الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولما يئس نوح من إجابة دعوته إلى توحيد الله وهجر عبادة الأوثان، على الرغم من صبره على هذه الدعوة ألف سنة إلا خمسين، فلم يؤمن معه إلا القليل، لما يئس أوحى الله إليه أن يدعو ربه لنصره عليهم، فقال نوح: يا ربي انصرني على هؤلاء القوم الضالين، وأهلكهم بسبب تكذيبهم إياي، وهذا يقتضي طلب إنزال العقوبة بهم، وهو آخر الدواء، ووسيلة الخلاص من وباء الشرك والوثنية، كما قال الله تعالى: فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10)[القمر: 54/ 10] .
صناعة السفن في عهد نوح عليه السلام
حينما يئس نوح عليه السلام من هداية قومه، وإرشادهم إلى توحيد الله تعالى، وترك عبادة الأوثان، أوحى الله تعالى إليه بالدعاء بنصره عليهم، فدعا عليهم، وأوحى الله إليه أيضا الإعداد لنجاته مع أهله الذين آمنوا بدعوته عن طريق صناعة سفينة يركبونها، ويتخلصون من الطوفان الذي يغرق القوم الكافرين، ويمحو آثارهم، وكان نوح عليه السلام نجارا، علّمه الله بالوحي والإلهام، كيف يصنع في صنع السفينة، لتكون أداة صالحة، يتحقق بها النجاة والأمن والسلام، وهذا ما تصرح به الآيات التالية:
[سورة المؤمنون (23) : الآيات 27 الى 30]
فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (29) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30)
«1» «2» «3» «4» «5» [المؤمنون: 23/ 27- 30] .
(1) الفلك هنا مفرد، لا جمع.
(2)
برعايتنا.
(3)
تنور الخبز.
(4)
إنزالا.
(5)
لمختبرين عبادنا.
من أجل إنجاء نوح عليه السلام ومن آمن معه، أمره الله أن يصنع السفينة بحفظ الله ورعايته، وتعليمه وإرشاده، فكان جبريل عليه السلام يقول له: اصنع كذا وكذا، لجميع عمل السفينة، وما يحتاج إليه، فاستجنّ الكفار نوحا لادعاء النبوة، وسخروا منه لعمله السفينة على غير العادة الجارية، أو لكونها أول سفينة، فقوله تعالى: بِأَعْيُنِنا يراد به الإدراك.
فإذا جاء أمرنا، أي حان وقت قضائنا بالعذاب والهلاك، ونبع الماء من تنور الخبز، الذي جعل أمارة كانت بين الله تبارك وتعالى وبين نوح عليه السلام، فاحمل في السفينة زوجين مزدوجين: ذكر وأنثى من كل صنف من الحيوان والنبات والثمر وغير ذلك، واحمل فيها أيضا أهل بيتك، وكل من آمن معك، إلا من سبق عليه القول من الله بالهلاك: وهم الذين لم يؤمنوا به من أهله، كابنه وزوجته، وهو كنعان وأمه. فقوله تعالى: فَإِذا جاءَ أَمْرُنا أي إهلاكنا للكفرة. وقوله: فَاسْلُكْ معناه: فأدخل.
وقوله: مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ الزوجان: كل ما شأنه الاصطحاب من كل شيء، كالذكر والأنثى من الحيوان والنّعال وغير ذلك، والمراد به في الحساب العددي:
الاثنان.
ثم نهى الله تعالى نوحا عن الاسترحام بقوله: وَلا تُخاطِبْنِي.. أي ولا تسألني، ولا تتشفع في الذين كفروا، ولا ترأف في قومك، فإني قضيت أنهم مغرقون، بسبب كفرهم وطغيانهم.
فإذا استقرّ بك وبمن معك من المؤمنين المقام في السفينة، فقل معهم: الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين، أي أنقذنا من هؤلاء الكافرين المشركين الظلمة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان في السفينة ثمانون إنسانا، نوح وامرأته سوى التي