الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وورد في الصحيحين: «إن أهل علّيين ليرون من فوقهم، كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء، لتفاضل ما بينهم، قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء؟
قال: بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله، وصدقوا بالله، وصدقوا المرسلين»
وفي السّنن: «وإن أبا بكر وعمر لمنهم وأنعما» .
تلك الدرجات العلى في جنات عدن، أي إقامة دائمة، تجري من تحت غرفها الأنهار، ماكثين فيها أبدا، وذلك الفوز الذي أحرزوه جزاء من طهّر نفسه من دنس الكفر والمعاصي الموجبة للنار، واتّبع المرسلين فيما جاؤوا به من عند الله العلي القدير. فليهنأ سحرة فرعون، إنهم آمنوا في جو من الإرهاب، وفي ميادين التعذيب والجلد والتقطيع، وإيمان كهذا له منزلته العظمى، وهو دليل على قوته وثباته، وأنه لا يخامره أي شك أو شبهة، فاستحقوا بذلك الدرجات العلى.
إغراق فرعون وجنوده في البحر
إن أكبر عظة للمتغطرسين المتألهين: ما حدث لفرعون الطاغية الذي ادعى الربوبية والألوهية، فكان مصيره الإغراق هو وجنوده في البحر، وإنجاؤه بجسده، ليراه الناس، ويكون لمن خلفه عبرة وعظة، وكان الإغراق حدثا عجبا، لم يكن بإغراق باخرة، ولا بدحر جيش، وإنما تم استدراجه بطريق يبس أوجده الله لموسى وقومه، فنجوا، فتبعهم فرعون وجنوده فيه، فأطبق عليهم الماء، وهلكوا جميعا. قال الله تعالى مبينا هذا الحادث العجيب:
[سورة طه (20) : الآيات 77 الى 82]
وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى (77) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (78) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى (79) يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى (80) كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى (81)
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى (82)
«1» «2»
(1) سر بهم ليلا من مصر.
(2)
جافا.
«1» »
«3» «4» «5» «6» «7» [طه: 20/ 77- 82] .
لما انقضى أمر السحرة، وغلب موسى وقوي أمره، وعده فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل، فأقام موسى عليه السلام على وعده، حتى غدر به فرعون، ونكث وعده، وأعلمه أنه لا يرسلهم معه، فبعث الله تعالى الآيات على فرعون وقومه، وهي الجراد والقمّل وغيرها، وبعد هذا الآيات أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن يخرج ببني إسرائيل من مصر، في الليل ساريا. والسّرى: سير الليل. والآيات تدوّن هذه المسيرة. ومفادها: ولقد أوحينا إلى النبي موسى أن يسير ببني إسرائيل من مصر ليلا، دون أن يشعر بهم أحد، وأمرناه أن يتخذ لهم طريقا في البحر (البحر الأحمر) يابسا، لا ماء فيه ولا طين، وقلنا له: أنت آمن، لا تخاف دركا، أي إدراكا ولحوقا بكم، ولا تخشى أن يغرق البحر قومك، وكان هذا الإنقاذ حينما كان قوم موسى قوما صالحين، لذا عبر عنهم بقوله تعالى: أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي.
فتبعهم فرعون وجنوده في الطريق اليابس في أرض البحر بقدرة الله، فغشيهم من البحر ما غشيهم، حيث أطبق عليهم ماء البحر، وتكرار (غشيهم) للتعظيم والتهويل.
وأضل فرعون قومه عن سبيل الرشاد، وما هداهم إلى طريق النجاة، حينما سلك
(1) لا تخشى إدراكا ولحاقا.
(2)
علاهم.
(3)
مادة حلوة كالعسل.
(4)
الطائر المعروف بالسّماني.
(5)
لا تكفروا بالنعم. [.....]
(6)
فيقع عليكم ويلزمكم.
(7)
هلك.
بهم في الطريق ذاته الذي سلكه بنو إسرائيل في وسط البحر. ثم عدد الله نعمه الكثيرة على بني إسرائيل وذكر هنا ثلاث نعم كبري وهي:
1-
قلنا: يا بني إسرائيل، قد أنجيناكم من عدوكم فرعون الذي كان يذبّح أبناءكم، ويستحيي نساءكم، وأقررنا أعينكم حين أغرقت أعداءكم، وأنتم تنظرون إليهم، فإنهم غرقوا في صبيحة واحدة، لم ينج منهم أحد، كما جاء في آية أخرى:
وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [البقرة: 2/ 50] .
2-
وجعلنا لكم ميقاتا وهو جانب جبل الطور الأيمن في سيناء لتكليم موسى بحضرتكم، وإنزال التوراة ذات الشريعة المفصلة، وأنتم تسمعون الكلام الذي يخاطبه به رب العزة. قال المفسرون: ليس للجبل يمين ولا يسار، بل المراد أن طور سيناء عن يمين من انطلق من مدين إلى مصر.
3-
ونزلنا تنزيلا عليكم المن والسلوى، وأنتم في التيه. أما المن: فهو حلوى كانت تنزل عليهم من الندى من السماء، من الفجر إلى طلوع الشمس، على الحجارة وورق الشجر، وأما السلوى: فهو طائر السّماني الذي تسوقه ريح الجنوب، فيأخذ كل واحد منكم ما يكفيه.
وقلنا لكم: تنعموا بالأكل من تلك الطيبات المستلذات من الأطعمة الحلال، ولا تتجاوزوا ما هو جائز إلى ما لا يجوز، ولا تجحدوا نعمة الله فتكونوا طاغين، فينزل بكم غضبي وعقوبتي. ومن ينزل به غضبي فقد شقي وهلك. وإني لغفار وستّار لمن تاب من الذنوب، وآمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولمن عمل عملا صالحا أمر به الشرع وحسّنه، ثم اهتدى واستمر في منهجه، واستقام على ذلك الطريق حتى يموت. والمطلوب هو الاستمرار على منهج الحق والاستقامة لأن المهتدي في الحال لا يكفيه للنجاة حتى يستمر عليه في المستقبل. فقوله تعالى بعد الإيمان