الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الخامس
جهود الشيخ في تقرير الإيمان بالقضاء والقدر
.
تمهيد
في تعريف القضاء والقدر
.
أورد الشيخ رحمه الله معنى القدر في الشرع، فقال:" معناه: أن الله سبحانه وتعالى علم الأشياء كلها قبل وجودها وكتبها عنده وشاء ما وجد منها وخلق ما أراد خلقه، وهذه هي مراتب القدر الأربع التي يجب الإيمان بها، ولا يكون العبد مؤمناً بالقدر على الكمال حتى يكون مؤمناً بها، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أجاب جبريل لما سأله عن الإيمان قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) (1)، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة بن الصامت أنه قال له: (إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تؤمن بالقدر وتعلم أنما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك) (2) الحديث، وقد أوضح هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في العقيدة الواسطية (3) "(4).
التعريف:
1 -
معنى القضاء لغة:
هو بالمدّ، ويقصر، أصله: قَضَايٌ؛ لأنّه من قضيت، إلا أنّ الياء لَمّا جاءت بعد الألف همزت.
يقول ابن فارس: " القاف والضّاد والحرف المعتلّ أصل صحيح يدلٌ على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه"(5).
(1) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب بيان الإسلام
…
برقم (8).
(2)
ينظر: الشريعة للآجري باب الإيمان بأنه لا يصح لعبد الإيمان (1/ 194).
(3)
تكلم شيخ الإسلام عن القدر في مواضع عديدة من هذا الكتاب.
(4)
فتاوى اللجنة (3/ 512).
(5)
معجم مقاييس اللغة (ص 893).
ويتبين مما تقدم أن معنى القضاء في اللغة هو إحكام الشيء وإتمام الأمر، وهذا هو أصل معنى القضاء الواردة في اللغة، وقد يأتي بمعنى القدر (1).
ويطلق القضاء على معان عدّة منها: الأمر، والأداء، والحكم، والفراغ، والإعلام، والموت (2)؛ وهذه هي أهم معاني (القضاء) في اللغة، وهناك اشتقاقات أخرى ذكرَتها كتب اللغة (3).
2 -
معنى القدر لغة:
والقدر في اللغة: مصدر قَدَرَ يَقدر قَدَراً.
يقول ابن فارس: "القاف والدّال والرّاء أصل صحيح يدلّ على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته"(4).
ويطلق القدر على معان عدّة منها: الحكم، والقضاء، والطّاقة، والتّضييق، والتّقدير (5).
3 -
معنى القضاء والقدر شرعاً:
والمراد بالقضاء والقدر في الشرع: علم الله بالأشياء قبل كونها، وكتابته لها في اللوح المحفوظ، ومشيئته سبحانه لوقوعها، وخلقه سدد خطاكم لها على ما سبق به علمه وكتابته ومشيئته (6).
ومراتب القدر أربع، وهي إجمالاً:
أ- العلم: أي أن الله علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم.
ب- الكتابة: أن الله كتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ.
(1) ينظر: مفردات القرآن للراغب الأصبهاني (ص 422).
(2)
ينظر: تهذيب اللغة (3/ 2986)، الصحاح (6/ 2463)، لسان العرب (15/ 186)، القاموس المحيط (ص 1708).
(3)
ينظر: في مادة (قضى): الصحاح (6/ 2463)، وتهذيب الصحاح (3/ 1051)، ولسان العرب (15/ 186)، وتاج العروس (10/ 396)، وأساس البلاغة للزمخشري (ص 513)، وغيرها.
(4)
معجم مقاييس اللغة (ص 876).
(5)
ينظر: تهذيب اللغة (3/ 2896)، الصحاح (2/ 786)، لسان العرب (5/ 74)، القاموس المحيط (ص 591).
(6)
ينظر: شرح السنة (1/ 142)، معالم السنن (4/ 297)، شرح صحيح مسلم (1/ 217)، جامع الرسائل (2/ 355)، مجموع الفتاوى (3/ 148 - 149)، لوامع الأنوار البهية (1/ 345، 349)، فتاوى ابن عثيمين (2/ 79 - 81).
ت- المشيئة: أي أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن ليس في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئته سبحانه ولا يكون في ملكه إلا يريد.
ث- الخلق والتكوين: أن الله خالق كل شيء، ومن ذلك أفعال العباد كما دلت على ذلك النصوص (1).
ويتبين مما سبق ما بين المعنى اللغوي لكل من القضاء والقدر والمعنى الشرعي من ربط قوي، فكل منهما يأتي بمعنى الآخر، ومعاني القضاء ترجع إلى إحكام الأمر وإتقانه وإنفاذه، كما أن معاني القدر ترجع إلى التقدير، والله سبحانه وتعالى قدر مقادير الخلق، فعلمها وكتبها وشاءها وخلقها، وهي مقتضية ومقدرة فتقع حسب أقدارها، ويتبين من خلال ذلك ما بين معنى القضاء والقدر في اللغة والشرع من ترابط (2).
وقد اختلف أهل العلم في لفظي القضاء والقدر هل هما بمعنى واحد أم معان متغايرة، واختلف القائلون بالتغاير بينهما في تحديد وجهه (3).
والراجح -والله أعلم- في هذه المسألة أنّ لفظي القضاء والقدر بينهما عموم وخصوص، فإذا أطلق القضاء مفرداً شمل القدر، وإذا أطلق القدر مفرداً شمل القضاء.
وأمّا إذا اجتمعا فالمراد بالقضاء ما يقضيه الله تعالى في خلقه من إيجاد أو إعدام أو تغيير، والمراد بالقدر ما قدّره الله تعالى في الأزل، فالقدر سابق والقضاء لاحق (4).
(1) يلحظ أن لفظ (القدر) أكثر وروداً في الكتاب والسنة من لفظ (القضاء) وذلك عند الدلالة على وجوب الإيمان بهذا الركن من أركان الإيمان، مثل قوله تعالى:{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)} القمر: 49، وحديث جبريل:(وتؤمن بالقدر خيره وشره).
ينظر: القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة ومذهب الناس فيه للدكتور عبد الرحمن المحمود (ص 40).
(2)
ينظر: القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة ومذهب الناس فيه (ص 39).
(3)
ينظر: فتح الباري (11/ 149، 477)، عمدة القاري للعيني (23/ 145)، فتاوى ابن عثيمين (1/ 52، 62)، القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة (ص 30).
(4)
ينظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية لمجموعة من أئمة الدعوة النجدية (10/ 512 - 513)، فتاوى ابن عثيمين (1/ 52، 62).