الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدائم: وهو اللوح المحفوظ وعلم الله الشامل الذي لا يتغير في حقّه، وإن تبدّل في حقّ بني آدم، فتلك الأشياء المقدرة في الأزل، التي دونت في أم الكتاب، لا يصح فيها محو ولا تبديل لأن القضاء سبق بها وهي ما استقرّ في نهاية الأمر، وإن تغيّرت مسيرته. فأمّ الكتاب: هو ديوان الأمور المخزونة التي سبق القضاء فيها بما هو كائن من غير تبديل.
الأمر بتبليغ الرّسالة
لكل رسول من الرّسل الكرام مهمة واضحة ووظيفة محددة، من أجل صالح البشرية، وتصحيح مسيرتها، ووضع الأنظمة الملائمة لحياتها، وإذا تحققت هذه المهمة أو الوظيفة، أصبح مضمونها حجة على البشر، ووجب عليهم العمل بها، والتزام ما جاء فيها، لخيرهم وإسعادهم. وفي عالم الآخرة: الحساب والجزاء على ما يقدمه الناس من خير أو شرّ، ولا ينفع مكر أو كيد، أو إنكار وإهمال، أو هروب من المسؤولية. قال الله تعالى:
[سورة الرعد (13) : الآيات 40 الى 43]
وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (40) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (41) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (42) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (43)
«1» [الرّعد: 13/ 40- 43] .
يحدّد الله تعالى في هذه الآيات موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من ألوان طلبات المشركين
(1) لا رادّ ولا مبطل له.
العنادية، تبيانا للواقع، وتهدئة لنفس النّبي، ووعدا بنصره. وهذا الموقف يتجلى في أنه إن أريناك يا محمد في حياتك بعض وعيد المشركين من خزي ونكال، أو توفيناك قبل إرادتك ذلك، فما عليك إلا تبليغ رسالة ربّك، فمهمتك تبليغ رسالة الله، وقد فعلت ما أمرت به، وليس عليك تحقيق النتائج والتوصل إلى صلاحهم، وعلينا حسابهم ومجازاتهم على ما قدموا من خير أو شرّ. وقوله سبحانه: وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ بتخصيص البعض بالذّكر: مفهومه أن الأعمار تقصر عن إدراك جميع ما تأتي به الأقدار، مما يوعد به الكفار، وأن فتوحات المسلمين تأتي في المستقبل.
ألم ير أولئك المشركون في مكة أن الله يأتي إلى أرض الكفر، فينقصها شيئا فشيئا، ويفتحها المسلمون تدريجا، أرضا بعد أرض، ويتحقق لهم النصر، وتتسع أرض الإسلام على التوالي، حتى يعمّ الدنيا. والله يقضي القضاء المبرم، ولا يردّ حكمه النافذ، وليس لأحد أن يتعقّب أحكام الله، أي ينظر في أعقابها، فيناقشها أو يبطلها، وينظر أهي مصيبة أم لا؟ والله محاسب عباده قريبا في الآخرة، وعقابه آت لا محالة، فلا تستعجل عقابهم أيها النّبي، فإن الله محاسبهم ومعذّبهم في الآخرة بعد أن عذّبهم في الدنيا بالقتل والأسر والهزيمة. وسرعة حساب الله واجبة لأنها بالإحاطة والشمول، وليست بعدد قليل أو كثير.
وأما مكائد قومك قريش أيها النّبي فاصبر عليها ولا تأبه بها، فلقد مكر الكفار السابقون برسلهم، وأرادوا طردهم من بلادهم، وعذّبوهم، كما فعل النمرود بإبراهيم، وفرعون بموسى، واليهود بعيسى، وكما فعلت عاد وثمود وإخوان لوط، فمكر الله بهم، أي أحاط بمكرهم وأحبط خططهم وتدابيرهم. والمكر: ما يتمرّس بالإنسان، ويسعى عليه، سواء علم بذلك أو لم يعلم. وقوله سبحانه: فَلِلَّهِ الْمَكْرُ
جَمِيعاً
أي العقوبات التي أحلّها بهم، وسماها مكرا على ما عرف: تسمية المعاقبة باسم الذنب، كقوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة: 2/ 15] .
وفي قوله تعالى: يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ تنبيه وتحذير في طيّ إخبار، والمعنى:
أن الله تعالى عالم بجميع السرائر والضمائر، وسيجزي كل عامل بعمله، فينصر أولياءه، ويعاقب الماكرين. ثم توعّدهم الله سبحانه بقوله: وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ
أي سيتحقق الكفار لمن تكون العاقبة المحمودة والنهاية الحسنة من الفريقين:
المؤمنين والكافرين، حيث تكون تلك العاقبة لأتباع الرّسل في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا النصر، وفي الآخرة الجنة.
ثم ردّ الله على منكري نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا.. أي يقول الجاحدون النّبوة: لست نبيّا مرسلا من عند الله، تدعو الناس لعبادة الله وحده، وهجر الأصنام والأوثان، وترك الظلم والفساد. فقل يا محمد:
حسبي الله وكافيني أنه شاهد لي بصدق رسالتي، ومؤيد دعوتي، بما أنزله علي من القرآن المعجز، ومن الآيات البيّنة الدالة على صدقي. وكفاني أيضا بعد شهادة الله:
شهادة علماء أهل الكتاب من اليهود والنصارى كعبد الله بن سلام اليهودي وأصحابه وتميم الداري وسلمان الفارسي، بما وجدوه لديهم في التوراة والإنجيل من بشارة برسالتي، وأوصاف لا تنطبق على من سواي.