الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وانتهت القصّتان بإعلان أن الفئة المؤمنة قليلة، وأن الله ذو العزّة والقوة الغالبة، والرّحمة أيضا، وذلك بعبارة: وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ وهي العبارة نفسها التي انتهت بها سابقا قصة موسى مع فرعون، وقصة إبراهيم مع قومه، وتنتهي بها أيضا قصص الأنبياء الآخرين: وهم صالح مع قومه ثمود، ولوط مع قومه، وشعيب مع أصحاب الأيكة. وهذه آيات تخبر عن قصة هود مع قومه:
[سورة الشعراء (26) : الآيات 123 الى 140]
كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (127)
أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (132)
أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135) قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ (136) إِنْ هذا إِلَاّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137)
وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (138) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (139) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (140)
«1» «2» «3» «4» «5» «6» [الشّعراء: 26/ 123- 140] .
افتتحت هذه الآيات في خبر هود عليه السلام بما افتتحت به الآيات في خبر قوم نوح بعبارات ست متشابهة هي: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) الآيات، وكَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) الآيات، وعاد: قبيلة عربية عاتية، كانوا يسكنون الأحقاف:
وهي جبال الرمل قرب حضرموت في بلاد اليمن، وهم في الزمان بعد قوم نوح.
لقد كذّبت عاد رسولها هودا عليه السلام، حين قال لهم أخوهم في النّسب القبلي:
ألا تتّقون عذاب الله، إني لكم رسول أمين على رسالتي من عند الله، فاتّقوا الله فيما
(1) الرّيع: المرتفع من الأرض.
(2)
بناء شامخا كالعلم.
(3)
ببنائها.
(4)
حصونا.
(5)
أنعم عليكم.
(6)
عادتهم.
أمر به، وانتهوا عما نهى عنه، وأطيعوني فيما آمركم وأنهاكم عنه، يصلح حالكم، وتسعدون سعادة في دنياكم وآخرتكم ولا أطلب منكم على تبليغ رسالتي أجرا أو عوضا، ولا أطلب جاها، إن ثوابي وجزائي على الله، لو علمتم ذلك، ولكنهم كذّبوه وآذوه. وهذه العبارات بذاتها جاءت على لسان نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، للتنبيه على وحده الهدف، ووحدة رسالات الأنبياء في الدعوة إلى توحيد الله وطاعته، وترك عبادة ما سواه. ثم عاب هود عليه السلام قومه في أمور ثلاثة وهي:
- أتعمرون بكل مكان مرتفع بنيانا شامخا، علامة على العزّة والقوة، وتفعلون ذلك عبثا لمجرد اللعب واللهو وإظهار القوة، لا للحاجة إليه.
- وتتّخذون مباني مصنّعة ومتقنة البناء، من قصور مشيدة، وحصون منيعة، على أمل الخلود فيها، ورجاء السكنى والانتفاع بها على الدوام، مع أنكم مرتحلون عنها.
- وإذا بطشتم بغيركم في تعاملكم معهم، والبطش: الأخذ بقوة وسرعة، بطشتم بطش الجبابرة، أي المتكبّرين العتاة.
فاحذروا عقاب الله الذي أمدّكم بما تعلمون من النّعم الوفيرة، ورزقكم بالأنعام (الإبل والبقر والغنم) والأولاد الكثيرة، وأوجد لكم البساتين الغنّاء، والعيون الجارية بالماء العذب، فاجعلوا مقابل هذه النّعم عبادة الله المنعم بها، لتكونوا أوفياء للمعروف.
وإني أخشى عليكم إن كذبتم، وخالفتم وأصررتم على الكفر عذاب يوم شديد الأهوال.
فأجابه قومه: يستوي عندك وعظك لنا وتحذيرك إيانا، وعدم الوعظ، فإنا لا نفارق ما نحن عليه. وما جئت به من دعوة ما هو إلا اختلاق السابقين، وافتراؤهم وكذبهم، فأنت على منهاجهم، ولسنا نحن بمعذّبين أبدا، خلافا لما تقول.