الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القسم الأول:
- صفات الله الذاتية:
وهي التي لا تنفك عنه سبحانه ولم يزل متصفاً بها؛ كالعلم، والقدرة، والحياة، والسمع، والبصر، والوجه، واليدين
…
ونحو ذلك (1).
ومن الصفات التي تناولها الشيخ رحمه الله في كتاباته:
1 - صفة العلو
لله عز وجل:
مادة "العين، واللام، والحرف المعتل، ياءً كان أو واواً أو ألفاً
…
تدل على السمو والارتفاع" (2)
والعلو يطلق في اللغة على معان هي: علو الذات، وعلو القهر، وعلو القدر (3).
وقرر الشيخ رحمه الله أن الله عليٌ على خلقه مطلقاً ذاتاً وقدراً وقهراً ويذكر أن الأدلة على ذلك من الكتاب والأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة رضي الله عنهم وأئمة السلف رحمهم الله (4).
وقد أجمع أهل القبلة على إثبات علو القهر وعلو القدر لله تعالى، واختلفوا في علو الذات (5).
(1) ينظر: الصفات الإلهية تعريفها، أقسامها لمحمد بن خليفة بن علي التميمي (ص 65).
(2)
معجم مقاييس اللغة (ص 690).
(3)
علو الذات: أي أنه قائم بذاته فوق جميع مخلوقاته، مستوٍ على عرشه بائنٌ من خلقه، ومع ذلك يعلم أعمالهم وأحوالهم لا يخفى عليه خافية.
علو القدر: أي أن صفاته كلها صفات كمال، وأنه منزه عن جميع النقائص المنافية لإلوهيته وربوبيته.
علو القهر: أن جميع المخلوقات خاضعة لعظمته وتحت سلطانه وقهره، فلا مغالب ولا منازع له.
ينظر: مختصر الصواعق المرسلة (1/ 169)، تهذيب اللغة (3/ 2536)، معجم مقاييس اللغة (ص 690)، لسان العرب (15/ 83)، القاموس المحيط (ص 1694).
(4)
ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (3/ 201 - 202)، وتفسير الجلالين (ص 154 - 155).
(5)
ينظر: مختصر الصواعق المرسلة (1/ 275).
والصواب الذي عليه سلف الأمة وأئمتها إثبات علو الذات لله تعالى (1)، وهو قول عامة الصفاتية (2)
الأوائل (3).
والقول بذلك هو مقتضى دلالة السمع، والإجماع، والفطرة، والعقل.
فأما دلالة السمع والإجماع:
فقد تواترت نصوص الكتاب والسنة تواتراً لفظياً ومعنوياً على إثبات العلو الذاتي لله تعالى، حتى ذكر بعض أهل العلم أن أدلة ذلك تزيد على ألف دليل (4).
ومن الأدلة التي استدل بها الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله قوله تعالى {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2)} غافر: 2، فقال: " فيه دليل على علو الله على خلقه بذاته حقيقة،
(1) ينظر: العرش لابن أبي شيبة (ص 276)، إثبات صفة العلو لابن قدامة (ص 41)، العرشية لشيخ الإسلام ضمن الفتاوى (6/ 545)، اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم (ص 95)، العلو للذهبي (2/ 863)، الكلام على مسألة الاستواء على العرش لابن عبد الهادي (ص 25)، إثبات علو الله للتويجري (ص 10)، علو الله على خلقه للدويش (ص 141).
(2)
الصفاتية: وصف يوصف به أهل السنة والجماعة وكذلك الأشاعرة نسبة إلى الصفات فأهل السنة والجماعة لأنهم أثبتوا جميع الصفات والأشاعرة أثبتوا بعضها.
ينظر: معجم ألفاظ العقيدة لعامر عبد الله فالح (ص 257)
قال شيخ الإسلام رحمه الله: "والكلابية من مثبتة الصفات ". ينظر: مجموع الفتاوى (5/ 536).
وشيخ الإسلام يطلق وصف "مثبتة الصفات" ووصف "الصفاتية" على الكلابية وعلى الأشعرية مثلا ويطلق وصف "النفاة" على الجهمية والمعتزلة.
وقال أيضاً: "أكثر الجهمية والمعتزلة ينفون الأحوال والصفات وأما جماهير أهل السنة فيثبتون الصفات دون الأحوال وهذا لبسطه موضع آخر". ينظر: مجموع الفتاوى (5/ 339).
وقال أيضاً: "أهل الحديث الذين يقرونه على ظاهره فكل من كان عنه أبعد كان أعظم ذما بذلك، كالقرامطة، ثم الفلاسفة، ثم المعتزلة وهم يذمون بذلك المتكلمة الصفاتية من الكلابية والكرامية والأشعرية والفقهاء والصوفية وغيرهم". ينظر: مجموع الفتاوى (4/ 88). فانظر الترتيب في البعد عن الحق وفي الذم وانظر كيف وصف شيخ الإسلام الأشاعرة بأنهم صفاتية.
(3)
ينظر: مجموع الفتاوى (2/ 297)، بيان تلبيس الجهمية (1/ 127)(2/ 14).
(4)
ينظر: مجموع الفتاوى (5/ 121)، الصواعق المرسلة لابن القيم (4/ 1279)، اجتماع الجيوش (ص 331).
لأن التنزيل إنما يكون من أعلى إلى أسفل، والأصل الحقيقة حتى يثبت دليل من السمع أو العقل يصرف النص عن ذلك، ولا دليل منهما أو من أحدهما" (1).
واستدل الشيخ رحمه الله كذلك بقوله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} الملك: 16، فقال:"والصواب أن السماء بمعنى العلو، والمعنى: أأمنتم الله الذي في العلو؛ أو في معنى على، والتقدير: أأمنتم الله الذي على السماء، ولا يجوز في معنى هذا النص إلا هذان الوجهان"(2).
وقد ذكر الشيخ عبد الرزاق: ما ذكره العلامة ابن القيم (3): من أنواع الأدلة النقلية الدالة على علو الله فعد منها أكثر من عشرة أنواع وأتبعها بالدليل وبين أنها كثيرة متنوعة، فذكر منها:" التصريح -بصفة العلو-، والفوقية بمن وبدونها، والعروج إليه، والصعود إليه، ورفع بعض المخلوقات إليه، والعلو المطلق، وتنزيل الكتاب منه، واختصاص بعض المخلوقات بكونها عنده، وأنه في السماء، وأنه مستوٍ على العرش، ورفع الأيدي إليه، ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا، والإشارة إليه حساً"(4).
وقد ذكر هذه الأدلة جمع من أهل السنة والجماعة واستدلوا بها على إثبات صفة العلو (5).
وبين رحمه الله: " أن من رام أن يتأولها فقد رام باطلاً، ومن سلك طريق التأويل لهذه النصوص فتح على نفسه باب شر لا يمكنه إغلاقه، ومع هذا فقد تأول كثير من المتأخرين (6) الفوقية في قوله تعالى:{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} الأنعام: 18، بأنه تعالى
(1) ينظر: تعليق الشيخ على تفسير الجلالين (7، 9، 21، 40، 59، 67، 145، 189، 210، 211، 239، 297).
(2)
ينظر: تعليق الشيخ على تفسير الجلالين (197)، ومجموعة ملفات الشيخ عبد الرزاق عفيفي (ص 6).
(3)
ينظر: مختصر الصواعق (2/ 205)، النونية مع شرحها لهراس (1/ 184 - 251).
(4)
مجموعة ملفات الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله (6 - 7).
(5)
ينظر: مختصر الصواعق (2/ 205)، النونية مع شرحها لهراس (1/ 184 - 251).وشرح الطحاوية (2/ 380 - 386).
(6)
ينظر: شرح العقيدة الطحاوية (2/ 442) وما بعدها.
خير من عباده، وأنه خير من العرش وأفضل منه، وهو كما ترى تأويل بعيد تنفر منه العقول الرشيدة وتأباه الفطر السليمة، فإنه لا تمجيد لله في ذلك ولا تعظيم له، بل هو تأويل سمج مرذول، فإنه يشبه قول القائل الجبل أثقل من الحصى، ورسول الله أفضل من اليهود، والجواهر فوق قشر البصل أو قشر السمك، ونحو ذلك مما التفاوت فيه عظيم، ولا شك أن التفاوت بين الله وبين عباده أعظم، ولو أن المتأول أثبت الفوقية مطلقاً، فوقية الذات، وفوقية القهر والغلبة، وفوقية القدر والمنزلة لكان ذلك صواباً، لاتفاقه مع نصوص الكتاب والسنة مع عدم المحذور" (1).
ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة، مملوء بما هو إما نص وإما ظاهر في أن الله - هو العلي الأعلى، وهو فوق كل شيء
…
وأنه فوق السماء
…
ثم عن السلف في ذلك من الأقوال، ما لو جمع لبلغ مئين وألوفاً، ثم ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولاعن أحد من سلف الأمة، ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف حرف واحد يخالف ذلك، لا نصاً ولا ظاهراً" (2).
دليل الفطرة:
قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله: "وقد شهدت العقول السليمة، والفطر المستقيمة على علو الله على خلقه، وكونهِ فوق عباده، كما صرحت بذلك نصوص الكتاب والسنة المتنوعة المحكمة"(3).
(1) مجموعة ملفات الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله (ص 7).
(2)
الحموية (216 - 232).
(3)
ينظر: مجموعة ملفات الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله (ص 6).
ويبين الشيخ رحمه الله: " أن الفطر السليمة قد شهدت بذلك أيضاً، فإن الخلق جميعاً يرفعون أكفهم إلى السماء عند الدعاء بمقتضى فطرهم وبدافع قوي من طباعهم التي لم يدخلها إلحاد، ولم ينحرف بها عن جادة الحق تمويه ولا تلبيس، ويقصدون جهة العلو بقلوب كلها خشوع وضراعة إلى الله راجين أن يتقبل أعمالهم، ويستجيب دعاءهم، ويسبغ عليهم نعمه، ويعمهم بفضله وإحسانه"(1).
"وقد ذكر محمد بن طاهر المقدسي (2) أن الشيخ أبا جعفر الهمداني (3)
حضر مجلس الأستاذ أبي المعالي الجويني (4) المعروف بإمام الحرمين، وهو يتكلم في نفي صفة العلو، ويقول: كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان، فقال الشيخ أبو جعفر الهمداني: أخبِرنا يا أُسْتَاذُ عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، فإنه ما قال عارف قط: يا الله إلا وجد في قلبه ضرورة طلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف نرفع الضرورة عن أنفسنا، قال: فلطم أبو المعالي على رأسه ونزل! وأظنه قال: وبكى! وقال: حيرني الهمداني حيرني، وكأن الشيخ أبا جعفر أراد أن هذا أمر فطري، فطر الله عليه عباده من
(1) ينظر: مجموعة ملفات الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله (ص 8).
(2)
هو: محمد بن طاهر بن علي بن أحمد المقدسي الشيباني، أبو الفضل: رحالة مؤرخ، من حفاظ الحديث. مولده ببيت المقدس سنة (448 هـ) ووفاته ببغداد سنة (507 هـ). له كتب كثيرة منها: تاريخ أهل الشام ومعرفة الأئمة منهم والأعلام -مجلدان-، ومعجم البلاد -جزآن-، وتذكرة الموضوعات، والأنساب المتفقة في الخط المتماثلة في النقط والضبط، وأطراف الكتب الستة، وغيرها.
ينظر: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان للخلكان (1/ 486)، ميزان الاعتدال (3/ 75)، لسان الميزان (5/ 207)، الأعلام (6/ 171).
(3)
هو: أبو جعفر محمد بن أبي علي الحسن بن محمد بن عبد الله الهمذاني، ولد بعد الأربعين وأربع مئة، كان من أئمة أهل الأثر، ومن كبراء الصوفية، توفي سنة (531 هـ).
ينظر: السير (20/ 101)، طبقات السبكي (5/ 190).
(4)
هو: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني الشافعي، أبو المعالي، المعروف بإمام الحرمين، من كبار الأشاعرة وأعلامهم، من مؤلفاته: الإرشاد في أصول الاعتقاد، الشامل في أصول الدين، لمع الأدلة، وغيرها. توفي سنة (468 هـ).
ينظر: سير أعلام النبلاء (18/ 468)، شذرات الذهب (3/ 358).
غير أن يتلقوه عن المرسلين، ويجدون في قلوبهم طلباً ضرورياً يدفعهم للتوجه إلى الله وطلبه في العلو" (1).
وبنو آدم كلهم مفطورون على الإقرار بعلو الله الذاتي، ولا يستطيع أحد منهم أن ينفك عن ذلك، فإن الخلق كلهم باختلاف طوائفهم وتعدد مذاهبهم - عدا من اجتالته الشياطين منهم - إذا نابهم شيء اتجهوا بقلوبهم وأيديهم إلى جهة العلو اضطراراً وليس اختياراً بحيث لا يستطيع أحد دفع ذلك (2).
ويطرح الشيخ رحمه الله تساؤلاً ويجيب عليه فيقول: " فإن قيل إن رفع الأيد إلى السماء، وتوجه القلوب إلى جهة العلو إنما كان من أجل أن السماء قبلة الدعاء، كما أن الكعبة قبلة الصلاة؟ لا لأن الله في السماء فوق عباده، ثم هو منقوض (3) بشرع السجود، ووضع الجبهة على الأرض مع أن الله ليس في جهة الأرض، أجيب (4):
أولاً بمنع أن تكون السماء قبلة الدعاء، فإن كون الشيء قبلة لا يعرف إلا من طريق الشرع ولم يثبت في جعل السماء قبلة للدعاء كتاب ولا سنة، ولا قال به أحد من سلف الأمة وهم لا يخفى عليهم مثل هذه الأمر.
ثانياً ثبت أن الكعبة قبلة الدعاء كما أنها قبلة الصلاة، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستقبل الكعبة في دعائه في مواطن كثيرة (5)، فمن ادعى أن للدعاء قبلة سوى الكعبة أو ادعى أن السماء قبلته كما أن الكعبة قبلة فقد ابتدع في الدين وخالف جماعة المسلمين.
(1) شرح العقيدة الطحاوية (2/ 445 - 446).
(2)
ينظر: الرد على الجهمية للدارمي (20 - 21)، التوحيد لابن خزيمة (1/ 254)، التمهيد لابن عبد البر (7/ 134 - 135)، درء التعارض (6/ 12)، مجموع الفتاوى (5/ 259 - 260)، اجتماع الجيوش الإسلامية (328 - 331).
(3)
أي أن الله ليس في جهة، والمراد نفي العلو.
(4)
ينظر: شرح العقيدة الطحاوية (2/ 447 - 448).
(5)
أخرج البخاري في كتاب المغازي، باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على قريش، برقم (3960)، ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين برقم (1794)، من حديث ابن مسعود قال: استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت، فدعا على ستة نفر من قريش، وفي الباب عن عمر عند مسلم برقم (1763).
ثالثاً أن القبلة ما يستقبله العابد بوجهه كما يستقبل الكعبة للصلاة والدعاء والذكر والذبح ودفن الميت ونحو ذلك مما يطلب فيه استقبال القبلة، ولذا سميت القبلة وجهة لاستقبالها الوجه، فلو كانت السماء قبلة الدعاء لكان المشروع أن يوجِه الداعي وجهه إليها لكنه لم يشرع بل نهي عنه، وإنما شرع رفع اليدين، ورفع اليدين إلى السماء حين الدعاء لا يسمى استقبالاً لها شرعاً ولا لغة، ولا حقيقة ولا مجازاً.
رابعاً أن الأمر باستقبال القبلة مما يقبل النسخ والتحويل، كالأمر باستقبال بيت المقدس في الصلاة نسخ بالأمر باستقبال الكعبة (1)، ورفع الأيدي إلى السماء في الدعاء والتوجه بالقلب إلى جهة العلو أمر فطري مركوز في طبائع الناس لم يتغير في جاهلية ولا إسلام، يضطر إليه الداعي عند الشدة والكرب مسلماً كان أم كافراً.
خامساً أن من استقبل الكعبة لا يقع في قلبه أن الله هناك جهة الكعبة، بخلاف الداعي فإنه يرفع يديه إلى ربه وخالقه وولي نعمته، يرجو أن تنزل عليه الرحمات من عنده.
وأجيب عن نقضهم الاستدلال بالفطرة على أن الله فوق خلقه بما ذكروه من السجود ووضع الجبهة على الأرض بأنه باطل، فإن واضع الجبهة على الأرض في السجود أنما قصده الخضوع لله، وإعلان كمال ذل العبودية من الساجد لربه ومالك أمره، لا لأنه يعتقد أنه تحته فيهوي إليه ساجداً، فإن هذا لا يخطر للساجد ببال، بل تنزه ربه عن ذلك، ولهذا شرع له أن يقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى، تعالى الله عن الظنون الكاذبة علواً كبيرا" (2).
(1) ينظر: حديث البراء عند البخاري كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعلى:{سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} . برقم (40، 399، 4486، 4492، 7252)، وحديث ابن عمر عند البخاري كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى:{وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} برقم (403، 4488، 4490، 4491، 4493، 4494، 7251)، ومسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة، برقم (526).
(2)
ينظر: مجموعة ملفات الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله (ص 8، 9).
وأما دلالة العقل:
فيبين الشيخ رحمه الله: " أنها قد دلت الأدلة العقلية على ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، من أن الله بائن من خلقه وأنه فوق عباده بنفسه، وبيانه أن وجود الله إما أن يكون ذهنياً فقط، وإما أن يكون في خارج الأذهان، والأول ممنوع بإجماع، وإذا تعين أن يكون وجوده خارج الأذهان فإما أنه عين العالم أو صفة قائمة بالعالم، وإما أن يكون قائماً بنفسه بائناً من خلقه وكل من القول الأول والثاني ممنوع فتعين أن يكون الله موجوداً قائماً بنفسه بائناً من خلقه وإذ ثبت ذلك كان سبحانه فوق عباده، مستوياً على عرشه، لأن السفول صفة ذم لا تتضمن مدحاً ولا ثناءً فلا يليق بالله، والعلو صفة مدح وثناء وكمال لا نقص فيه ولا يستلزم نقصاً، ولا يوجب محذوراً، ولا يخالف كتاباً ولا سنة ولا إجماعاً، بل النصوص وإجماع السلف تثبت ذلك وتقتضيه، فوجب اعتقاده، وإنكار التأويل وصرف النصوص عن ظواهرها، ولكونه عين الباطل الذي لا تأتي به الشريعة، ولا يراه عقل سليم"(1).
ويطرح الشيخ رحمه الله تساؤلاً ويجيب عليه فيقول: "فإن قيل: إن أكثر العقلاء يتأولون نصوص الاستواء والعلو والفوقية بالاستيلاء والقهر والغلبة، وبعلو القدر والمنزلة، بالخيرية وكمال الفضل، فكان تأويلهم مقتضى العقل، إذ يبعد أن يُرمى جمهور العلماء بالجهل والسفاهة، وتحريف النصوص الصحيحة عن مواضعها، ولا يكون لهم وجه يعتمدون عليه فيما ذهبوا إليه؟
قيل: ليس الأمر كما قيل، فإن الذين يصرحون بأن خالق العالم شيء موجود خارج الأذهان لكنه ليس فوق العالم وأنه ليس مبايناً للعالم ولا داخلاً فيه طائفة من النظار، وأول من ابتدع ذلك في الإسلام الجعد بن درهم (2)، وتبعه في التحريف والتعطيل الجهم بن
(1) مجموعة ملفات الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله (ص 7، 8).
(2)
هو: الجعد بن درهم، من الموالي، عداده في التابعين، مبتدع ضال، أول من أنكر الصفات وأظهر مقالة التعطيل، قتل بالعراق بسبب ذلك، يوم النحر، قتله خالد بن عبد الله القسري بأمر من هشام بن عبد الملك في العراق يوم النحر، وهو شيخ جهم بن صفوان الذي تنسب إليه الطائفة الجهمية واختلف في سنة وفاته، قال د. عبد الرحمن التركي: ولعلها في (106 - 110 هـ) لأن القسري استفتى الحسن البصري في قتله والبصري توفي سنة (110 هـ).
ينظر: الكامل في التاريخ (5/ 160)، سير أعلام النبلاء (5/ 433)، ميزان الاعتدال (1/ 399)، البداية والنهاية (10/ 19)، الأعلام (2/ 120).