الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عن المخلوقات، لا يحوزه غيره، وإن أردت الثاني؛ فهو سبحانه بائن عن المخلوقات، منفصل عنها، ليس هو حالاً فيها، ولا متحداً بها؛ فبهذا التفصيل يزول الاشتباه والتضليل" (1).
وقال الشيخ العثيمين رحمه الله: " ومما لم يرد إثباته ولا نفيه لفظ (الجهة)، فلو سأل سائل: هل نُثبت لله تعالى جهة؟ قلنا له: لفظ الجهة لم يرد في الكتاب والسنة إثباتاً ولا نفياً، ويُغني عنه ما ثبت فيهما من أن الله تعالى في السماء، وأما معناه؛ فإمَّا أنَّ يراد به: جهة سُفْلٍ أو جهة علو تحيط بالله أو جهة عُلُوٍ لا تحيط به.
فالأول باطل؛ لمنافاته لعلو الله تعالى الثابت بالكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع.
والثاني باطل أيضاً؛ لأن الله تعالى أعظم من أنْ يحيط به شيء من مخلوقاته.
والثالث حقٌّ؛ لأن الله تعالى العلي فوق خلقه ولا يحيط به شيء من مخلوقاته" (2).
يقول ابن القيم رحمه الله: " أسماء الله تعالى يجري على نفسه منها أكملها وأحسنها ومالا يقوم غيره مقامه فتأمل ذلك فأسماؤه أحسن الأسماء كما أن صفاته أكمل الصفات فلا تعدل عما سمى به نفسه إلى غيره كما لا تتجاوز ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم إلى ما وصفه به المبطلون والمعطلون"(3).
14 - صفة الصورة
لله عز وجل:
يرى الشيخ رحمه الله أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله خلق آدم على صورته)(4) أي على صورة الرحمن كما ثبت في الرواية الأخرى (5)، والصورة لله تعالى ثابتة في الصحيحين أنه تعالى يأتي على صورته وعلى غيره صورته (6).
(1) مجموع الفتاوى (6/ 39 - 40).
(2)
القواعد المثلى (ص 40).
(3)
بدائع الفوائد (1/ 168).
(4)
أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب بدء السلام (4/ 1959) برقم (6227)، ومسلم، كتاب الجنة، باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير (4/ 2183) برقم (2841) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه به.
(5)
ذكرت في البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة تالية الذكر.
(6)
فتاوى ورسائل سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي (1/ص 160).
وصفة الصورة صفةٌ ذاتيةٌ خبريةٌ ثابتةٌ لله عز وجل بالأحاديث الصحيحة.
الدليل:
- حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الطويل في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وفيه: (فيأتيهم الجبار في صورته التي رأوه فيها أوَّل مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا
…
) (1).
- حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته)(2).
استشكل بعض أهل العلم قوله صلى الله عليه وسلم: (خلق الله آدم على صورته)، حيث فهموا أن القول: بإعادة الضمير على الله تعالى في هذا الحديث، يلزم منه التشبيه - تشبيه صورة آدم بصورة الله تعالى- ولذلك اختلفوا في متعلق الضمير.
وجملة الخلاف يعود إلى أربعة أقوال هي كما يلي:
أولاً: أن الضمير في قوله: (على صورته) عائد على غير الله تعالى: ففي حديث: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته) يعود إلى المضروب (3).
ثانياً: أن الضمير في قوله: (على صورته) عائد إلى الله تعالى، وأن إضافة الصورة إلى الله تعالى من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، وعلى هذا جمهور أهل السنة، بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية: -وهو ممن انتصر لهذا القول وأطال الكلام جداً على هذا الحديث (4)
- قال: "هذا الحديث لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير
(1) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب قوله تعالى:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)} برقم (7439)، وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية برقم (183).
(2)
أخرجه البخاري في كتاب العتق، باب إذا ضرب العبد فليجتنب الوجه، برقم (2559)، مسلم في صحيحه كتاب البر والصلة، باب النهي عن ضرب الوجه برقم (2612) واللفظ لمسلم.
(3)
ينظر: فتح الباري لابن حجر (5/ 183)، شرح النووي على مسلم (16/ 403)، صحيح ابن حبان (12/ 420 - 421)، التوحيد لابن منده (1/ 223 - 224)، التوحيد لابن خزيمة (1/ 84)، الأسماء والصفات للبيهقي (2/ 63).
(4)
في كتابه الذي يرد فيه على الرازي واسمه: (بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية) أو (نقض تأسيس الجهمية)، وقد طبع منه مجلدان كبيران بهذا العنوان، وأما بقية الكتاب فلا يزال مخطوطاً، وقد قام عدد من الباحثين في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بتحقيق الكتاب كاملاً، لكنه لم يطبع بعد.
وكلام ابن تيمية عن هذا الحديث في هذه البقية التي لم تطبع، وقد لخصه الشيخ حمود التويجري رحمه الله في كتابه:(عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن).
ينظر: أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعاً ودراسة، د. سليمان محمد الدبيخي (ص 122).
عائد إلى الله، فإنه مستفيض من طرق متعددة عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك" (1).
ثالثاً: أن الضمير في قوله: (على صورته) يعود على الله عز وجل، وتكون إضافة الصورة إلى الله تعالى من باب إضافة المخلوق إلى خالقه كما في قوله تعالى:{نَاقَةُ اللَّهِ} وكما يقال في الكعبة: بيت الله
…
وهكذا (2).
رابعاً: إنكار حديث: (إن الله خلق آدم على صورته) والنهي عن التحديث به، وهذا مروي عن الإمام مالك:(3).
ومما لا ريب فيه أن الصورة ثابتة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، وأن الضمير في قوله:(على صورته) عائد إلى الله تعالى، وإضافة الصورة إليه من باب إضافة الصفة إلى الموصوف - على ما جاء في القول الثاني- كما هو مقتضى ظاهر لفظ الحديث، ولا يجوز تأويل الحديث وصرفه عن ظاهره لمجرد توهم التشبيه والتمثيل، فإن هذا شأن أهل البدع، أما أهل السنة فإنهم يؤمنون بما صح من أحاديث الصفات كلها، ويجرونها على ظاهرها على ما يليق بجلال الله وعظمته مع نفي المماثلة على حد قوله تعالى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)} الشورى: 11 (4).
(1) بيان تلبيس الجهمية تحقيق، د. عبد الرحمن اليحيى (2/ 396).
(2)
ينظر: التوحيد لابن خزيمة (1/ 87 - 91)، الأسماء والصفات للبيهقي (2/ 63 - 64)، والمعلم للمازري (3/ 171)، وشرح النووي على مسلم (16/ 403 - 404).
(3)
ينظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لأبي عمر يوسف النمري (7/ 150)، الضعفاء الكبير للعقيلي (2/ 251 - 252)، ونقله عنه الذهبي في الميزان (4/ 95)، وفي السير (5/ 449).
(4)
ينظر: أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعاً ودراسة، د. سليمان محمد الدبيخي (ص 137).
قال أبو محمد ابن قتيبة (1):
"والذي عندي -والله تعالى أعلم- أن الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعينين، وإنما وقع الإلف (2) لتلك لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشية من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد"(3).
وقال أبو يعلى الفراء (4) في التعليق على حديث: (رأيت ربي في أحسن صورة)(5)؛ قال: " اعلم أن الكلام في هذا الخبر يتعلق به فصول: أحدها جواز إطلاق الصورة عليه"(6).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "والوجه الخامس: أن الأحاديث مع آيات القرآن أخبرت بأنه يأتي عباده يوم القيامة على الوجه الذي وصف، وعند هؤلاء هو كل آتٍ، وما في الدنيا والآخرة، وأما أهل الإلحاد والحلول الخاص، كالذين يقولون بالاتحاد أو الحلول في المسيح أو علي أو بعض المشايخ أو بعض الملوك أو غير ذلك مما قد بسطنا القول عليهم في غير هذا الموضع؛ فقد يتأولون أيضاً هذا الحديث كما تأوله أهل الاتحاد والحلول المطلق؛ لكونه قال: فيأتيهم الله في صورة، لكن يقال لهم: لفظ (الصورة) في الحديث -يعني رحمه الله:
(1) في تعليقه على قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله خلق آدم على صورته".
وهو: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، أبو محمد، خطيب أهل السنة وأحد أئمة السلف، من مؤلفاته: تفسير غريب القرآن، تأويل مختلف الحديث، الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية وغيرها، توفي سنة (276 هـ).
ينظر: سير أعلام النبلاء (13/ 296)، شذرات الذهب (2/ 169).
(2)
"إِلْفًا" من باب عَلِمَ أنست به وأحببته والاسم "الأُلْفَة" بالضم و"الأَلْفَةُ" أيضا اسم من "الائْتِلافِ" وهو الالتئام والاجتماع.
ينظر: المصباح المنير- العصرية - (1/ 15)، المحيط في اللغة (10/ 345)، معجم مقاييس اللغة لابن فارس (1/ 131)، مقاييس اللغة (1/ 135).
(3)
تأويل مختلف الحديث (ص 261).
(4)
هو: محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد، المعروف بأبي يعلى الفراء البغدادي، شيخ الحنابلة وفقيههم، صاحب التصانيف الفريدة، كان إماماً لا يدرك قراره، ولا يشق غباره، درَّس وأفتى، توفي رحمه الله سنو (458 هـ)، ومن مؤلفاته: إبطال التأويل، وكتاب مسائل الإيمان.
ينظر: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (2/ 252)، شذرات الذهب (3/ 306).
(5)
أخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة ص برقم (3233)، وابن خزيمة في كتاب التوحيد برقم (318)(1/ 318)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة الكاملة برقم (3169).
(6)
ينظر: إبطال التأويلات (1/ 126).