الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حاجّ موسى آدم، فقال له: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك، وأشقيتهم؟ قال آدم: يا موسى: أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمر كتبه الله علي، قبل أن يخلقني، أو قدّره الله علي قبل أن يخلقني؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فحجّ آدم موسى» .
إن معصية آدم وغوايته، أي بعده عن الرشد، لم تكن بتصميم وعزم، وإنما صدرت منه في حال النسيان للأمر الإلهي، ليترتب على ذلك الإخراج من الجنة، وتوالد البشرية، وعمارة الكون بالناس.
إنزال آدم إلى الدنيا
رحمة الله تعالى بعباده تسبق دائما غضبه، فالإنسان يخطئ ويصيب، بسبب نسيانه وضعفه وتغلب شهواته عليه، ولكن المؤمن العاقل سرعان ما يبادر إلى التوبة والإنابة، والاستقامة والاستغفار من سوء فعله، وتورّطه في مخالفة أمر ربه، والله تعالى بلطفه وكرمه وفضله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وهكذا حدث لآدم عليه السلام، عصى ربه نسيانا لا عمدا، ليتم تقدير الله، ولكن كان جزاؤه بالحق والعدل، ثم اجتباه ربه وهداه لصالح الأقوال والأفعال، وأنزله من علياء الجنان إلى قيعان الدنيا ومعكراتها، وهذا ما وصفته الآيات التالية:
[سورة طه (20) : الآيات 122 الى 127]
ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى (122) قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (124) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (125) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (126)
وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى (127)
«1» «2»
(1) اصطفاه للنبوة.
(2)
ضنكا أي معيشة ضيقة ومعاناة.
[طه: 20/ 122- 127] .
تضمنت هذه الآيات لآدم عليه السلام أمورا ثلاثة: الرجوع به من حال المعصية إلى حال الندم، وهدايته لصالح الأقوال والأعمال، وإمضاء عقوبته عز وجل في إهباطه من الجنة إلى عالم الدنيا. وفي الدنيا إنذار لآدم وذريته، فحواه أن المستقيم على أمر الله يلقى السعادة، والمعرض عن ذكر الله يتلقى ألوان المعيشة الشديدة المتعبة.
والمعنى: لقد اصطفى الله تعالى آدم عليه السلام وقرّبه إليه، بعد أن تاب من المعصية (وهي الأكل من الشجرة التي نهاه الله عنها) وطلب المغفرة من ربه، وأقر بأنه قد ظلم نفسه، فتاب الله عليه من غلطته، وهداه إلى التوبة وإلى سواء السبيل.
ثم قال الله تعالى لآدم وزوجه حواء: انزلا من الجنة إلى الأرض معا، بعضكم يا معشر البشر في الدنيا عدو لبعض، في شأن المعاش وتنافس الدنيا وأطماعها، مما يؤدي إلى وقوع الخصام والاقتتال.
فإن يأتكم أيها البشر مني هدى، بوساطة الأنبياء والرسل، وإنزال الكتب المنذرة والمبشرة، فمن اتبع هدى ربه وآمن به، فإنه لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة.
ومن أعرض عن ذكر الله وكفر به، فإن له معيشة ضنكا، أي معيشة نكدة شاقة في المنازل، أو في الحروب ونحوها، ووقت هذه المعيشة في عالم الدنيا قبل يوم القيامة.
والمعنى: أن المعرض عن ذكر الله وهو الكافر، وإن كان متسع الحال والمال، فمعه من ألوان الحرص والقلق والهموم والتعذيب النفسي في أمور الدنيا أو في البرزخ في القبر، ما يصيّر معيشته ضنكا وشدة، فتكون العبرة بسعادة النفس وراحة البال والاطمئنان. ثم نحشره ونبعثه في الآخرة أعمى البصر والبصيرة، تائه الدرب، متخبطا في ألوان العذاب يوم القيامة.