الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرزق، لأمسكوا عن النفقة، بسبب فقرهم وعجزهم، ولما أعطوا أحدا شيئا بسبب خوفهم من النقص وعدم المال.
والمراد بقوله تعالى: خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي أي خزائن المال والنعم التي تصرف في الأرزاق، والإنفاق المعروف: هو إذهاب المال، وهو مؤد إلى الفقر، فكأن المعنى:
تبخلون خشية عاقبة الإنفاق، وكان طبع الإنسان ومنتهى نظره أن الأشياء تتناهى وتفنى، فلو ملك خزائن رحمة الله لأمسك خشية الفقر.
الآيات التسع لموسى عليه السلام
كان الحجاج عنيفا والصراع قويا على أشده، بين موسى عليه السلام وفرعون ملك مصر، وخليفة هذه الصراع واضحة: هي أن فرعون أراد الحفاظ على ملكه وسلطانه ونفوذه في مصر، وخشي أن ينافسه موسى عليه السلام السلطة، ويحدّ من هيمنته، وتسلّطه على المصريين، وكان لا بد لموسى من إثبات صدقه في ادعاء النبوة، فآتاه الله تسع آيات مشهورة، وآيات أخرى بلغ مجموعها أكثر من أربع وعشرين، وخص الله تسعا منها بالذكر، ووصفها بالبيان ولم يعينها، وهي الخمس المذكورة في سورة الأعراف، وهي: الطوفان، والجراد، والقمّل، والضفادع، والدم، والأربع الأخرى كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: هي السنون (القحط) في بواديهم، ونقص الثمرات في قراهم، واليد، والعصا. قال الله تعالى مبينا تأييد رسوله موسى بهذه الآيات التسع:
[سورة الإسراء (17) : الآيات 101 الى 104]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً (101) قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً (102) فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً (103) وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً (104)
«1» «2» «3» «4» «5» [الإسراء: 17/ 101- 104] .
في معرض جواب المشركين عن اقتراحهم ومطالبتهم بالآيات التعجيزية، قال الله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ.. أي: لقد أمددنا موسى عليه السلام، وأعطيناه تسع آيات بينات، أي دلائل قاطعة على صدق نبوته، وتصديقه فيما أخبر به، حين أرسلناه إلى فرعون وقومه، فلم يؤمنوا بها، فاسأل أيها النبي محمد بني إسرائيل المعاصرين لك كعبد الله بن سلام وصحبه سؤال تأكد وتوثق، حين جاءهم موسى بتلك الآيات، فقال له فرعون: إني لأظنك يا موسى مسحورا، أي سحرك الناس، فكلامك مختل، وما تأتي به غير مستقيم، وصرت مختلط العقل.
قال موسى لفرعون: لقد علمت علم اليقين أن هذه الآيات التسع ما أنزلها خالق السماوات والأرض إلا طرائق يهتدى بها وحججا وأدلة على صدق ما جئتك به، فهي تهدي الإنسان إلى الطريق الحق، وأنها من عند الله، لا من عند غيره.
وإني لأظنك يا فرعون مغلوبا مهلكا. وهذا رد مفحم على اتهام فرعون موسى بأنه قد سحر، ففسد نظره وعقله وكلامه، ومضمون الرد: أن موسى يعلم آيات الله تعالى، وأنه ليس بمسحور، بل محرّر لما يأتي به.
فأراد فرعون أن يستفزهم، أي أن يخرج موسى وقومه بني إسرائيل من أرض مصر
(1) مغلوبا على عقله بالسحر.
(2)
أي طرائق يهتدى بها، وبينات.
(3)
المثبور: المهلك.
(4)
يستخفهم.
(5)
أي جمعا مختلطا قد لفّ بعضه ببعض، فلا تمييز بين القبائل.
بالقتل أو الطرد، فأغرقناه ومن معه جميعا، أي فأهلكناه وجنوده جميعا بالإغراق في البحر.
ونجينا موسى وقومه بني إسرائيل، وقلنا لهم بعد هلاك فرعون: اسكنوا الأرض «1» التي أراد فرعون إخراجكم منها، وهي أرض مصر. فإذا جاء يوم القيامة، جئنا بكم أنتم وعدوّكم جميعا، جمعا مختلطا أنتم وهم، ثم نحكم بينكم وبينهم، وحكم الله عدل مطلق، وحق ثابت دائم.
ويلاحظ أن الله تعالى في هذه الآيات ذكر من قصة موسى مع فرعون طرفي القصة، في البدء والنهاية، فقد أراد فرعون غلبة الإسرائيليين وقتلهم، وهذا كان بدء الأمر، فأغرقه الله تعالى مع جنوده، وهذا كان نهاية الأمر.
وتقرير بداية هذه القصة ونهايتها بإيجاز يملأ النفس رهبة ورعبا، ويوقظ أحاسيس العبرة والعظة في المتأملين المفكرين المتعظين، لأن نبي الله موسى الكليم يدعو إلى الحق، وتوحيد الله، وترك الظلم الغاشم للرعية، وفرعون المتسلط يتمسك بعز السلطة وكبرياء الحكم، ويترفع عن التنزل لمستوى موسى وقومه، ولكن الله بالمرصاد بنصر رسله وأنبياءه وأتباعهم أهل الإيمان، ويهزم ويخذل أعداء الرسل وقواعد الظلم وعروش الظلمة، وهذه هي سنة الله في عباده، يؤيد الحق وأهله، ويمحق الباطل وأعوانه وجنده، وأكد التاريخ هذه السنة، حيث يبقى أهل الصلاح والاستقامة، وتطوى من التاريخ صحف المفسدين الظالمين المتكبرين.
(1) متى ذكرت الأرض عموما، فإنما يراد بها ما يناسب القصة المتكلم فيها، وقد يحسن عمومها في بعض القصص.