الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
البوادي وفي الأسفار والحضر، وضبطوه حفظاً من بين صغير وكبير، وعرفوه حتى صار لا يشتبه على أحد منهم حرف، ولو زادوا ونقصوا أو غيروا لظهر (1).
الموانع التي تمنع شرعاً كتابة المصحف بغير العربية:
بين الشيخ رحمه الله الموانع التي تمنع شرعاً كتابة المصحف بحروف لاتينية ونحوها وبيان ما فيها من الخطر، فيقول: " أولاً: ثبت أن كتابة المصحف في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي جمعه في عهد أبي بكر وجمعه في عهد عثمان رضي الله عنهما كانت بالحروف العربية، بل قصد عثمان رضي الله عنه رسما معينا أمر بكتابته به عند اختلاف كتبة المصحف من الأنصار والقرشيين في رسم الحروف، ووافقه على ذلك الصحابة رضي الله عنهم، وأجمع عليه التابعون ومن بعدهم إلى عصرنا، رغم وجود لغات وحروف غير عربية ووجود كتبة مسلمين من غير العرب ووجود من يحتاج إلى تسهيل القراءة من المصحف بحروف غير العربية، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)(2)، فكانت المحافظة على كتابة المصحف بالحروف العربية واجبة عملاً بما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، وسائر الصحابة رضي الله عنهم والقرون المشهورة لها بالخير وعملاً بإجماع الأمة.
ثانياً: أن الحروف اللاتينية نوع من الحروف المصطلح على الكتابة بها عند أهلها، فهي قابلة للتغير والتبديل بحروف لغة أخرى بل حروف لغات أخرى مرة بعد مرة، فإذا فتح هذا الباب تسهيلا للقراءة فقد يفضي ذلك إلى التغيير كلما تغيرت اللغة، واختلف الاصطلاح في الكتابة لنفس العلة، وقد يؤدي ذلك إلى تحريف القرآن بتبديل بعض الحروف من بعض والزيادة عليها والنقص منها، ويخشى أن تختلف القراءة تبعاً لذلك ويقع فيها التخليط على مر الأيام والسنين، ويجد عدو الإسلام مدخلاً للطعن في القرآن بالاختلاف والاضطراب بين نسخه
(1) ينظر: إعجاز القرآن لمحمد بن الطيب الباقلاني (ص 40).
(2)
أخرجه الإمام أحمد برقم (16694)، وأخرجه الترمذي في كتاب العلم باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدعة برقم (2676) وقال حديث حسن صحيح، وأبو داود كتاب السنة باب في لزوم السنة برقم (4607). وابن ماجة في المقدمة باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين برقم (42)، ونقل الألباني تصحيح هذا الحديث عن الضياء المقدسي في تعليقه على مشكاة المصابيح (1/ 58)، وصححه الألباني في تحقيقه لكتاب صفة الفتوى والمفتى والمستفتي لابن تيمية (ص 54).
وهذا من جنس البلاء الذي أصيبت به الكتب الإلهية الأولى حينما عبثت بها الأيدي والأفكار وقد جاءت شريعة الإسلام بسد ذرائع الشر والقضاء عليها محافظة على الدين، ومنعاً للشر والفساد.
ثالثاً: يخشى إذا رخص في ذلك أو أقر أن يصير كتاب الله- القرآن- ألعوبة بأيدي الناس، كلما عنّ لإنسان فكرة في كتابة القرآن اقترح تطبيقها فيه، فيقترح بعضهم كتابته بالعبرية وآخرون كتابته بالسريانية وهكذا مستندين في ذلك إلى ما استند إليه من كتبه بالحروف اللاتينية من التيسير ورفع الحرج والتوسع في الاطلاع والبلاغ وإقامة الحجة، وفي هذا ما فيه من الخطر العظيم. وقد نصح مالك بن أنس الرشيد (1)
أو جده المنصور (2) ألا يهدم بناء الكعبة الذي أقامه عبد الملك بن مروان (3) ليعيدها إلى بنائها الذي بناه عبد الله بن الزبير رضي الله عنه على قواعد إبراهيم الخليل عليه السلام، خشية أن تصير الكعبة ألعوبة بأيدي الولاة" (4).
(1) هارون الرشيد أمير المؤمنين ابن المهدي محمد بن المنصور أبي جعفر عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي أبو محمد ويقال أبو جعفر وأمه الخيزران أم ولد كان مولده في شوال سنة ست وقيل سبع وقيل ثمان وأربعين ومائة وقيل إنه ولد سنة خمسين ومائة وبويع له بالخلافة بعد موت أخيه موسى الهادي في ربيع الأول سنة سبعين ومائة بعهد من أبيه المهدي وكان الرشيد أبيض طويلا جميلا.
ينظر: البداية والنهاية (10/ 213)، وتاريخ الخلفاء (1/ 283).
(2)
هو المنصور أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وأمه سلامة البريرية أم ولد، ولد سنة خمس وتسعين، دفن في بطن مكة ما بين الحجون وبئر ميمون في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة.
ينظر: تاريخ الخلفاء (1/ 259)، وتاريخ الإسلام (9/ 471).
(3)
هو عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس ابن عبد مناف بن قصي بن كلاب أبو الوليد، ولد سنة ست وعشرين بويع بعهد من أبيه في خلافة ابن الزبير فلم تصح خلافته وبقي متغلبا على مصر والشام ثم غلب على العراق وما والاها إلى أن قتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين فصحت خلافته من يؤمئذ واستوثق له الأمر ففي هذا العام هدم الحجاج الكعبة وأعادها على ما هي عليه الآن، وفي سنة ست وثمانين فتح حصن بولق وحصن الأخرم وفيها كان طاعون الفتيات وسمى بذلك لأنه بدأ في النساء، وفيها مات الخليفة عبد الملك في شوال وخلف سبعة عشر ولدا.
ينظر: تاريخ الخلفاء (1/ 214) و (1/ 215)،البداية والنهاية (9/ 61).
(4)
مجموعة ملفات الشيخ عبد الرزاق عفيفي (ص 106).
والعلماء رحمهم الله حظروا كتابة القرآن بحروف غير عربية، وعلى هذا يجب عند ترجمة القرآن بهذا المعنى إلى أية لغة أن تكتب الآيات القرآنية إذا كتبت بالحروف العربية، كيلا يقع إخلال وتحريف في لفظه؛ فيتبعها تغير وفساد في معناه (1).
سئلت لجنة الفتوى في الأزهر (2)
عن كتابة القرآن بالحروف اللاتينية، فأجابت بعد حمد الله والصلاة والسلام على رسوله، بقولهم:"لا شك أن الحروف اللاتينية المعروفة خالية من عدة حروف توافق العربية، فلا تؤدي جميع ما تؤديه الحروف العربية فلو كتب القرآن الكريم بها على طريقة النظم العربي - كما يفهم من الاستفتاء- لوقع الإخلال والتحريف في لفظه، ويتبعهما تغير المعنى وفساده، وقد قضت نصوص الشريعة بأن يصان القرآن الكريم من كل ما يعرضه للتبديل والتحريف، وأجمع علماء الإسلام سلفاً وخلفاً على أن كل تصرف في القرآن يؤدي إلى تحريف في لفظه أو تغيير في معناه ممنوع منعاً باتاً، ومحرم تحريماً قاطعاً، وقد التزم الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم إلى يومنا هذا كتابة القرآن بالحروف العربية"(3).
لأن الترجمة للقرآن الكريم بهذا المفهوم مستحيلة، وذلك لاعتبارات متعددة منها: طبيعة القرآن، ورسمه، وإعجازه، وأسلوبه، ومعانيه، ومبانيه، وبلاغته، وفصاحته، وقراءته، وتجويده، وغير ذلك.
(1) مناهل العرفان للزرقاني (2/ 31) وما بعدها، وينظر للاستزادة: ترجمة القرآن الكريم وأثرها في معانيه للدكتور نجدت رمضان، ترجمة القرآن وكيف ندعوا غير العرب إلى الإسلام لعبد الوكيل الدروبي، ترجمة القرآن وما فيها من المفاسد ومنافاة الإسلام لمحمد رشيد رضا، دراسة حول ترجمة القرآن الكريم، د. أحمد إبراهيم مهنا، ترجمات معاني القرآن الكريم وتطور فهمه عند الغرب د. عبد الله عباس الندوي.
(2)
جامعة الأزهر هي من أكبر الجامعات في العالم أنشأت بعد جامعة القرويين. وتوجد في القاهرة بمصر. وكان نشأتها في أول عهد الدولة الباطنية العبيدية بمصر جامعاً باسم (جامع القاهرة، الذي سمى الأزهر فيما بعد) حيث أرسى حجر أساسه في الرابع والعشرين من جمادى الأولى 359 هـ/970 م، وصلى فيه الخليفة المعز لدين الله الفاطمي ثاني خلفاء الدولة الفاطمية صلاة الجمعة الأولى من شهر رمضان سنة 361 هـ /972 م، إيذانا باعتماده الجامع الرسمي للدولة الجديدة، ومقراً لنشر الدين والعلم في حلقات الدروس التي انتظمت فيه، إلى جانب دراسة علوم أخرى في الدين واللغة والقراءات والمنطق والفلك.
ينظر: الأزهر في ألف عام للدكتور محمد عبد المنعم خفاجى.
(3)
ينظر: مجلة الأزهر (7/ 45).