الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلقة، فلا رادّ لقضائه، ولا معقب لحكمه، إنه سبحانه يدخل المؤمنين الجنة بحق وعدل، ويدخل الكافرين النار بحق وعدل، المؤمنون بسبب إطاعتهم لله تعالى، والكافرون بسبب عصيانهم أوامر الله تعالى.
إن بيان أحوال هذه الفئات الثلاث والموازنة بينهم، يكون خير ترجمان عن واقع الناس، وعن مصائرهم يوم القيامة، فهل من تفكير بإيمان صحيح، وهل من مسعى حميد نحو الطاعة، والفرار من المعصية؟
مناقشة اليائس من النصر
جرت العادة أن كل رسول أو سفير عن غيره يكون محميا ومؤيدا بقوة وسلطان من أرسله، ليتمكن من أداء مهمته على الوجه الأكمل، ويعود سالما غانما إلى مقره ووطنه، والله تعالى أشد غيرة وأعظم سلطانا وتأييدا لرسله الذين بعثهم لهداية البشرية، فيحميهم من أعدائهم، وينصرهم على مخالفيهم في نهاية الأزمة والمحنة، لذا وبخ الله تعالى أولئك الفئة من الناس وهم ضعاف الإيمان أو عديمو الإيمان على ما طرأ عليهم من القلق، وعلى ظنهم أن الله تعالى لن ينصر محمدا عليه الصلاة والسلام وأتباعه، وأبان الله لهم أنه سبحانه أمر نبيه ومن آمن معه بالصبر وانتظار الوعد الإلهي، وأنزل على رسوله الآيات البينات التي يبلغها لقومه، وللناس أجمعين، فقال الله تعالى:
[سورة الحج (22) : الآيات 15 الى 16]
مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ (15) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (16)
»
«2» «3» «4» «5» [الحج: 22/ 15- 16] .
(1) ينصر الله رسوله.
(2)
بحبل.
(3)
الجمهور على أن القطع هنا هو الاختناق.
(4)
صنيعه بنفسه.
(5)
في موضع خبر الابتداء، والتقدير: والأمر أن الله يهدي من يريد.
أبان الله تعالى في هاتين الآيتين الكريمتين أمرين مهمين: وهما نصرته رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، لييأس المجادلون الانهزاميون العابدون الله على حرف (أي شك وضعف في العبادة) الظانون أن الله تعالى لن ينصر رسوله.
والأمر الثاني: إنزاله القرآن آيات واضحات ترشد إلى الحق والصواب.
والمعنى: يقول الله تعالى: نحن أمرنا رسولنا والمؤمنين بالصبر على الدعوة إلى الله، وانتظار وعدنا، فمن ظن غير ذلك، وأننا لن ننصر محمدا صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، فليمدد بسبب إلى السماء، أي بحبل إلى سقف بيته، وليختنق به، ولينظر وليتأمل في نفسه: هل يذهب بذلك غيظه من نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ كلا، وهذا الكلام على جهة المثل السائر، وهو قولهم:«دونك الحبل فاختنق» يقال ذلك للذي يريد من الأمر ما لا يمكنه. وسمي الاختناق قطعا لأن المختنق يقطع حياته. وسمي فعله وهو نصب المشنقة «كيدا» استهزاء، لأنه لم يكد به محسوده، وإنما كاد به نفسه، ولم يقدر على غيره.
والمراد من هذا المثل المتحدي به: أن الله تعالى ناصر بالتأكيد دينه وقرآنه ورسوله، لا محالة من ذلك، فليفعل أهل الغيظ ما شاؤوا.
قال ابن عطية رحمه الله: أبين وجوه هذه الآية أن تكون مثلا، ويكون النصر هو النصر المعروف، والقطع: الاختناق، والسماء: الارتفاع في الهواء بسقف أو شجر أو نحوه.
ثم أردف الله تعالى بيان ذلك المثل ببيان آخر، حول القرآن العظيم، والمعنى:
وكما وعدنا رسولنا بالنصر، وأمرناه بالصبر، كذلك أنزلنا القرآن آية بيّنة واضحة، لمن نظر واهتدى، يتعظ بها المعتبر، ويتأمل بها الواعي المتعظ، لا ليقترح معها شيء آخر، ويستعجل القدر، فإن إنزال كل شيء بحكمة وميعاد، وفي الوقت المناسب