الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعجزه عن التعبير عن مراده، ووصف الأنعام والأناسي بالكثرة لملاحظة أحوال الماشية البعيدة عن منابع الماء وأهل البوادي الذين يعيشون بالمطر، أما أهل البلدان فيقيمون عادة بقرب الأنهار ومنابع الماء. فتكون رحمة الله بالمطر عامة شاملة.
مظاهر أخرى ذات دلالة على الله تعالى
هناك أدلة أخرى على وجود الله تعالى وتوحيده: وهي إيجاد حاجز بين الماء الملح والماء العذب في وسط البحر، وخلق الإنسان من ماء مهين يكون سببا لبقاء النوع الإنساني، وتنوع العلاقات الإنسانية بالأنساب والمصاهرات، وقد أورد الله تعالى هذين الدليلين بعد بيان نعمة إنزال المطر، وتفريقه أو توزيعه في أنحاء الأرض وبين أهلها توزيعا، يلتقي مع الحاجة والحكمة الإلهية، فقال الله تعالى موضحا كل ذلك:
[سورة الفرقان (25) : الآيات 50 الى 54]
وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَاّ كُفُوراً (50) وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً (51) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً (52) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (53) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً (54)
«1» »
«3» «4» «5» «6» «7» «8» «9» [الفرقان: 25/ 50- 54] .
لقد كان توزيع الأمطار بنسب متفاوتة بين البلاد وأهلها بفعل الله تعالى، وبمقتضى حكمته البالغة، وهذا هو المراد بالآية الأولى: وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ.. أي ولقد فرقنا المطر وحولناه من جهة إلى أخرى، فأمطرنا هذه الأرض دون هذه، وسقنا السحاب من مكان إلى آخر، ليتذكروا نعمة الله ويعتبروا، ولكن أكثر الناس
(1) أنزلناه على مواضع مختلفة.
(2)
جحودا.
(3)
أي خلاهما وأرسلهما متجاورين.
(4)
شديد العذوبة.
(5)
شديد الملوحة.
(6)
أي حاجزا.
(7)
أي حدا محدودا.
(8)
ذوي نسب ذكورا.
(9)
ذوات صهر إناثا. [.....]
يجحدون النعمة، وينسبون ذلك التوزيع لغير الله من الطبيعة أو الأنواء والكواكب، فيقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، أي من النجوم الساقطة أو الطالعة في المشرق والمغرب، وفي إنزال المطر والتحكم فيه من الله تعالى دليل على وجوده وقدرته وحكمته. وهذا يقتضي شكر المنعم، كما ينبغي شكره على إرسال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن العظيم، ولو شاء الله لبعث في كل بلدة رسولا منذرا يخوّف الناس من عذاب أليم، ولكن اكتفى الله ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين: الإنس والجن، وإلى جميع أهل الأرض المعمورة، وأمره ربّه بتبليغ القرآن كما جاء في آية: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها [الشورى: 42/ 7] . فإياك أيها النبي أن تتبع الكفار فيما يدعونك إليه، من مجاملات لآرائهم ومذاهبهم، وجاهدهم بكل سلاح مادي وهو السلاح المعروف، أو بياني إعلامي وهو اللسان مشافهة أو كتابة، أو بالنفس والمال، أو بالسلاح العقلي: وهو القرآن الكريم، جهادا شاملا، لا هوادة فيه.
والمراد بقوله تعالى: وَجاهِدْهُمْ بِهِ الضمير يعود على القرآن أو الإسلام.
ثم ذكر الله تعالى الدليل المتعلق بالبحار، فهو سبحانه الذي جعل البحرين المتضادين متجاورين متلاصقين لا يمتزجان، هذا ماء زلال عذب فرات، أي مفرط العذوبة، وهذا ملح شديد الملوحة، ولكن لا يختلط أحدهما بالآخر، كأن بينهما حاجزا منيعا، وحدا محدودا. وهذا دليل آخر على وجود الله وقدرته الباهرة ووحدانيته في الكون.
والدليل الأخير على وجود الله: أن الله سبحانه هو الذي خلق الإنسان من نطفة ضعيفة، فسوّاه وعدّله، وجعله كامل الخلقة، ذكرا أو أنثى كما يشاء الله، وقسم النوع الإنساني قسمين: ذكورا تنسب إليهم الأنساب، وإناثا يصاهر بهن، وكان الله الخالق قديرا بالغ القدرة، يفعل ما يشاء من هذا وغيره، يخلق ما يريد، على وفق