الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الظاهر للعيون والذي لا ينضب. والراجح أن الربوة في بيت لحم من بيت المقدس، لأن ولادة عيسى عليه السلام كانت هناك، وحينئذ كان الإيواء والاستقرار.
مناهج الحياة
الهدي الإلهي يعنى عناية شديدة بتحقيق العزة والاستقرار، والقوة وتقدم المجتمعات، فيشرع للناس من أجل هذه الغايات الجوهرية العناية بقوة الأجساد وصحتها، من طريق تناول الطيبات المستطابات المباحات، ونقاء الحياة بعمل الصالحات، وتماسك البنية الاجتماعية، وتكتل الأمة المؤمنة من طريق الوحدة والتعاون والعمل المشترك، سواء في مجال الاقتصاد، أو السياسة، أو الاجتماع، أو العلاقات الخارجية. ويدفع الوحي الإلهي كل تفريط أو تقصير أو تهاون في تحقيق هذه الغايات الكبرى. قال الله سبحانه مبينا مناهج الحياة السوية:
[سورة المؤمنون (23) : الآيات 51 الى 56]
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (54) أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (55)
نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (56)
«1» «2» «3» «4» «5» [المؤمنون: 23/ 51- 56] .
يوصي الحق تبارك وتعالى أهل الإيمان بجملة مبادئ في الحياة: وهي الأكل من الحلال، والعمل بصالح الأعمال، ووحدة الدين والأمة، ولا يسمح شرع الله بالفرقة والتمزق، فذلك سبيل الشيطان، والطريق إلى الخسارة والضياع.
أما الأكل الحلال: فهو قوام الأبدان السوية، فيأمر الله به الرسل مبتدئا في رأي
(1) ملتكم وشريعتكم.
(2)
تفرقوا في دينهم. [.....]
(3)
أي قطعا وأحزابا مختلفة.
(4)
جهالتهم.
(5)
ما نجعله مددا لهم.
جماعة بعيسى عليه السلام وانتهاء بمحمد صلى الله عليه وسلم للصلة القريبة بينهما، وتتابع مهمتهما، وكون أحدهما أتى مباشرة بعد الآخر، أمرهما بالأكل من الطيبات: الحلال بلذة وبغير ذلك والمشهور أن عيسى عليه السلام كان يأكل من بقل البرية. والخطاب في الراجح وإن كان في هذه الآية لمحمد صلى الله عليه وسلم، فيراد به التنبيه إلى أن هذه المقالة قد خوطب بها كل نبي، أو هي طريقتهم التي ينبغي لهم البقاء عليها، كما تقول لتاجر: يا تجار ينبغي أن تجانبوا الربا، فهو خطاب له بالمعنى.
وأردف الله الأمر بالحلال بالأمر بالعمل الصالح، لا لأن الأنبياء كانوا مقصرين بالعمل الصالح، وإنما للإفادة بأنهم ملازمون للعمل الصالح، فيقتدي بهم الناس.
والعمل الصالح: اتباع الفرائض واجتناب النواهي.
وأما في مجال الأفق الديني والسياسي: فإن الله أمر الناس بوحدة الدين والملة والسياسة، لأن دين الأنبياء دين واحد وملة واحدة، وهو الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له. وهذا شيء متفق عليه بين جميع الأنبياء، وأما اختلاف الفروع والجزئيات من شرائع وأحكام فرعية، فهو بحسب اختلاف الزمان والحال، وهذا لا يسمى اختلافا في الدين. وأما الاختلاف الواقع بين أتباع الدين والأنبياء فإنما نشأ من أنفسهم، فهم الذين فرّقوا أمر الدين، وقطّعوه ومزّقوه، وصاروا فرقا وأحزابا، كل حزب بما لديهم فرحون، أي معجبون بما هم عليه، معتقدون أنه الحق الأسدّ، وأنهم مهتدون راشدون. وهذا ذم صريح للتفرق، وتوبيخ وتوعد عليه. لذا أمر الله نبيه بقوله: فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (54) أي دعهم واتركهم في جهالتهم وضلالهم إلى حين موتهم ورؤيتهم أمارات العذاب، كما جاء في آية أخرى: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3)[الحجر: 15/ 3] .
وزيادة في اللوم، يعاتب الله تعالى هؤلاء المفرّقين دين الأنبياء، ومضمون ذلك