الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العتاب: أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من مال وأولاد، من أجل تكريمهم وإعزازهم ورضا الله عنهم؟ كلا، ليس الأمر كما يزعمون في قولهم: نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35)[سبأ: 34/ 35] . إنهم أخطئوا الفهم وتقدير الأمور، فإنما نفعل ذلك الإنعام عليهم استدراجا لهم، وأخذا بهم إلى مهاوي العذاب إن لم يتوبوا. إننا نقدم لهم الخيرات من الأموال والبنين فتنة لهم، فترقّب بهم أيها النبي وكل متأمل مصيرهم السيّئ المحتوم، ثم ختمت الآية بالوعيد والتهديد، بقوله تعالى: بَلْ لا يَشْعُرُونَ أي إنهم لا يحسّون بأن الأوضاع والأحوال تسير في غير صالحهم، فعليهم استدراك خطأ المسيرة، وسوء العمل، وضلال التوجه إلى غير مرضاة الله تعالى.
المسارعون في الخيرات
تتكرر الحملة القرآنية لإصلاح النفوس بعقد مقارنة أو موازنة بين الأمور والأحوال، والصفات المتقابلة، فبعد أن فرغت الآيات في سورة «المؤمنون» من ذكر الكفرة وتوعدهم، عقّب الله تعالى بذكر المؤمنين ووعدهم، وأبان ذلك بأبلغ صفاتهم، وهي صفات تجمع بين صحة العقيدة، وأداء الحقوق، سواء أكانت حقوقا لله تعالى، كالعبادات المحضة من صلاة وصيام وزكاة وحج وكفارة، أم حقوقا للناس، كالودائع والديون، مع خوف القلوب من التقصير، وعدم قبول الأعمال منهم. قال الله تعالى مبينا صفات المسارعين في عمل الخير:
[سورة المؤمنون (23) : الآيات 57 الى 62]
إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (60) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (61)
وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَاّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (62)
«1» «2» «3»
(1) خائفون.
(2)
يعطون ما أعطوا.
(3)
خائفة.
«1» [المؤمنون: 23/ 57- 62] .
تضمنت هذه الآيات صفات المسارعين في الخيرات أي المبادرين إلى فعل الخيرات، وأبانت بعدئذ حكمين من أحكام الأعمال. أما صفات أهل الخير فهي أربع:
1-
خشية الله تعالى: فهم الذين يخافون من عذاب ربهم، يشفقون من الوقوع في شدة العذاب. والإشفاق: أبلغ التوقع والخوف، ويبتدئ الإشفاق من عذاب الله.
فكلمة «من» في قولنا هذا: «من عذاب الله» لابتداء غاية. والوجل في قوله تعالى:
وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ بمعنى الإشفاق والخوف.
2-
الإيمان بالآيات الإلهية: فهم الذين يصدقون تصديقا تاما لا شك فيه بآيات الله الكونية والدينية القرآنية. أما الآيات الكونية: فهي المتعلّقة بالكون الدالة على وجوب النظر والتأمل، كإبداع السماوات والأرض وخلق الإنسان والحيوان والنبات، وأما الآيات الدينية القرآنية: فهي المتعلقة بأخبار الأنبياء كخبر زكريا ويحيى وخبر مريم وابنها عيسى عليهم السلام، أو المتعلقة بالشرائع والأحكام، فكل ما أمر الله به فهو محبوب له راض عنه، وكل ما نهى عنه فهو مكروه له ومعيب.
3-
تجنب الشرك: فهم الذين لا يعبدون مع الله إلها آخر، بل يوحدونه ويعظمونه، ويعتقدون بوحدانية المطلقة:«لا إله إلا الله» ولا يقدسون سواه، جل جلال الله.
والجمع بين ضرورة الإيمان بآيات الله ورفض الشرك، يوجب أمرين هما: توحيد
(1) قدر طاقتها من الأعمال.
الربوبية، وتوحيد الألوهية والعبادة، فإن المشركين كانوا يعترفون بوحدانية الرب، كما قال الله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:
31/ 25] ولا يقرون بوحدانية الألوهية والعبادة، فإنهم عبدوا الأصنام والأوثان.
4-
العمل مع الخوف من الله تعالى: فالمسارعون في الخيرات يؤدون الواجبات، ويعملون صالح الأعمال بمقدار أقصى الجهد، ولكن مع الخوف من الله، فهم يفعلون ما فعلوا، مع وجود الخوف بألا يتقبل الله منهم أعمالهم، إنهم الذين يصلون، ويصومون، ويتصدقون، ولكنهم يخافون الله عز وجل، لأنهم راجعون إليه وحده. وقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا لا يقتصر على العطاء المادي من زكاة أو صدقة، وإنما يشمل كل حق يلزم إيتاؤه، سواء كان من حقوق الله تعالى كالعبادات، أو من حقوق بني آدم كالودائع والعدل بين الناس. وقوله تعالى: أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ تنبيه على الخاتمة، فإن التقي التائب يخاف من الخاتمة وما يطلع عليه بعد الموت، وعدم النجاة من عذاب الله.
وأما الحكمان المتعلقان بأعمال العباد: فهما أن منهاج الشرع: اليسر والسماحة وترك التكليف بالشاق من الأعمال، والتكليف بقدر الطاقة، وهذا دليل الرحمة والعدل، فهما متلازمان في شرائع الله في قرآنه.
والحكم الثاني: أن لدى الله تعالى كتاب إحصاء الأعمال الذي ينطق بالحق والعدل، والتطابق مع واقع عمل الناس. ويكون الحساب الإلهي بفضل من الله ورحمة، فإن الناس لا يظلمون، أي لا ينقص في جزائهم من الخير شيء، بل يثابون على قليل العمل وكثيره، ولا يزاد في العقاب لأحد غير ما يستحق، بل يعفو الله عن كثير من السيئات.