الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المهديين الراشدين بالبشارة الكريمة بقوله: وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ أي وبشر أيها النبي بالجنة والرضوان أهل الإحسان في العمل، القائمين بحدود الله، المتبعين ما شرع الله، الطائعين أوامر الله، المصدقين رسول الله فيما بلّغهم، وحذرهم وأنذرهم، وكل ما جاءهم به من عند الله عز وجل.
روي أن قوله تعالى: وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ والآية التي قبلها: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) نزلت في الخلفاء الراشدين الأربعة رضي الله تعالى عنهم، لكن ظاهر اللفظة يقتضي العموم في كل محسن، متواضع خاشع لله رب العالمين.
الإذن بالقتال ضد الأعداء
إن المنهج الرباني في علاج الأمور الشاذة والانحرافات الخطيرة قائم على غاية الحكمة والاعتدال، والتأني والإمهال، فلم يعجل الله البدء بقتال المشركين أنصار الوثنية والضلال، وإنما صبر عليهم مدى خمسة عشر عاما، ليكون للعقل والفكر وإعمال الرأي والقناعة الدور المهم في القضايا، ولتبدأ الأمة الإسلامية قوية ناشطة، معذورة في كل ما تؤديه من واجبات، لأن لغة السيف وقعقعة السلاح إنما تكون حين استفحال العدوان، واليأس من الصلاح والاستقامة، وهذا المنهج هو الذي نجده في ساحة التشريع الإلهي بالإذن بمشروعية القتال، بعد طول الصبر والمصابرة، والدفع بالحكمة والحسنى، فقال الله تعالى:
[سورة الحج (22) : الآيات 38 الى 41]
إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)
«1»
(1) خائن للأمانة.
«1» «2» «3» [الحج: 22/ 38- 41] .
نزلت آية إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ بسبب المؤمنين لما كثروا بمكة، وآذاهم الكفار، وهاجر من هاجر إلى أرض الحبشة، وأراد بعض مؤمني مكة أن يقتل من أمكنه من الكفار، ويغتال ويغدر ويحتال، فنزلت هذه الآية.
ونزلت آية: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ كما
روى أحمد والترمذي وغيرهما عن ابن عباس قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، فقال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إن لله وإنا إليه راجعون! ليهلكن، فأنزل الله: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) .
والمعنى: إن الله يدفع الشر عن عباده المصدقين بوجوده ووحدانيته، وبما أنزل على رسوله الكريم، الذين توكلوا عليه حق التوكل، وإن الله سبحانه يسخط على خائن العهد والأمانة، وجاحد النعمة والفضل. وكلمة «يدافع» في مواجهة من يتعرض للمؤمنين بالأذى، فيكون فعل الله مدافعة عنهم. وقيل: إن «دفاع» : مصدر دفع، والحساب: مصدر حسب.
وقد أبيح أو رخص للمؤمنين المعتدى عليهم بممارسة القتال، ضد ظلم المشركين إياهم، بإخراجهم من ديارهم وأموالهم، واستمرار إيذائهم، واضطهادهم، ومبادرتهم بكل أنواع التعذيب والمضايقة، وإن الله وحده قادر على نصر أهل الإيمان، إذا التزموا سبيل الطاعة.
(1) معابد الرهبان. [.....]
(2)
كنائس النصارى.
(3)
معابد اليهود.
إن هؤلاء المؤمنين بالله ورسوله المعتدى عليهم: هم الذين أخرجهم المشركون من مكة إلى المدينة بغير حق، وهم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولم يكن منهم إساءة إلى قومهم، ولا ذنب إلا أنهم عبدوا الله وحده لا شريك له، فيكون أول أسباب مشروعية الجهاد أو القتال في الإسلام: هو الطرد من الأوطان بغير حق، ثم الدفاع عن حرية العبادة في الأرض، وحماية المقدسات.
ثم ذكر الله تعالى السّنة الثابتة للإله: وهي سنة التدافع، من أجل الحفاظ على مبدأ التوازن بين البشر، فلولا أنه تعالى يدفع بقوم عن قوم، ويكف شرور جماعة بآخرين، ولولا تشريع القتال دفاعا عن الوجود المؤمن والحرمات الإلهية، لهدّمت مواطن العبادة، سواء أكانت معابد لليهود أم النصارى أم للمسلمين.
ثم أكد الله تعالى صنعه أنه ليؤيدن بنصره الذين يقاتلون في سبيل إعلاء كلمة التوحيد، ورفع لواء الدين الحق، إن الله سبحانه هو القوي القادر على نصر أهل طاعته، المجاهدين في سبيله، العزيز المنيع الذي لا يقهر، ولا يغالب، فمن غالبة غلبه، ومن عاداه خذله وقهره.
والجديرون بالنصر: هم الذين إن مكنّهم الله في الأرض، وحقق لهم السلطة على الناس، ومنحهم النفوذ والهيمنة، قاموا بأمور أربعة: وهي إقامة الصلاة المفروضة على الوجه الأكمل، وإيتاء الزكاة الواجبة، والأمر بالمعروف (وهو فعل كل ما أمر به الله شرعا، وحسن عقلا) والنهي عن المنكر (وهو اجتناب كل ما حظر شرعا، وقبح عقلا) فدعوا إلى توحيد الله وإطاعته، ونهوا عن الشرك وقاوموا أهله، والمرجع في الأمور كلها إلى حكم الله العلي القدير، وإلى تقديره في منح الثواب، وتنفيذ العقاب على ما عملوا، وفي هذا تأكيد لوعد الله تعالى بنصر أوليائه، وإعلاء كلمته، وخذلان أعدائه.