الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الأول
معنى الإيمان بالملائكة وما يتضمنه:
يقرر الشيخ رحمه الله الإيمان بالملائكة عند حديثه عن علم التوحيد، قال:" وعلم التوحيد يبحث عما يجب لله من صفات الجلال والكمال، وعما يجب للرسل والأنبياء، وما يستحيل عليهم، وما يجوز في حقهم، وما يتصل بذلك من الإيمان بالكتب المنزلة، والملائكة الأطهار، ويوم البعث والجزاء، والقدر والقضاء"(1).
ويذكر رحمه الله كذلك أن: "الملائكة يؤمنون بالله وبكل ما له من صفات الجلال والكمال، ويقدسونه عما لا يليق به"(2).
الملائكة مخلوقة من نور، خلقها الله تعالى لعبادته وطاعته، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:(خُلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم)(3)، وهذا يبين أن خلق الملائكة مغاير لخلق الآدمي وخلق الجانّ، في أصله الذي هو النور، وفي صفاته التي خصم الله تعالى بها، والإيمان بهم هو الركن الثاني من أركان الإيمان التي لا يصح إيمان العبد إلا بها، وهو ينتظم أموراً أربعة:
الأول: الإيمان بوجودهم.
الثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه كجبريل، وميكال، ومالك، فقد أخبر الله عنهم، وسماهم بأسمائهم في كتابه فقال:{مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98)} البقرة: 98، وقال:{وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77)} الزخرف: 77؛ ومن لم نعلم أسماءهم نؤمن بهم إجمالاً.
الثالث: الإيمان بما علمنا من صفاتهم.
(1) مذكرة التوحيد (ص 5)، وينظر: تعليق الشيخ عبد الرزاق عفيفي على تفسير الجلالين (ص 250).
(2)
تعليق الشيخ عبد الرزاق عفيفي على تفسير الجلالين (ص 8).
(3)
أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق باب في أحاديث متفرقة برقم (2996) من حديث عائشة رضي الله عنها.
الرابع: الإيمان بما علمنا من أعمالهم (1).
يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: " قد دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة، وأنها موكلة بأصناف المخلوقات
…
تتنزل بالأمر من عند الله في أقطار العالم، وتصعد إليه بالأمر، قد أطت (2) السماء بهم
…
ويدخل البيت المعمور كل يوم منهم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه (3)
…
والقرآن مملوء بذكرهم، وأصنافهم، وأعمالهم، ومراتبهم
…
بل لا تخلو سورة من سور القرآن عن ذكر الملائكة تصريحاً، أو تلويحاً، أو إشارة؛ وأما ذكرهم في الأحاديث النبوية فأكثر وأشهر من أن يذكر، ولهذا كان الإيمان بالملائكة عليهم السلام أحد الأصول الخمسة التي هي أركان الإيمان" (4).
وإجابة النبي صلى الله عليه وسلم على سؤال جبريل عن الإيمان ببيان أركانه الستة، وإخباره بأن الإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان، دليل واضح على أن وجود الملائكة ثابت بالدليل القطعي الذي لا يمكن أن يتطرق إليه شك.
ومن هنا كان إنكار وجود الملائكة كفر، لمخالفته نص كتاب الله الكريم وسنة رسوله الأمين، فمن كفر بهم أو حاول التشكيك في وجودهم فهو كاذب كافر لا حظ له في الإسلام لتكذيبه لله تعالى ولرسوله وللمؤمنين.
(1) ينظر لما سبق: معارج القبول (2/ 63)، فتاوى ابن عثيمين (5/ 116)، ورسائل في العقيدة لابن عثيمين (ص 19 - 20)، الإيمان لمحمد ياسين (ص 47).
(2)
أط: الأطيط الحنين والنقيض وهو صوت الأقتاب، والمعنى: أن كثرة ما فيها من الملائكة أثقلتها، حتى أنقضتها. وهذا مثل وإيذان بكثرة الملائكة وإن لم يكن ثمة أطيط، وإنما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة الله تعالى.
ينظر: الفائق في غريب الحديث، لمحمود بن عمر الزمخشري (1/ 49)، النهاية في غريب الأثر للجزري (1/ 54).
(3)
قال ابن الأثير: وهذا مثل وإيذان لكثرة الملائكة، كثرة لا يسعها عقل البشر. وقال ابن الزملكاني: وقد دل هذا الخبر ونحوه على أن الملائكة أكثر المخلوقات عددا، وأصنافهم كثيرة.
ينظر: النهاية في غريب الحديث (1/ 54)، الدر المنثور للسيوطي (6/ 117).
(4)
إغاثة اللهفان (2/ 125 - 131)، وشرح العقيدة الطحاوية (1/ 337).
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله بعد أن ذكر جملة من الأحاديث الواردة في شأن الملائكة وصفاتهم-: "وفي هذا وما ورد من القرآن رد على من أنكر وجود الملائكة من الملاحدة"(1).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وما تواتر عن الأنبياء من وصف الملائكة هو مما يوجب العلم اليقين بوجودهم في الخارج
…
" (2).
(1) فتح الباري (6/ 306).
(2)
درء التعارض (6/ 107).