الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تذرع من قبلهم من الأمم بهذه الذريعة، وسبقهم إلى هذه النزعة الأولون من الكفار، والأمر ليس على ما ظنّوه من أن الله تعالى إذا أراد الكفر لا يأمر بتركه، بل قد أقام الله الأدلة لعباده، على صحة الإيمان والاعتقاد، وأرسل الرسل منذرين، وليس عليهم إلا البلاغ الواضح، وليس عليهم الهداية، والله تعالى لا يجبر أحدا على الهداية أو الضلالة، وإنما يختار الإنسان لنفسه ما يريد، والله سبحانه خلق للإنسان قدرة الاختيار، فلا يصح الاحتجاج بمشيئة الله، بعد أن خلق للناس من قدرة الاختيار ما يكفي.
إن التذرع بمشيئة الله لتسويغ الشرك والانحراف والعصيان شيء باطل، وعلم الله بوقوع الكفر وإرادته في وقوعه من إنسان شيء آخر لا صلة له بأصل الاختيار، فإن كل إنسان مسئول عما يفعل ويختار، وهو يجهل مراد الله، فكان عليه التزام أوامر الشريعة واجتناب نواهيها، ولا يصح له الادعاء بأن الكفر والضلال داخل في مراد الله وعلمه.
مهمة الرسل في الأمم
تعدد إرسال الرسل في الأمم المختلفة، لمهمة مشتركة جوهرية، هي الدعوة إلى عبادة الله، وترك عبادة الأوثان، والإيمان بالبعث واليوم الآخر، وقد جاهد الأنبياء والرسل في إثبات هذه الأصول والمعتقدات، وبيان الأمور المختلف فيها، وتقرير الإرادة الإلهية النافذة التي توجد كل شيء بأمر الله وكلمته التكوينية، وهي: كُنْ فَيَكُونُ.
فآمن جماعة بهذه العقائد وضل آخرون، فخسروا الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى واصفا هذه الأحوال:
[سورة النحل (16) : الآيات 36 الى 40]
وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36) إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (37) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (38) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (39) إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (40)
«1» «2» «3» [النّحل: 16/ 36- 40] .
أبانت هذه الآيات عموم بعثة الرسل لكل الأمم، فكانت سنة الله في خلقه إرسال الرسل إليهم، وتضمنت رسالاتهم الدعوة لعبادة الله وحده، والنهي عن عبادة الطاغوت: وهو كل ما عبد من دون الله من الأوثان والأصنام، والبشر والكواكب، والشيطان وغيرها. فمن الأقوام من آمن وهداهم الله إلى الحق، ووفّقهم لتصديق الرسل، ففازوا ونجوا، ومنهم من كفر بالله وكذبوا رسله، وضلّوا الطريق، فعاقبهم الله تعالى. أما من هداه الله، فإنه نظر ببصيرته وسار في طريق الخير، وأما من حقت عليه الضلالة، وهي المؤدية إلى النار حتما أو إلى عذاب الله في الدنيا، فإنه أعرض عن الحق وكفر واختار طريق الشر.
ثم أحال الله في توجيه علم الفريقين على الطلب في الأرض، فاسألوا أيها البشر عمن خالف الرسل، وكذب الحق، كعاد وثمود، كيف أهلكهم الله بذنوبهم، وانظروا كيف كان مصير المكذّبين رسلهم، لتعتبروا بعاقبتهم.
ثم آنس الله تعالى رسوله وواساه عما يقابل من جحود قومه، فقال له: إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ أي: إن حرصك على هداية قومك لا ينفع، فإنها أمور محتومة، ولا يفيدهم حرصك إذا كان الله قد
(1) كل معبود باطل.
(2)
ثبتت.
(3)
أوكدها.
أراد إضلالهم بسوء اختيارهم، والله لا يهدي من قضى بإضلاله، وأساء الاختيار، وليس لمن اختاروا الضلالة ناصرون ينقذونهم من عذاب الله وعقابه لأن أساس الحساب على الإيمان والكفر هو الاختيار، لا الإكراه والإلجاء.
ثم رد الله تعالى على شبهة خطيرة لمنكري النبوة، وهي إنكار البعث والحشر والنشر والحساب، فلقد أقسم المشركون كفار قريش واجتهدوا في الحلف، وأغلظوا الأيمان على أنه لا يبعث الله من يموت، أي إنهم استبعدوا البعث، وكذبوا الرسل في إخبارهم إياهم به، لأن الميت يفنى ويزول. ذكر أن رجلا من المسلمين جاور رجلا من المشركين، فقال في حديثه:«لا والذي أرجوه بعد الموت» فقال له الكافر: «أو تبعث بعد الموت؟» قال: «نعم» فأقسم الكافر مجتهدا في يمينه أن الله لا يبعث أحدا بعد الموت، فنزلت الاية بسبب ذلك. وقوله تعالى: جَهْدَ أَيْمانِهِمْ معناه بغاية جهدهم.
ردّ الله تعالى عليهم بقوله: بَلى فأوجب بذلك البعث، وقرر وقوعه ثم أكده بمصدرين مؤكدين بقوله: وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا أي بلى، سيكون ذلك، ووعد به وعدا حقا لا بد منه، ولكن أكثر الناس لجهلهم بقدرة الله خالفوا الرسل، ووقعوا في الكفر، وأكثر الناس في هذه الآية: هم الكفار المكذبون بالبعث. والبعث من القبور مما يجوّزه العقل، وأثبته خبر الشريعة على لسان جميع النّبيين.
وحكمة الله في البعث والمعاد هي ليبين الله للناس الحق الذي يختلفون فيه، ويقيم العدل المطلق، فيميز بين الخبيث والطيب، والعاصي والطائع، وقوله سبحانه:
لِيُبَيِّنَ متعلق بقوله: بَلى أي بلى يبعث ليبين، وليعلم الكافرون الذين أنكروا البعث والجزاء أنهم كانوا كاذبين في أيمانهم وأقوالهم وادعائهم أنه لا يبعث الله من يموت.