الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عليه السّلام إلا الزّج به في قيعان السجون تخلّصا من فتنة النّساء. وصف الله تعالى هذه المواقف في قوله سبحانه:
[سورة يوسف (12) : الآيات 30 الى 35]
وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (30) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ (32) قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (33) فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34)
ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35)
«1» «2» «3» «4» «5» «6» «7» [يوسف: 12/ 30- 35] .
قال أربعة من النّسوة: امرأة خبّاز الملك، وامرأة ساقيه، وامرأة حاجبه، وامرأة بوّابه: عجبا ودهشة، امرأة الملك تراود فتاها الشاب عن نفسه، وتحاول مواقعته لها، قد استولى حبّه على سويداء قلبها، فلم تفكر بالعواقب، إنا لنراها أنها في صنيعها هذا لفي خطأ واضح، وبعد عن الصواب، وجهل يتنافى مع مكانتها. وهذا أمر معقول ومنتظر.
فلما سمعت زليخة امرأة الملك باغتياب النساء، وسوء مقالتهن وطعنهن بها، دعتهن إلى ضيافتها في جلسة كريمة هادئة، وأعدّت لهن ما يتّكأ عليه من فرش ووسائد، وهيّأت ألوان الفاكهة والطعام والشراب، وأعطت كل واحدة منهن سكينا
(1) أحبّته حبّا شديدا.
(2)
هيّأت لهنّ ما يتّكئن عليه.
(3)
دهشن بجماله. [.....]
(4)
خدشنها بالسكاكين.
(5)
تنزيها لله.
(6)
امتنع بشدة.
(7)
أمل إلى إجابتهن.
لقطع الأترج ونحوه من اللحم والفاكهة، وأمرت يوسف بالخروج عليهن، بعد إخفائه في مكان قريب، واستغلت وقتا مناسبا هو وقت انشغالهن بالأكل والقطع.
فلما خرج ورأينه، دهشن لجماله الفائق وحسنه الرائع، وجعلن يقطّعن أيديهن، اندهاشا برؤيته، وقلن على الفور: حاشا لله، أي تنزيها له عن العجز، وتعجبا من إبداع الخلق لجميل مثل يوسف، ما هذا بشرا، إنّ هذا إلا ملك كريم من الملائكة، تمثّل في صورة بشر، والمقصود إثبات الحسن العظيم له، إذ ليس في تصور الإنسان أجمل من الملائكة، ولا أقبح من الشيطان، فالتّشبيه بالملك من قبيل التشبيه بالمستعظمات، وإن كانت لا ترى،
روي عن النّبي صلى الله عليه وسلم أن يوسف أعطي نصف الحسن «1» .
فقالت امرأة العزيز، وقد نجحت في انبهارهن بجماله الفتّان: فذلكن الذي وجهتن اللوم إلي بسببه، وعبتن علي فعله. ثم توعدت يوسف بالعقاب قائلة: أنا راودته عن نفسه، فامتنع، ولئن لم يفعل ما آمره به في المستقبل القريب، ليزجنّ به في السجن، وليكونن من الأذلاء المقهورين. وهذا دليل على أن حبّه أعماها عن كل شيء.
قال يوسف: يا ربّ أنت ملاذي وملجئي، إن السجن الذي توعّدت به، أحبّ إلي مما يدعونني إليه هؤلاء النّسوة من الفاحشة وارتكاب المعصية. وإن لم تنجني أنت هلكت، وإن لم تصرف عني كيدهنّ ومكرهنّ، أمل إليهن، وأكن من الجهلة الطائشين. وهذا استسلام لله تبارك وتعالى، ورغبة إليه، وتوكّل عليه، وشكوى إلى الله من حاله مع النّسوة، والدعاء إليه في كشف بلواه.
فأجابه ربّه إلى إرادته، وحقّق دعاءه، وصرف عنه كيدهن، في أن حال بينه وبين
(1) أخرجه أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم عن أنس بلفظ «أعطي يوسف وأمه شطر الحسن» .