنس يبيت أحدهم بالوادي في الجاهلية فيقول أعوذ بعزيز هذا الوادي فزادهم ذلك إثما؛ وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال معنى ذلك فزاد الإنس الجن بفعلهم ذلك إثما وذلك زادوهم به استحلالا لمحارم الله، وعن كردم بن أبي السائب الأنصاري (2)،
قال: خرجت مع أبي من المدينة في حاجة وذلك أول ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فآوانا المبيت إلى راعي غنم فلما انتصف الليل جاء ذئب فأخذ حملا من الغنم فوثب الراعي فقال: يا عامر الوادي جارك
(1) تفسير الجلالين (ص 220)، وينظر: فتاوى اللجنة (1/ 255).
(2)
هو: كردم بن قيس بن أبي السائب بن عمران بن ثعلبة، يقال إن له صحبة وقيل إنه من التابعين، يروى المراسيل روى عنه عبد الرحمن ابن إسحاق عن أبيه عنه.
ينظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني (5/ 577) رقم الترجمة (7394)، والثقات لابن حبان (3/ 355)، (5/ 341).
فنادى مناد لا نراه يقول يا سرحان أرسله فأتى الحمل يشتد حتى دخل في الغنم لم تصبه كدمة وأنزل الله تعالى على رسوله بمكة {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6)} الجن: 6 (1)، ثم قال وقد يكون هذا الذئب الذي أخذ الحمل وهو ولد الشاة كان جنيا حتى يرهب الإنسي ويخاف منه ثم رده عليه لما استجار به ليضله ويهينه ويخرجه عن دينه والله تعالى أعلم.
وقال سعيد بن جبير: ولا خفاء أن الاستعاذة بالجن دون الاستعاذة بالله كفر وشرك (2).
سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله عن حكم استخدام الجن من المسلمين في العلاج إذا لزم الأمر؟ فأجاب رحمه الله بقوله: " لا ينبغي للمريض استخدام الجن في العلاج ولا يسألهم، بل يسأل الأطباء المعروفين، وأما اللجوء إلى الجن فلا .. لأنه وسيلة إلى عبادتهم وتصديقهم، لأن في الجن من هو كافر ومن هو مسلم ومن هو مبتدع، ولا تعرف أحوالهم فلا ينبغي الاعتماد عليهم ولا يسألون، ولو تمثلوا لك، بل عليك أن تسأل أهل العلم والطب من الإنس وقد ذم الله المشركين بقوله تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6)} الجن: 6، ولأنه وسيلة للاعتقاد فيهم والشرك، وهو وسيلة لطلب النفع منهم والاستعانة بهم، وذلك كله من الشرك"(3).
قد تؤدي الاستعانة بالجن إلى حصول خلل في العقيدة؛ فترى المستعين يلجأ إليهم ويتعلق بهم تعلقا يبعده عن الخالق سبحانه وتعالى؛ يتمادى الأمر بالمستعين إلى طلب أثر وغيره؛ وينزلق في هوة عميقة تؤدي إلى خلل في العقيدة، وانحراف في المنهج والسلوك، مما يترتب عن ذلك غضب الله وعقوبته (4)؛ وإن صحة العقيدة وسلامة المنهج أهم من صحة الأبدان وسلامتها.
(1) ينظر: أخرجه الطبراني في المعجم الكبير برقم (15762)، والعقيلي في الضعفاء الكبير باب إسحاق، حديث رقم (173)، وقال عنه الهيتمي في مجمع الزوائد (7/ 37): فيه عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي وهو ضعيف.
(2)
ينظر لما سبق: تفسير الطبري (29/ 108 - 109)، وتفسير السعدي (1/ 89)، وتفسير ابن كثير (4/ 429)، وتفسير القرطبي (19/ 10).
(3)
مجلة الدعوة - العدد 1602 ربيع الأول 1418 هـ (ص 34)، ينظر: السحر والشعوذة للشيخ صالح الفوزان (ص 86 - 87).
(4)
ينظر: القول المعين في مرتكزات معالجي الصرع والسحر والعين (ص 126)، وكتب عقيدة أهل السنة والجماعة بشكل عام.
سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله ما حكم خدمة الجن للإنس؟ فأجاب بقوله: " ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في المجلد الحادي عشر من مجموع الفتاوى ما مقتضاه أن استخدام الإنس للجن له ثلاث حالات:
1 -
أن يستخدمه في طاعة الله كأن يكون نائبا عنه في تبليغ الشرع، فمثلاً إذا كان له صاحب من الجن مؤمن يأخذ عنه العلم فيستخدمه في تبليغ الشرع لنظرائه من الجن، أوفي المعونة على أمور مطلوبة شرعا فإنه يكون أمراً محموداً أو مطلوباً وهو من الدعوة إلى الله عز وجل.
والجن حضروا للنبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ عليهم القرآن وولوا إلى قومهم منذرين، والجن فيهم الصلحاء والعباد والزهاد والعلماء لأن المنذر لا بد أن يكون عالماً بما ينذر عابدا.
2 -
أن يستخدمهم في أمور مباحة فهذا جائز بشرط أن تكون الوسيلة مباحة فإن كانت محرمة فهو محرم مثل أن لا يخدمه الجني إلا أن يشرك بالله كأن يذبح للجني أو يركع له أو يسجد ونحو ذلك.
3 -
أن يستخدمهم في أمور محرمة كنهب أموال الناس وترويعهم وما أشبه ذلك، فهذا محرم لما فيه من العدوان والظلم. ثم إن كانت الوسيلة محرمة أو شركاً كان أعظم وأشد" (1).
وما ذكره الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله من أنواع السحر- السابق ذكرها- وأن السحر قد يأتي في النصوص، ولا يراد منه السحر الذي يكون بالشرك بالله -جل وعلا-؛ فإن اسم السحر عام في اللغة، يدخل فيه ذلك الاسم الخاص الذي فيه استعانة بالشياطين وتقرب إلى الشياطين وعبادة الشياطين لتخدم الساحر، وقد يكون بأسماء أخرى يطلق عليها الشارع أنها سحر، وليست كالسحر الأول في الحقيقة، ولا في الحكم.
لأن من أنواع السحر، ما هو شرك أكبر بالله -جل وعلا- وهو المراد إذا أطلق: السحر، وهذه هي الحقيقة العرفية، ومنه ما ليس شركاً أكبر.
(1) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين رحمه الله (1/ 290) سؤال رقم (113).
وفي ألفاظ الشرع أمور يكون المرجع فيها إلى الحقيقة اللغوية، وأمور يكون المرجع فيها إلى الحقيقة العرفية، وأمور يكون المرجع فيها إلى الحقيقة الشرعية، ومن ذلك هذا الباب فإن فيه ما يطلق عليه لغة أنه سحر، وفيه ما يطلق عليه عرفا أنه سحر، وما يطلق عليه شرعا أنه سحر. والتفريق بين هذه الأنواع مهم (1).
ج- حكم من يذهب إلى الساحر أو الكاهن (2) ونحوهما:
يبين الشيخ رحمه الله: " أن من يذهب إلى من يفعل ذلك من الكهان ويصدّقه فهو كافر، قال تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} البقرة: 102، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) (3)، ولقوله صلى الله عليه وسلم: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) (4)، والعراف يعم الكاهن والمنجم والساحر، ولا تأثير لهذا النوع إلا بإذن الله الكوني القدري؛ لقوله تعالى: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} البقرة: 102 "(5).
قد تظاهرت الأدلة على حرمة الذهاب للسحرة ومن في حكمهم وتصديقهم بما يخبرون، وقد ذكر طرفاً من هذه الأدلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي في كلامه السابق، ومنها
(1) ينظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (9/ 528)، التمهيد لشرح كتاب التوحيد دروس ألقاها صالح بن عبد العزيز آل الشيخ (1/ 433)، الترتيب الفريد من شروحات كتاب التوحيد رتبه وأعده أبو توحيد لقمان حسن أمين (29/ 6) المكتبة الشاملة.
(2)
الكاهن: هو الذي يأخذ عن مسترق السمع.
ينظر: لسان العرب (13/ 362)، التعريفات للجرجاني (ص 235)، تاج العروس (36/ 82).
(3)
أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (9252)، وصححه الألباني في السلسلة الصحية برقم (3387)(13/ 190).
(4)
أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكاهن برقم (4141).
(5)
فتاوى اللجنة (1/ 544 - 547، 563).
ما رواه مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام، وإن منا رجالاً يأتون الكهان. قال:(فلا تأتهم) الحديث (1).
" قوله صلى الله عليه وسلم: (من أتى عرّافاً) ظاهر الحديث: أن الوعيد مُرتبٌ على مجيئه وسؤاله، سواء صدقه أو شك في خبره، فإن في بعض روايات الصحيح:(من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة)، وقوله:(لم تُقبل له صلاة) إذا كان هذا حال السائل، فكيف بالمسؤول؟ قال النووي (2) وغيره: معناه: أنه لا ثواب له فيها، وإن كانت مُجزئةً بسقوط الفرض عنه، ولا بد من هذا التأويل في هذا الحديث، فإن العلماء متفقون على أنه لا يلزم من أتى العرَّاف إعادة صلاة أربعين ليلة.
أما قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (فقد كفر بما أنزل على محمد) صلى الله عليه وسلم.
قال القرطبي: المراد بالمنزل: الكتاب والسنة.
وهل الكفر في هذا الموضع كفر دون كفر، فلا ينقل عن الملة، أم يُتوقف فيه، فلا يقال: يخرج عن الملة ولا ما يخرج؟ وهذا أشهر الروايتين عن أحمد رحمه الله.
وهذا الحديث: (من أتى كاهناً أو ساحراً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد) صلى الله عليه وسلم.
فيه دليل على كفر الكاهن والساحر؛ لأنهما يدعيان علم الغيب وذلك كفر، والمصدق لهما يعتقد ذلك ويرضى به، وذلك كفر أيضاً" (3).
ومن خلال الأحاديث السابقة الدالة على حرمة الذهاب للسحرة ومن في حكمهم وسؤالهم وتصديقهم يتبين التفصيل في ذلك:
1 -
أن من سأل الساحر ومن في حكمه فصدقه فقد كفر.
(1) أخرجه مسلم في كتاب المسجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحة، برقم (537).
(2)
شرح صحيح مسلم (14/ 446) شرح حديث رقم (5782).
(3)
فتح المجيد (313 - 315)، ينظر: التبيان شرح نواقض الإسلام لسليمان ناصر بن عبد الله العلوان (ص 38)، التوحيد وقرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين لعبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب (ص 264)، تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد (2/ 24).
2 -
أن من سأله ولم يصدقه لا تقبل له صلاة أربعين ليلة.
3 -
أن من سأله محتسباً عليه؛ ليمتحن حاله، ويختبره، ويفضحه، ويبين زيفه، ويميز صدقه من كذبه فهذا جائز؛ كما جاء في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر انطلق مع النبي صلى الله عليه وسلم في رهط قِبَل ابن صياد، حتى وجدوه يلعب مع الصبيان عند أُطُم بني مغالة (1) وقد قارب ابن صياد الحلمَ، فلم يشعر حتى ضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيده ثم قال لابن صياد:(أتشهد أني رسول الله)، فنظر إليه ابن صياد فقال: أشهد أنك رسول الأميين، فقال ابن صياد للنبي صلى الله عليه وسلم: أتشهد أني رسول الله؟ فرفضه (2) وقال: (آمنت بالله وبرسوله)، فقال له:(ماذا ترى)، قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:(خُلِّط عليك الأمر)، ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم:(إني قد خبأت لك خبيئاً)، فقال ابن صياد: هو الدخُّ، فقال:(أخسأ؛ فلن تعدو قدرك)، فقال عمر رضي الله عنه: دعني يا رسول الله أضرب عُنُقه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:(إن يكنه فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله)(3).
د _ حكم الله في الساحر:
يبين الشيخ رحمه الله حكم الله في الساحر، فيقول: "إذا أتى الساحر في سحره بمكفر قتل لردته حداً، وإن ثبت أنه قتل بسحره نفساً معصومة قتل قصاصاً، وإن لم يأت في سحره بمكفر ولم يقتل نفساً ففي قتله بسحره خلاف، والصحيح: أنه يقتل حداً لردته - وهذا هو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد رحمهم الله لكفره بسحره مطلقاً لدلالة الآية: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} البقرة: 102، على كفر الساحر مطلقاً، ولما ثبت عن بجالة بن عبدة أنه قال: (كتب عمر بن الخطاب سدد خطاكم أن اقتلوا كل ساحر
(1) الأطم: الحصن، ومغالة: بطن من الأنصار.
ينظر: فتح الباري (3/ 262).
(2)
فرفضه: أي تركه، ترك سؤاله ثم شرع في سؤاله عما يرى، وفي رواية (فرصَّه): أي ضغطه وضم بعضه إلى بعض.
ينظر: فتح الباري (3/ 262)، عون المعبود (9/ 1440).
(3)
أخرجه البخاري كتاب الجهاد والسير، باب كيف يعرض الإسلام على صبي، برقم (3055)، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر ابن الصياد، برقم (2930).
وساحرة. فقتلنا ثلاث سواحر) (1)، ولما صح عن حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها (أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت)(2)،
ولما ثبت عن جندب أنه قال: (حد الساحر ضربة بالسيف)(3) " (4).
للعلماء رحمهم الله كلام يطول في حد الساحر، وخلاصته ما يلي:
1 -
حالات القتل:
أ- يقتل عند القائلين بكفره باعتباره مرتداً، وكذلك عند من عدوا الساحر كافراً مطلقاً.
ذهب أكثر العلماء كالإمام أحمد ومالك وأبي حنيفة إلى أن الساحر كافر، أما إن كان سحره بأدوية وتدخين وسقي شيء لا يضر، فلا يكفر (5)،
كما قاله
(1) أخرجه البخاري مختصراً برقم (3156) في فرض الخمس، باب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب، ولم يذكر قتل السحرة. وأخرجه ابن منصور في سننه كتاب الطلاق باب جامع الطلاق برقم (2180)، والدارقطني في سننه كتاب زكاة الفطر باب في جزية المجوس وما روي في أحكامها برقم (9972)، وابن حزم في المحلى بالآثار كتاب السرقة برقم (1835).
(2)
أخرجه مالك في الموطأ في كتاب العقول، باب: ما جاء في الغيلة والسحر، حديث رقم (1624)، أخرجه البيهقي السنن الكبرى (8/ 136) كتاب القسامة، باب تكفير الساحر وقتله إن كان ما يسحر به كلام كفر صريح.
كما صححه الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله بقوله: "وصح عن حفصة"، ينظر: فتح المجيد (ص 242)، وتيسير العزيز الحميد (393).
(3)
الترمذي في كتاب الحدود باب ما جاء في حد الساحر برقم (1460)، والحاكم في كتاب الحدود (4/ 360)، والبيهقي في السنن كتاب القسامة باب تكفير الساحر وقتله إن كان ما يسحر به كلام كفر صريح (8/ 136)، والدارقطني في كتاب الحدود والديات وغيرها (3/ 114).
(4)
فتاوى اللجنة (1/ 551 - 552).
(5)
فإن من الصعوبة بمكان إطلاق حكمٍ عامٍ على جميع أنواع السحر، وقد قال القرافي رحمه الله:"وللسحر فصول كثيرة في كتبهم يقطع من قِبَل الشرع بأنها ليست معاصي ولا كفراً، كما أن لهم ما يُقطع بأنه كفرٌ؛ فيجب حينئذٍ التفصيل، كما قال الشافعي رضي الله عنه: أمَّا الإطلاق بأن كل ما يُسمَّى سحراً كفرٌ؛ فصعب جداً "، وقال الإمام النووي رحمه الله:" قد يكون السحر كفراً، وقد لا يكون كفراً بل معصية كبيرة؛ فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر؛ كفر وإلا فلا، وأما تعلمه وتعليمه فحرامٌ؛ فإن تضمن ما يقتضي الكفر؛ كفر، وإلا فلا، وإذا لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عُزِّر واستُتِيب ".
ينظر: الفروق للقرافي (4/ 141)، وشرح النووي على مسلم (14/ 176).
بعض أصحاب الإمام أحمد، وقد سمى الله السحر كفراً في قوله:{إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} البقرة: 102، وقوله:{وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} البقرة: 102، قال ابن عباس في قوله:{إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} وذلك أنهما علما الخير والشر والكفر والإيمان، فعرفا أن السحر من الكفر (1).
وقال تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} النساء: 51، قال عمر رضي الله عنه: الجبت السحر (2). فيدل ذلك على أن السحر كفر (3).والله أعلم.
وأكثر العلماء على أن الساحر - الذي يعد في العرف ساحراً- يجب قتله، وقد ثبت قتله عن عمر بن الخطاب وعثمان وحفصة وابن عمر وجندب بن عبد الله رضي الله عنهم، قال بعض العلماء: لأجل الكفر، وقال بعضهم: لأجل الفساد في الأرض، لكن جمهور هؤلاء يرون قتله حداً (4).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره. القسم الأول (ص 309) برقم (1017) وذكره السيوطي في الدر المنثور (1/ 100)، وابن كثير في تفسيره (1/ 192).
(2)
أخرجه الطبري في تفسيره (8/ 462) وينظر: تفسير البغوي (2/ 234)، تفسير القرطبي (5/ 248) قال الحافظ ابن حجر: إسناده قوي. الفتح (8/ 252). وكذا قال ابن عباس وأبو العالية ومجاهد والشعبي وابن جبير وغيرهم، كما أخرجه عنهم الطبري في تفسيره وغيره.
(3)
فتح المجيد (2/ 465 - 466)، وينظر: مجموع الفتاوى (29/ 384 - 385)، (28/ 346)، فتح الباري (10/ 225)، وفي مذهب الإمام أحمد: المغني (12/ 299 - 302)، الكافي (5/ 333)، المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف (27/ 181) وما بعدها، الممتع في شرح المقنع للتنوخي (5/ 14)، وفي مذهب الإمام أبي حنيفة حاشية ابن عابدين (3/ 295).
(4)
مجموع فتاوى ابن تيمية (28/ 346)، (29/ 384)، وينظر: شرح النووي (2/ 176)، والمغني (8/ 151، 152)، وفتح الباري (10/ 224، 225)، وتيسير العزيز الحميد (ص 384)، المسائل العقدية في فيض القدير (ص 343).
ب- إذا قَتَل بسحره إنساناً قُتل حداً عند الإمام أبي حنيفة ومالك وأحمد؛ ويشترط أبو حنيفة أن يتكرر منه ذلك، أو يُقِر به في حق شخص مُعين، أو يشهد عليه شاهدان؛ ويقتل قصاصاً عند الإمام الشافعي (1).
2 -
حالات عدم القتل:
أ- ذهب الإمام الشافعي رحمه الله إلى عدم قتل الساحر الذي لم يشتمل سحره على اعتقاد كون الكواكب مدبرة، أو كون الساحر قادراً على خلق الأجسام، أو أن فعله مباح (2).
ويقول القرطبي رحمه الله معلقاً على كلام الشافعي: " وهذا صحيح، دماء المسلمين محظورة لا تستباح إلا بيقين، ولا يقين مع الاختلاف"(3).
ب- ذهب بعض الأحناف إلى عدم قتل المشعوذ، وصاحب الطلسم (4) إذ لا يعدون فاعله ساحراً (5).
وعند التحقيق فإنه ليس بين القولين اختلاف؛ فإن من لم يُكَفَّر؛ لظنه أنه يتأتَّى بدون الشرك، وليس كذلك، بل لا يتأتَّى السحر الذي من قبل الشياطين إلا بالشرك وعبادة الشياطين والكواكب
…
وأما سحر الأدوية والتدخين ونحوه فليس بسحر وإن سمي سحراً، فعلى سبيل المجاز كتسمية القول البليغ والنميمة سحراً؛ ولكنه يكون حراماً لمضرته ويعزر من يفعله تعزيراً بليغاً (6).
(1) ينظر: أحكام القرآن للجصاص (1/ 63)، وشرح النووي على مسلم (14/ 176)، والسحر بين الحقيقة والخيال (ص 166).
(2)
ينظر: أحكام القرآن للجصاص (1/ 63)، والتفسير الكبير للرازي (3/ 213 - 216).
(3)
أحكام القرآن (2/ 48).
(4)
الطلسم: وهو لفظ يوناني، وهو في علم السحر خطوط وأعداد ونقش أسماء خاصة يزعم كاتبها أنه يربط بها روحانيات الكواكب العلوية بالطبائع السفلية، لجلب محبوب أو دفع أذى.
ينظر: المعجم الوسيط مادة طلسم (2/ 568)، والفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (5/ 101).
(5)
ينظر: حاشية ابن عابدين (4/ 240).
(6)
ينظر: شرح منتهى الإرادات للبهوتي (3/ 394 - 395)، وتيسير العزيز الحميد (ص 384).
والحاصل أن الأولى قتل الساحر؛ لعمل جمع من مشاهير الصحابة، وعمل الناس به في خلافة عمر من غير نكير، والله أعلم (1).
قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله: " السحرة يجب قتلهم، سواء قلنا بكفرهم أم لا، لعظم ضررهم وفضاعة أمرهم، فالقول بقتل السحرة موافق للقواعد، لأنهم يسعون في الأرض فساداً وفسادهم من أعظم الفساد"(2). أ. هـ.
هـ - حكم حل السحر بسحر مثله:
يبين الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله حكم حل السحر بسحر مثله، فيقول: " لا يجوز الذهاب إلى الساحر من أجل أن يحل السحر الذي يجده بسحر مثله؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن له، أو سحر أو سحر له)(3)، ولحديث جابر {قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النشرة فقال: (هي من عمل الشيطان)(4)،
والنشرة:
(1) ينظر: فتح المجيد (2/ 474)، المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف (27/ 185 - 187)، والمغني (12/ 302 - 303) الكافي (5/ 332 - 333)، الإقناع (4/ 300)، الممتع شرح المقنع (5/ 792 - 793)، التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقيح للشوكاني (3/ 1242)، منتهى الإرادات مع حاشية النجدي (5/ 174)، الدين الخالص (2/ 322 - 323)، شرح الطحاوية (ص 764)، المسائل العقدية في فيض القدير (ص 344).
(2)
المجموع الثمين (2/ 133).
(3)
أخرجه الطبراني عن عمران بن حصين في المعجم الكبير برقم (14770)، قال: المناوي: إسناده جيد، وأخرجه البزار في البحر الزاخر بمسند البزار برقم (3048). قال الألباني رحمه الله، السلسلة الصحيحة (6/ 310):" أخرجه البزار وقال: " قد روي بعضه من غير وجه، فأما بتمامه ولفظه فلا نعلمه إلا عن عمران بهذا الطريق، وأبو حمزة بصري لا بأس به ". وقال المنذري (4/ 52):" رواه البزار بإسناد جيد، ورواه الطبراني من حديث ابن عباس دون قوله: " ومن أتى
…
" إلخ، بإسناد حسن ". كذا قال، وهو مردود بضعف زمعة، إلا أن يعني أنه حسن لغيره، فنعم. وقال الهيثمي:" رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح خلا إسحاق بن الربيع، وهو ثقة". قلت: نعم، ولكن الحسن - وهو البصري - مدلس وقد عنعنه، فهو جيد بحديث الترجمة، وأما قوله: " ومن أتى
…
"، فله شواهد كثيرة، وبعض أسانيدها صحيح، وهي مخرجة في " الإرواء " (2066)، ومع ذلك فقد ضعفه الجاني على السنة في تعليقه على " إغاثة اللهفان " (1/ 359) متجاهلا إسناده الصحيح".
(4)
أخرجه الإمام أحمد برقم (13721)، وأبو داود في كتاب الطب باب في النشرة برقم (3868)، والبيهقي في كتاب الضحايا باب النشرة (9/ 351). وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (3/ 393 - 394) ..
هي حل السحر عن المسحور بالسحر؛ وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتداوي، ونهى عن التداوي بالمحرم، فقال صلى الله عليه وسلم:(تداووا، ولا تداووا بحرام، فإن الله ما أنزل داء إلَاّ أنزل له دواء)(1)، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:(إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها)(2)، فيوجد من الأدعية والأدوية المشروعة ما فيه كفاية لإزالة هذا الداء، فعلى المسلم أن يعالج نفسه بما شرع الله من قراءة القرآن والأذكار النبوية الواردة في الرقية، والأدعية وطلب الشفاء من الله والأدوية الجائزة، قال تعالى {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)} الطلاق: 2 - 3 " (3).
النشرة: هي ضرب من العلاج والرقية، يعالج به من كان يظن أن به مساً من الجن (4).
قال ابن الجوزي (5): النشرة: حل السحر عن المسحور، ولا يكاد يقدر عليه إلا من يعرف السحر (6).
وقال ابن القيم: النشرة: حل السحر عن المسحور، وهي نوعان:
(1) أخرجه أبو داود في كتاب الطب باب في الأدوية المكروهة برقم (3874)، والبيهقي في كتاب الضحايا باب النهي عن التداوي بما يكون حراما في غير حال الضرورة (9/ 343)، (10/ 5)، وضعفه الألباني في ضعيف غاية المرام برقم (66)، المشكاة برقم (4538)، ضعيف الجامع الصغير برقم (1569).
(2)
أخرجه البخاري معلقاً عن ابن مسعود في كتاب الأشربة باب شراب الحلواء والعسل، وأخرجه البيهقي في السنن (10/ 5)، والطحاوي في معاني الآثار (1/ 108)، والحاكم في المستدرك (4/ 218)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (4/ 233)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/ 86): رجاله رجال الصحيح خلا حسان بن مخارق، وقد وثقه ابن حبان. وصححه الألباني بشواهده في السلسلة الصحيحة (4/ 174).
(3)
ينظر: فتاوى اللجنة (1/ 556 - 568).
(4)
ينظر: تيسير العزيز الحميد (ص 364).
(5)
هو الإمام العلامة الحافظ المفسر، عالم العراق وواعظ الآفاق، صاحب التصانيف السائرة في فنون العلم: أبو الفرج عبدالرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله، ينتهي نسبه إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أكثر من التصنيف في أنواع العلوم من التفسير والحديث والفقه والزهد والوعظ والتاريخ وغيرها، توفي رحمه الله سنة 597 هـ، ومن مصنفاته: كشف المشكل من حديث الصحيحين، وزاد المسير في علم التفسير، وتلبيس إبليس.
ينظر: وفيات الأعيان (3/ 116)، وتذكرة الحفاظ (4/ 1342)، وشذرات الذهب (4/ 329).
(6)
غريب الحديث (2/ 408).
أحدهما: حله بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان؛ يتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب.
والثاني: النشرة بالرقية، والتعوذات، والأدوية، والدعوات المباحة فهذا جائز (1).
قال الإمام أحمد وقد سئل عن النشرة: " ابن مسعود يكره هذا كله"(2)، وفيه دليل على كراهية الإمام أحمد لها.
والنشرة قسمان: محرمة، وجائزة.
فالمحرمة هي التي عناها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (هي من عمل الشيطان)(3)، وهي حل السحر بسحر مثله، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور.
وأما الجائز فهي التي تكون بالرقية الشرعية، والتعوذات والأدوية المباحة، وهي التي عناها ابن المسيب (4)(5).
(1) ذكر هذا القول عن ابن القيم، الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد، ينظر: فتح المجيد (2/ 502)، وصديق حسن خان في الدين الخالص (2/ 341)، والمسائل العقدية في فيض القدير للمناوي عرض ونقد (ص 340 - 341).
(2)
الآداب الشرعية لابن مفلح (3/ 63)، والبصير بأقوال الإمام أحمد يعلم أنه يطلق لفظ الكراهة ويريد بها التحريم مع الأخذ بالقرائن، ينظر: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (ص 138)، إعلام الموقعين (1/ 39 - 40)، أصول مذهب الإمام أحمد للدكتور عبد الله التركي (ص 797) وما بعدها، مصطلحات الفقه الحنبلي للثقفي (1/ 21)، المسائل العقدية في فيض القدير للمناوي عرض ونقد (ص 340).
(3)
أخرجه الإمام أحمد برقم (13721)، وأبو داود في كتاب الطب باب في النشرة برقم (3868)، والبيهقي في كتاب الضحايا باب النشرة (9/ 351). وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (3/ 393 - 394).
(4)
هو: أبو محمد سعيد بن المسيب بن حزن القرشي المخزومي، الإمام العلم، عالم أهل المدينة وسيد التابعين في زمانه، سمع من بعض الصحابة، كان صالحاً زاهداً عابداً، توفي سنة (94 هـ).
ينظر: حلية الأولياء (2/ 161 - 175)، وفيات الأعيان (2/ 375 - 378)، سير أعلام النبلاء (4/ 216 - 246)، البداية والنهاية (9/ 99 - 101).
(5)
جاء في صحيح البخاري عن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب: رجل به طب- أي سحر- أو يؤخَّذ -أي يحبس عن جماع امرأته- عن امرأته أوَ يُحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون الإصلاح؛ فأما ما ينفع فلم يُنْهَ عنه.
ينظر: صحيح البخاري كتاب الطب باب هل يستخرج السحر؟ معلق، قبل حديث رقم (5765)، (4/ 1840).
وكلام ابن المسيب يحمل على النشرة بالقرآن والذكر.
ينظر: شرح منتهى الإرادات (3/ 395)، وفتح الباري (10/ 233)، وتيسير العزيز الحميد (ص 419).
يقول سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله: " قال بعض الحنابلة يجوز الحل بسحرٍ ضرورة، والقول الآخر أنه لا يحل، وهذا الثاني هو الصحيح
…
وكلام الأصحاب هنا بين أنه حرام ولا يجوز إلا لضرورة فقط، ولكن هذا يحتاج إلى دليل، ولا دليل إلا كلام ابن المسيب.
ومَعَنا حديث جابر في ذلك، وقول ابن مسعود، وقول الحسن لا يحلُّ السحر إلا ساحر، وهو لا يتوصل إلى حلِّه إلا بسحر، والسحر حرام وكفر، أفيفعل الكفر لتحيا نفوس مريضة أو مصابة؟ مع أن الغالب في المسحور أنه يموت أو يختل عقله، فالرسول صلى الله عليه وسلم منع وسدَّ الباب، ولم يفصل في عمل الشيطان ولا في المسحور" (1).
"والحاصل: أن ما كان منه بالسحر فيحرم، وما كان بالقرآن والدعوات والأدوية المباحة فجائز، والله أعلم"(2).
و_ حكم تعلم السحر:
قال الشيخ رحمه الله: " يحرم تعلم السحر سواء للعمل به أو ليتقيه، وقد نص الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم على أن تعلمه كفر، قال تعالى:{يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} البقرة: 102، وقد نص النبي صلى الله عليه وسلم على أن السحر أحد الكبائر وأمر باجتنابه فقال:(اجتنبوا السبع الموبقات)(3) فذكر منها السحر. وفي السنن عند النسائي: (من عقد عقدة ونفث فيها فقد سحر ومن سحر فقد أشرك)(4)؛ وأما قول من
(1) فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم (1/ 165).
(2)
فتح المجيد (ص 364)، وينظر: معارج القبول (1/ 430 - 431).
(3)
أخرجه البخاري كتاب الوصايا، باب قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} برقم (2767)، ومسلم كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها برقم (89).
(4)
أخرجه النسائي في كتاب المحاربة برقم (3528)، وضعفه الألباني في صحيح وضعيف سنن النسائي (9/ 151)، وفي غالية المرام (ص 175)، وفي ضعيف الجامع الصغير للألباني (1/ 822).
قال: (تعلموا السحر ولا تعملوا به) فليس بحديث لا صحيح ولا ضعيف " (1).
والذي عليه أكثر أئمة أهل السنة أن تعلم السحر لأي غرض؛ لا يجوز؛ فقوله تعالى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} البقرة: 102،فيه دليل على أن تعلم السحر كفر، وظاهره عدم الفرق بين تعلم السحر ليكون ساحراً، وتعلمه ليقدر على دفعه، وبه قال أحمد (2).
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من تعلم شيئاً من السحر قليلاً كان أو كثيراً كان آخر عهده من الله)(3).
ومن ثم أفتى بعض العلماء بكفر متعلم السحر كما نص عليه أصحاب الإمام أحمد، قال ابن قدامة رحمه الله: إن تعلم السحر، وتعليمه حرام، لا نعلم فيه خلافاً بين أهل العلم، قال أصحابنا: ويكفر الساحر بتعليمه وتعلمه، سواء اعتقد تحريمه، أو إباحته (4).
وقال النووي: الصحيح الذي قطع به الجمهور أن تعلم السحر وتعليمه حرم (5).
وبين أن الله ذم الشياطين في تعليمهم الناس السحر، ولأن تعليمه يدعو إلى فعله، وفعله محرم، فحرم ما يدعو إليه (6).
وبناءً على ذلك فإنه لا يجوز تعلم السحر؛ لأنه لا يخرج عن كونه مبنياً على الشرك، أو الكذب، أو الخداع والغش، ونحو ذلك مما هو ضار بالفرد والجماعة، قال تعالى: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ
(1) فتاوى اللجنة (1/ 549 - 550).
(2)
ينظر: تيسير العزيز الحميد (ص 383)، وفتح المجيد (ص 315)، والدين الخالص لصديق حسن خان (2/ 326)، السحر بين الحقيقة والخيال (ص 151 - 155).
(3)
أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (10/ 184) برقم (18753) عن صفوان بن سليم، وهو مرسل -والمرسل ضعيف-. وينظر: المحلى لابن حزم (11/ 479)، الدر المنثور (1/ 103)، وروي موصولاً عن علي كما عند ابن عدي في الكنز برقم (17653).
(4)
المغني (12/ 300). وينظر: الكافي (5/ 333) المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف (27/ 133 - 149)، الإقناع لطالب الانتفاع للحجاوي (4/ 299)، المسائل العقدية في فيض القدير للمناوي عرض ونقد (ص 340).
(5)
روضة الطالبين (9/ 346).
(6)
المجموع (18/ 22 - 23).