الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[سورة الرعد (13) : الآيات 17 الى 19]
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ (17) لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (18) أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (19)
«1» «2» «3» «4» «5» [الرّعد: 13/ 17- 19] .
هذه الآيات مثال واضح للحقّ والباطل، والإيمان والكفر، والشّك في الشّرع واليقين به، والحقّ هو القرآن والإيمان في ثباته ونفعه، والباطل هو الكفر في الاضمحلال والفناء. ومثل الحق كالمطر النازل من السماء الذي تسيل منه الأودية غزارة وضعفا بحسب صغرها وكبرها أو مقدارها، والقلوب كهذه الوديان تتفاوت في استيعاب الإيمان سعة وضيقا، وهذا هو الثابت النافع، وأما زبد السّيل الطّافي فوقه، فهو مثل الباطل في زواله وانعدام نفعه.
والمثل الثاني: هو أن الحقّ كالمعدن النافع من ذهب أو فضّة ونحوهما من المعادن التي يستفاد منها فوائد كثيرة، والباطل: هو ما يعلو تلك المعادن من شوائب وأخلاط طافية عند انصهارها أو إذابتها في النار.
وعقّب الله تعالى على المثلين بقوله: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ أي إن التشبيه المذكور مثل الحقّ والباطل إذا اجتمعا، فالحق في استقراره ونفعه كالماء المستقرّ النافع، وكالمعدن النّقي الصّافي. والباطل في زواله وعدم نفعه كالرغوة التي يقذفها السّيل على جوانبه، وكشوائب المعدن التي يطرحها ويتخلّص منها عند انصهاره،
(1) بمقدارها.
(2)
الزّبد: الرّغوة. ورابيا: مرتفعا.
(3)
الخبث الطّافي عند إذابة المعادن.
(4)
مرميا به مطروحا.
(5)
بئس المستقرّ جهنم.
فيبقى الحقّ ويثبت، ويزول الباطل ويتبدّد. وما أجمل وأحكم هذا التشبيه وبيان النتائج، فأما الزّبد الطّافي فوق الماء فيزول ويقف على جانبي السّيل وفوق قدور المراجل، وأما النافع من الماء والمعدن فيبقى مستقرّا في الأرض، فيشرب الإنسان والحيوان والنبات والزرع من الماء، وتستفيد البشرية من المعادن الصافية بالحلي والصناعات المختلفة.
وعقّب الله تعالى على استقرار النافع وتبدّد الضّار بقوله: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ أي إنه تعالى كما بيّن لكم هذه الأمثال، فكذلك يضربها بيّنات واضحات، لإيضاح الفارق المتميّز بين الإيمان والكفر، والحق والباطل.
والقرآن الكريم يجسّد الحق ونور الإيمان بإحياء القلوب، كما يحيي الماء الأرض بعد موتها ويبسها، وكما ينفع المعدن النّقي الناس في منافع كثيرة. وأما الكفر والضّلال والشّرك، فهو عديم النفع سريع الزوال، ويتبدّد فورا. وما ضرب هذا المثل إلا لخير الإنسان الذي كرّمه الله بالعقل ليختار النافع وهو الإيمان، ويترك الضّارّ المتلاشي وهو الكفر، فيكثر أهل الحق والإيمان بالحق والنّور، ويضعف أهل الضلال والكفران بالباطل والظلام.
ثم ذكر الله تعالى مصير أهل الحق وأهل الباطل، ومآل السعداء والأشقياء، ترغيبا وترهيبا، فقال: لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى أي إن الذين يطيعون الله ورسوله، وينقادون لأوامره، ويصدّقون أخباره، لهم الجزاء الحسن ونعيم الجنة، والخلود الأبدي في دار النعيم. والذين لم يستجيبوا لربّهم، فلم يطيعوا الله ورسوله، لا ينفعهم الفداء في الآخرة بجميع ما في الدنيا من أموال وأضعاف ما فيها، فلا يمكنهم أن يفتدوا من عذاب الله بملء الأرض ذهبا ومثله معه. ولو كان لهم كل ما في الدنيا، وقدّموا فداء من العذاب، لا يتقبّله الله منهم على الإطلاق. أولئك الذين