الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بين الضعف والقوة، ثم الهرم والشيخوخة، ليتذكر الإنسان ويعتبر، ويعود إلى جادة الاستقامة وإصلاح شؤونه وأعماله من أقرب الطرق، فإذا استبد العناد والجحود بالإنسان، ووقف موقف التحدي، استحق الجزاء العادل.
أهل الدنيا وأهل الآخرة
تتجه الهمم والعزائم بحسب المقاصد والنيات والأغراض إما إلى الدنيا ومحبتها وإيثارها على كل شيء، وهذه هي طبيعة الماديين وعشاق المال والثراء والجاه، وإما إلى الآخرة، وتفضيلها على الدنيا لأنها النعيم الأبدي الخالد، وحذرا من الجحيم والعذاب الدائم، ويكون الجزاء بمقتضى العدل الإلهي أن يجازى كل امرئ بما كسب، ويكون هذا الجزاء من جنس العمل، وهذا ما أوضحته الآيات الآتية، قال الله في كتابه العزيز:
[سورة الإسراء (17) : الآيات 18 الى 21]
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً (18) وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (19) كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (20) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21)
«1» «2» «3» «4» «5» [الإسراء: 17/ 18- 20] .
تصنّف هذه الآيات الناس صنفين، وتجعلهم فريقين: فريق يعمل للدنيا وحدها، وفريق يعمل للآخرة في الغالب، أما الفريق الأول أهل الدنيا العاجلة: فهم يقصرون جهدهم وعملهم على تحصيل ملذات الدنيا وشهواتها وينسون المستقبل والآخرة، ولا يؤمنون بها، فتكون النتيجة أن الله تعالى يعجل لمن يريد الدنيا
(1) يدخلها.
(2)
مطرودا من رحمة الله.
(3)
أي أعطاها حقها من السعي بالأعمال الصالحة.
(4)
نزيد من العطاء مرة بعد مرة.
(5)
ممنوعا.
مرادهم، ويعطي من أراد الله ما يشاء بحسب علمه وحكمته، أي إن العطاء بحسب مشيئة الله، لا بحسب محبة العبد، ولمن يشاء الله، لا لكل من أراد الدنيا، ثم يجعل الله جهنم لجميع من يريد العاجلة وهو كافر بالله وبالآخرة، سواء من أعطاه فيها ما يشاء، ومن حرمه، فأهل الدنيا لا يعطون كل ما يريدون، وإنما يعطون بعض ما يتمنون. ومن يحرم من نعيم الدنيا يجمع بين فقر الدنيا وفقر الآخرة. إنهم أي أهل الدنيا يصلون، أي يدخلون جهنم، مذمومين، أي ملومين، مدحورين، أي مطرودين من رحمة الله تعالى، فيكون عذابهم متصفا بصفات ثلاث: الدوام، والإذلال، والطرد من رحمة الله.
وأما الفريق الثاني: فهم المؤمنون الأتقياء أهل الآخرة، الذين يعملون لها ما استطاعوا من القرب والطاعات، وهم مؤمنون مصدّقون بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهؤلاء أهل الكمال المشكورون على طاعتهم المثابون على أعمالهم من ربهم، بسبب ملازمتهم أعمال الخير، والتزام حكم الشرع وطرقه. هذا هو قانون الجزاء الأخروي، أما الرزق في الدنيا فلا يرتبط بالإيمان أو الكفر، وإنما يرزق الله تبارك وتعالى في الدنيا مريدي الآخرة المؤمنين، ومريدي العاجلة الكافرين، ويمدهم بعطائه منها، وإنما يقع التفاضل والتباين في الآخرة، لأنها خير من الدنيا وأدوم وأخلد، أما الدنيا فهي فانية، ولا شأن لها عند الله تعالى، فيكون الرزق المادي فيها لجميع العباد، ولا يضيق رزق الله عن مؤمن ولا عن كافر، فلينظر الإنسان كيف يمدّ الله تعالى بعطائه الدنيوي كلا الفريقين: مريدي الدنيا ومريدي الآخرة، فيمنحهم الله المال والأولاد والصحة والشرف والجاه، والزينة والحظ، والعز في الدنيا، لأنّ الدنيا عند الله تعالى لا تساوي جناح بعوضة.
غير أن الرزق والعطاء الدنيوي متفاوت، متفاضل، يفضّل بعض الناس على بعض في الرزق والمتاع، فقد يعطي الله المال والثروة لكافر، ويمنعه عن كافر آخر،