الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"ومثل هذا الاستهزاء بالسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كالذي يستهزىء بإعفاء اللحى وقص الشوارب، أو يستهزىء بالسواك
…
أو غير ذلك، وكالاستهزاء بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وبه يعلم كفر من يتنقصون الشريعة الإسلامية، ويصفونها بأنها لا تصلح لهذا الوقت الحاضر، وأن الحدود الشرعية فيها قسوة ووحشية، وأن الإسلام ظلم المرأة
…
إلى غير ذلك من مقالات الكفر والإلحاد؛ نسأل الله العافية والسلامة" (1).
4 - التوسل
(2):
أ_ التوسل إلى الله بأوليائه.
يقرر الشيخ رحمه الله: "بأن التوسل إلى الله بأوليائه أنواع:
الأول: أن يطلب إنسان من الولي الحي أن يدعو الله له بسعة رزق أو شفاء من مرض أو هداية وتوفيق ونحو ذلك - فهذا جائز، ومنه طلب بعض الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم حينما تأخر عليهم المطر أن يستسقي لهم، فسأل صلى الله عليه وسلم ربه أن ينزل المطر، فاستجاب دعاءه وأنزل عليهم المطر، ومنه استسقاء الصحابة بالعباس في خلافة عمر رضي الله عنهم وطلبهم منه أن يدعو الله بنزول المطر فدعا العباس ربه وأمن الصحابة على دعائه
…
إلى غير هذا مما حصل زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعده من طلب مسلم من أخيه المسلم أن يدعو له ربه لجلب نفع أو كشف ضر.
الثاني: أن ينادي الله متوسلاً إليه بحب نبيه واتباعه إياه وبحبه لأولياء الله بأن يقول: اللهم إني أسألك بحبي لنبيك واتباعي له وبحبي لأوليائك أن تعطيني كذا - فهذا جائز؛ لأنه توسل من العبد إلى ربه بعمله الصالح، ومن هذا ما ثبت من توسل أصحاب الغار الثلاثة بأعمالهم الصالحة (3).
(1) ينظر: الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد، للشيخ صالح الفوزان (79 - 82).
(2)
الوسيلة: ما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به، وسل إلى الله توسيلاً عمل عملاً تقرب به إليه كتوسل، والواسل الراغب إلى الله تعالى.
ينظر: ترتيب القاموس (4/ 612)، والنهاية في غريب الحديث (5/ 185)، ولسان العرب (11/ 725).
(3)
أخرجه البخاري في كتاب الإجارة باب ن استأجر أجيراً فترك الأجير أجره
…
برقم (2272)، ومسلم في كتاب الرقاق باب قصة أصحاب الكهف الثلاثة والتوسل بصالح الأعمال برقم (2743).
الثالث: أن يسأل الله بجاه أنبيائه أو ولي من أوليائه بأن يقول: (اللهم إني أسألك بجاه نبيك أو بجاه الحسين) مثلاً- فهذا لا يجوز؛ لأن جاه أولياء الله وإن كان عظيماً عند الله وخاصة حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم غير أنه ليس سبباً شرعياً ولا عادياً لاستجابة الدعاء؛ ولهذا عدل الصحابة حينما أجدبوا عن التوسل بجاهه صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستسقاء إلى التوسل بدعاء عمه العباس مع أن جاهه عليه الصلاة والسلام فوق كل جاه، ولم يعرف عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم توسلوا به صلى الله عليه وسلم بعد وفاته وهم خير القرون وأعرف الناس بحقه وأحبهم له.
الرابع: أن يسأل العبد ربه حاجته مقسماً بوليه أو نبيه أو بحق نبيه أو بحق أوليائه بأن يقول: (اللهم إني أسألك كذا بوليك فلان أو بحق نبيك فلان)، فهذا لا يجوز، فإن القسم بالمخلوق على المخلوق ممنوع، وهو على الله الخالق أشد منعاً، ثم لا حقّ لمخلوق على الخالق بمجرد طاعته له سبحانه حتى يقسم به على الله أو يتوسل به. هذا هو الذي تشهد له الأدلة، وهو الذي تصان به العقيدة الإسلامية وتسد به ذرائع الشرك" (1).
وأقسام التوسل عند أهل السنة والجماعة قسمان (2):
1 -
توسل مشروع.
2 -
توسل ممنوع.
أولاً- التوسل المشروع:
كل توسل جاءت به الشريعة، ووضحه الرسول صلى الله عليه وسلم أو حثنا عليه وفعله الصحابة عليهم رضوان الله؛ وهو أنواع:
(1) فتاوى اللجنة (1/ 499، 500). وينظر: مجموع الفتاوى (1/ 201 - 202).
(2)
ينظر: أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة (1/ 58)، إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (2/ 209)، التوصل إلى حقيقة التوسل (1/ 10)، محبة الرسول بين الاتباع والابتداع عبد الرءوف محمد عثمان (1/ 339).
1 -
التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته (1)، كما في قوله:{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} الأعراف: 180، أي أن السائل يسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى كما جاء في السنة عن عبد الله بن بريدة:(أن الرسول صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلَاّ أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. قال: فقال: والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم)(2).
وعليه فالشيخ رحمه الله يقرر جواز التوسل بالقرآن الكريم، فيقول:"يجوز التوسل بالقرآن؛ لأنه كلام الله لفظاً ومعنى، وكلامه تعالى صفة من صفاته، فالتوسل به توسل إلى الله بصفة من صفاته، وهذا لا ينافي التوحيد وليس ذريعة من ذرائع الشرك، وكذلك التوسل إلى الله ببركة القرآن"(3).
وإن أعلى أنواع التوسل إلى الله تعالى وأقربها إجابة، التوسل إليه عز وجل بذاته العلية وأسمائه الحسنى وصفاته العلى. لأنه تمجيد وتقديس وثناء على الله تعالى وهو كما أثنى على نفسه، والقرآن والسنة مكتظة بالأمثلة على الحض على التوسل إليه تعالى.
2 -
التوسل بالأعمال الصالحة (4): ويكون ذلك على وجهين:
الأول: أن يتوسل بالعمل الصالح إلى إجابة الدعاء كما في قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127)} البقرة: 127، وحديث الثلاثة الذين أووا إلى غار فانحدرت صخرة من جبل فسدت
(1) ينظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص 49)، التوصل إلى حقيقة التوسل المشروع والممنوع لمحمد نسيب الرفاعي (ص 14).
(2)
أخرجه أحمد في مسنده برقم (12200)، والترمذي في كتاب الدعوات باب ما جاء في جامع الدعوات عن النبي صلى الله عليه وسلم برقم (3475)، وأبو داود كتاب الوتر باب الدعاء برقم (1495)، والنسائي في السنن الصغرى كتاب السهو باب الدعاء بعد الذكر برقم (1300)، صححه الألباني في صحيح الترمذي برقم (2763)، وفي صحيح ابن ماجة برقم (3857).
(3)
ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (1/ 519 - 520).
(4)
ينظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص 49)، التوصل إلى حقيقة التوسل (ص 14)، التوسل وأنواعه وأحكامه للألباني (ص 35).
عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلَاّ أن تدعوا الله بصالح أعالكم. فدعى كل واحد منهم الله وتوسل بعمل صالح فعله ابتغاء وجه الله، فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون (1).وكذلك التوسل إلى الله عز وجل بذكر حال الداعي المبينة لاضطراره وحاجته (2) كقول موسى عليه السلام: قال تعالى: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)} القصص: 24.
والثاني: التوسل بالعمل الصالح من أجل الحصول على ثواب الله وجنته ورضوانه؛ لأن الأعمال الصالحة التي أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بها هي الوسيلة التامة لله والدار الآخرة. ومثل هذا كقول المؤمنين عند قول الله تعالى: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193)} آل عمران: 193، وأصل العمل الصالح بل أصل الإيمان والإسلام هو الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته، لذا كان التوسل بالإيمان به وطاعته توسلاً مشروعاً.
3 -
التوسل بدعاء الغير: إن طلب الدعاء مشروع من كل مؤمن لكل مؤمن (3) كما في قول الرسول صلى الله عليه وسلم عن أويس (4): (فمن لقيه منكم فليستغفر لكم)(5) كذلك فإن الصحابة عليهم رضوان الله كانوا يطلبون من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم كما في الصحيحين (6)، عن أنس رضي الله عنه قال: دخل رجل المسجد يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم
(1) أخرجه البخاري في كتاب الإجازة، باب من استأجر أجير، فترك الأجير أجره، فعمل فيه المستأجر فزاده
…
، برقم (2272)، ومسلم كتاب الرقاق، باب قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل بصالح الأعمال، برقم (2743)؛ من حديث عبد الله بن عمر.
(2)
منهج الإمام ابن الصلاح في تقرير العقيدة والرد على المخالفين عرضاً ودراسة لعبدالله الغامدي (ص 148).
(3)
قاعدة جليلة (ص 134).
(4)
هو: أويس بن عامر بن جزء بن مالك القرني المرداوي اليمني، أبو عمرو سيد التابعين في زمانه، القدوة الزاهد، رحل إلى الحج وزار المدينة ولقي عمر بن الخطاب رضي الله عنه واستغفر له، ثم رحل إلى الكوفة توفي في معركة صفين.
انظر: حلية الأولياء (2/ 79 - 87)، السير (19 - 33).
(5)
أخرجه مسلم كتاب فضائل الصحابة باب فضائل أويس القرني رضي الله عنه برقم (2542).
(6)
أخرجه البخاري كتاب الجمعة، باب الاستسقاء في خطبة غير مستقبل القبلة برقم (1014)، ومسلم كتاب صلاة الاستسقاء باب الدعاء في الاستسقاء برقم (897).
قائم يخطب، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله أن يغيثنا، فرفع رسول الله؛ يديه ثم قال: (اللهم أغثنا، اللهم أغثنا
…
). وهذا في حال حياته فقط عليه الصلاة والسلام.
ثانياً: التوسل الممنوع:
هو توسل العبد إلى الله سبحانه وتعالى بوسيلة لم ترد بالكتاب والسنة، كالتوسل إلى الله بذوات الأنبياء والملائكة والصالحين والعرش والكرسي والكعبة (1).
ولهذا التوسل ثلاثة أوجه هي:
1 -
التوسل بوسيلة سكت عنها الشرع، وهو في الواقع محرم، وفيه نوع من الشرك ويتلخص في التوسل بذوات الأموات: كأن يقول المتوسل: اللهم إني أتوسل إليك بالنبي أن تقضي حاجتي (2). وهذا النوع لم يرد في الكتاب والسنة ما يدل على صحة التوسل به، بل إن السنة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين ترده ففي حديث الاستسقاء قال عمر رضي الله عنه:(اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا)(3). فهذا يدل على أنهم كانوا يتوسلون بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وليس بذاته؛ لأنه لو كان التوسل بالذات لتوسلوا به بعد موته؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم من ذات العباس، ولكن التوسل كان بالدعاء وليس بالذات وهذا في حياته، وبعد مماته توسلوا بدعاء غيره وشفاعة غيره. فعلم أن المشروع عند الصحابة التوسل بدعاء المتوسل به لا بذاته (4).
2 -
التوسل إلى الله بجاه أحد الخلائق أو حقه أو حرمته: كأن يقول المتوسل: اللهم إني أتوسل إليك يجاه فلان أو بحق فلان عندك أن تقضي حاجتي. وهذا الوجه من التوسل يقضي أن المتوسل به من الأنبياء والصالحين وغيرهم لهم جاه عند الله وهذا صحيح؛ فإن هؤلاء لهم عند الله منزلة وجاه وحرمة تقضي أن يرفع الله درجاتهم ويعظم أقدارهم
(1) ينظر: قاعدة جليلة (ص 107)، والتوصل إلى حقيقة التوسل (ص 176).
(2)
ينظر: قاعدة جليلة (49 - 50)، والتوصل إلى حقيقة التوسل (ص 177).
(3)
أخرجه البخاري كتاب فضائل الصحابة باب ذكر العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه برقم (3710).
(4)
ينظر: قاعدة جليلة (ص 105)، وتلخيص الاستعانة المعروف بالرد على البكري لابن تيمية (129 - 130).
ويقبل شفاعتهم إذا شفعوا بعد إذنه لقوله تعالى {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} البقرة: 255، ولكن هذا الجاه والحرمة سبب أجنبي عن المتوسل ولا علاقة بينه وبين إجابة الدعاء، بل هذا من الاعتداء بالدعاء. وهذا الجاه والحرمة ينفع المتوسل إذا دعوا له وشفعوا فيه. فأما إذا لم يكن منهم دعاء ولا شفاعة، لم يكن سؤاله بجاههم نافعاً له؛ لأن الله لم يجعله سبباً لإجابة الدعاء (1).
وعليه فالشيخ رحمه الله يقرر عدم جواز التوسل بيوم من الأيام، فيقول:"أما التوسل بيوم من الأيام مثل (أدعوك ربي بحق يوم عرفه) وما شابهه، فلا يجوز، لأنه توسل بمخلوق فهو ذريعة إلى الشرك، ولأن ذلك مخالف للأدلة الشريعة، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) (2) "(3).
3 -
الإقسام على الله بالمتوسل به: ومثاله أن يقول المتوسل اللهم إني أقسم عليك بفلان أن تقضي حاجتي، وهذا لا يجوز لأن الأصل في القسم والحلف أن يكون بالله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم:(من كان حالفاً فليحلف بالله، أو ليصمت)(4)، وقوله صلى الله عليه وسلم:(من حلف بغير الله فقد أشرك)(5)، فيتعين أنه لا يجوز القسم بمخلوق على مخلوق؛ فكيف يجوز الحلف بالمخلوقات على الخالق الذي هو أجل وأعظم من أن يقسم عليه بمخلوقاته، بل هو الذي يقسم به على مخلوقاته سبحانه وتعالى (6).
(1) ينظر: قاعدة جليلة (55 - 56)، شرح العقيدة الطحاوية (ص 262).
(2)
أخرجه مسلم في كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، برقم (1718).
(3)
فتاوى اللجنة الدائمة (1/ 519 - 520).
(4)
جزء من حديث أخرجه البخاري في كتاب الإيمان والنذور، باب لا تحلفوا بآبائكم برقم (6646).
(5)
أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (5352)، أبو داود في كتاب الأيمان والنذور باب كراهية الحلف بالآباء برقم (3251)، والترمذي في كتاب الأيمان والنذور باب في الكراهية الحلف بغير الله برقم (1534) وحسنه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة الكاملة (5/ 41) والإرواء برقم (2627)، وقال إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(6)
ينظر: قاعدة جليلة (106،108)، والتوصل إلى حقيقة التوسل (ص 177)، وشرح الطحاوية (ص 262).
ب- التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم:
يقرر الشيخ رحمه الله المعنى الصحيح لحديث توسل الأعمى بالنبي صلى الله عليه وسلم واستشفاعه به أن يرد الله تعالى بصره (1)؛
فيقول: "بيّن ابن تيمية (2) رحمه الله أنه على تقدير صحته فليس فيه دليل على التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم، بل فيه التوسل إلى الله بدعائه صلى الله عليه وسلم ربه أن يرد إلى هذا الأعمى بصره"(3).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا الأعمى شفع له النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلهذا قال في دعائه: (اللهم فشفعه في) فعلم أنه شفيع فيه، ولفظه:(إن شئت صبرت، وإن شئت دعوت لك) فقال: ادع لي، فهو طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي ويدعو هو أيضاً لنفسه ويقول في دعائه:(اللهم شفعه في)، فدل ذلك على أن معنى قوله:(أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد) أي: بدعائه وشفاعته، كما قال عمر رضي الله عنه:(اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبيك فتسقينا).
فالحديثان معناهما واحد: فهو صلى الله عليه وسلم علم رجلاً أن يتوسل به في حياته كما ذكر عمر رضي الله عنه أنهم كانوا يتوسلون به إذا أجدبوا ثم إنهم بعد موته إنما كانوا يتوسلون بغيره بدلاً عنه.
فلو كان التوسل به حياً وميتاً سواء، والمتوسل به الذي دعا له الرسول كمن لم يدع له الرسول، لم يعدلوا عن التوسل به وهو أفضل الخلق وأكرمهم على ربه وأقربهم إليهم وسيلة- إلى أن يتوسلوا بغيره ممن ليس مثله.
(1) أن رجلاً ضريراً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني، فقال:" إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك" فقال: فادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا رسول الله يا محمد، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم فشفعه في"
أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات باب في دعاء الضيف برقم (3578)، والنسائي في كتاب الزينة، ما يقول إذا راعه شيء، برقم (10420)، صححه الألباني في صحيح الترمذي برقم (2832).
(2)
ينظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (1/ 325).
(3)
ينظر: فتاوى اللجنة (1/ 526 - 530).
وكذلك لو كان الأعمى توسل به ولم يدع له الرسول بمنزلة ذلك الأعمى، لكان عميان الصحابة أو بعضهم يفعلون مثل ما فعل الأعمى، فعدولهم عن هذا إلى هذا- مع أنهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فإنهم أعلم منا بالله ورسوله وبحقوق الله ورسوله وما يشرع من الدعاء وينفع وما لم يشرع ولا ينفع وما يكون أنفع من غيره، وهم في وقت الضرورة ومخمصة وجدب يطلبون تفريج الكربات وتيسير العسير وإنزال الغيث بكل طريق ممكن- دليل على أن المشروع ما سلكوه دون ما تركوه" (1).
وهذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه المستجاب، وما أظهر الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات، فإنه صلى الله عليه وسلم ببركة دعائه لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره (2).
(1) ينظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (14/ 202).
(2)
مجموع الفتاوى (14/ 138).
والتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ينقسم إلى قسمين:
أولاً: التوسل بالإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم وطاعته. وهذا فرض عين على كل مسلم في كل حال، ولا يسقط عن أحد من الخلق بعد قيام الحجة عليه، ولا يعذر فيه بأي عذر. وقد جعل الله الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته وسيلة إلى كل خير ورحمة في الدنيا والآخرة.
ويقع التوسل بهذا النوع على وجهين:
- فتارة يتوسل المسلم بالإيمان بالرسول وطاعته ومحبته إلى ثواب الله وجنته.
- وتارة يتوسل بذلك في الدعاء فيقول مثلا: اللهم بإيماني بنبيك وطاعتي له وحبي إياه اغفر لي.
ثانياً: التوسل بدعائه صلى الله عليه وسلم وشفاعته، وذلك في حياته. كما كان الصحابة يفعلونه مع النبي صلى الله عليه وسلم من طلب الدعاء منه - كما في حديث الأعمى-، والاستغفار لهم، وطلب السقيا لهم.
كما يكون في الآخرة بطلب الخلق منه أن يشفع لهم عند ربهم للقضاء بين العباد وهذا هو المقام المحمود الذي يغبطه عليه الأولون والآخرون.
وهذا النوع من التوسل يقع على وجهين أيضاً:
الأول: أن يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم الدعاء والشفاعة فيدعو ويشفع كما كان الصحابة يطلبون منه فيدعو لهم. وكما يطلب الخلق منه ذلك في يوم القيامة. وأحاديث الاستسقاء وغيرها توضح ذلك أتم توضيح.
الثاني: أن يضيف إلى ذلك سؤال الله تعالى بشفاعة نبيه ودعائه وذلك كما في حديث الأعمى فإنه طلب من الرسول صلى الله عليه وسلم الدعاء والشفاعة، فدعا له الرسول وشفع فيه وأمره أن يدعو الله فيقول:(اللهم إني أسألك وأتوجه إليه بنبيك محمد نبي الرحمة) الحديث. وفيه: (اللهم فشفعه في) فأمره أن يسأل الله قبول شفاعة نبيه فيه.
وهذا النوع من التوسل لا يجوز إلا في حياته صلى الله عليه وسلم أما بعد مماته فلا يجوز بحال من الأحوال فلا يطلب منه الدعاء لا عند قبره، ولا في أي مكان آخر. ولم يفعل ذلك الصحابة والتابعون ولا من بعدهم. ولم ينقل عنهم بوجه صحيح أن ذلك جائز (1).
(1) ينظر لما سبق: مجموع الفتاوى (1/ 105، 140)، محبة الرسول بين الاتباع والابتداع لعبد الرءوف محمد عثمان (1/ 339 - 342)، التمهيد لشرح كتاب التوحيد (2/ 386)، التوصل إلى حقيقة التوسل (1/ 232)، مجموع فتاوى ابن باز (5/ 322)، مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (5/ 288).