الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نعمت هذه الخصائص لسيدنا يحيى بن زكريا عليه السلام، فإنه انفرد بها، وعظم بين الناس بسببها في حال حياته، وبعد استشهاده، لأن اليهود قتلوه مع أبيه زكريا، وهو الملقب بيحيى الحصور، روي أنه لم يواقع معصية صغيرة ولا كبيرة.
قال قتادة رحمه الله: (إن يحيى بن زكريا، عليه السلام، لم يعص الله قطّ بكبيرة ولا صغيرة، ولا هم بامرأة) .
وقال قتادة أيضا: وكان طعام يحيى صلوات الله عليه العشب، وكان للدمع في خدّه مجار ثابتة.
وكان يحيى ابن خالة عيسى عليهما السلام، وقد التقيا، فقال يحيى لعيسى:«ادع لي، فأنت خير مني، فقال له عيسى: بل أنت ادع لي، فأنت خير مني، سلّم الله عليك، وأنا سلّمت على نفسي» .
حمل السيدة مريم بعيسى عليه السلام
إذا كان خلق يحيى عليه السلام من أبوين كبيرين محل تعجب واستغراب، فإن هناك خلقا أعجب للناس، هو خلق عيسى عليه السلام الطاهر النقي من غير أب، والخلق الأعجب من الأمرين: هو خلق آدم عليه السلام أبي البشر من غير أب ولا أم، وكل ذلك داخل في مضمون قدرة الله الخارقة، الشاملة لإحداث الأشياء وإيجادها من غير مثال سبق، والحديث الآن عن الحالة الثانية وهي حمل السيدة مريم بابنها عيسى عليه السلام من غير أب، قال الله تعالى:
[سورة مريم (19) : الآيات 16 الى 22]
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا (17) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا (19) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20)
قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (21) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا (22)
«1»
(1) اعتزلت.
«1» «2» «3» «4» «5» [مريم: 19/ 16- 22] .
كل قصة في القرآن الكريم محل تأمل وإعجاب، وموضع تجليات لأيادي الرحمن، فيزداد أهل الإيمان إيمانا، بما أخبر الله، ويزداد أهل الشقاوة شقاء، بسبب انعدام التصديق والإيمان بكلام الله وخبره.
وهذه قصة عجيبة، افتتحت بمطالبة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بأن يذكر للناس قصة مريم العذراء البتول عليها السلام، الطاهرة المطهرة من الدنس والرجس والفسق، حين اعتزلت الناس وأهلها، وابتعدت عنهم إلى مكان شرقي بيت المقدس، لتتفرغ للعبادة والابتهالات الربانية، والتضرع بإخلاص وخشوع وفراغ قلب لله عز وجل. ومن أجل اتجاه مريم لمكان شرقي اتخذ المسيحيون قبلتهم نحو الشرق.
فاستترت من الناس، واتخذت حاجزا بينها وبينهم، لئلا يروها حال العبادة، فأرسل الله إليها روح القدس جبريل عليه السلام، أمين الوحي، متمثلا بصورة إنسان تام الخلقة، لتأنس بكلامه، ولئلا تنفر من محاورته في صورته الملكية، فظنت أنه يريدها بسوء، كما رئي جبريل في صفة دحية الكلبي في حوار النبي صلى الله عليه وسلم، وفي سؤاله عن الإيمان والإسلام.
قالت مريم للملك الذي تمثل لها بشرا، لما رأته قد خرق الحجاب الذي اتخذته، فأساءت به الظن: إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت ذا تقى. قال أبو وائل: علمت أن
(1) سترا.
(2)
جبريل عليه السلام.
(3)
إنسانا تام الخلق.
(4)
فاجرة.
(5)
بعيدا من أهلها.
التقي ذو نهية «1» . سلكت معه مسلكا لينا يعتمد على العقل والتقوى والحكمة، فخوّفته أولا بالله عز وجل، والاستعاذة والتخويف لا يؤثران إلا في التقي. وهذا دليل على عفافها وورعها، حيث تعوذت بالله من تلك الصورة الجميلة الفاتنة.
فأجابها جبريل بالأسلوب الهادىء نفسه، مهدئا روعها، ومزيلا مخاوفها: لست أريد بك سوءا، ولكني رسول من عند الله الذي استعذت أو استجرت به، بعثني إليك لأهب لك غلاما زكيا، أي طاهرا من الذنوب، ينمو على النزاهة والعفة. وقد نسب الهبة لنفسه: لِأَهَبَ
لإجراء الأمر على يده، وبواسطته بأمر الله تعالى. وكأن نفخ الروح الذي فعله مجرد تعاط للأسباب، والحقيقة: أي ليهب لك الله.
فتعجبت مريم مما سمعت، وقالت لجبريل: كيف يكون لي غلام، وعلى أي صفة، يوجد هذا الغلام مني، ولست متزوجة ولم يقربني زوج، ولا يتصور مني الفجور، ولم أك يوما بغيا، أي زانية، أو مجاهرة مشتهرة بالزنى، وأنا العذراء البتول، والقائمة بعبادة الله قياما مستقلا متفرغا.
فأجابها جبريل الأمين: إن الله قال: سيوجد منك غلاما، وإن لم يكن لك زوج، ولا من طريق الفاحشة، وليجعله الله آية أو علامة للناس على قدرته، حيث خلق آدم من غير ذكر وأنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى فقط، وخلق أغلب الناس من الزوجين: الذكر والأنثى. وليكون هذا الغلام رحمة من الله يبعثه لعباده، وطريق هدى لعالم كثير، فينالون الرحمة بذلك، يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وكان هذا الأمر قد أبرم به القضاء الإلهي، وقدّره الله في سابق علمه، لا يتغير ولا يتبدل، أي إن الأمر قد قضي وانتجز، ولا مرد منه.
روي أن جبريل عليه السلام حين قال لها هذه المقالة- نفخ في جيب درعها
(1) النهية: واحدة النّهى وهي العقول لأنها تنهى عن القبيح. [.....]