الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تفسير سورة إبراهيم
نعمة القرآن ولغة كل رسول
إنزال القرآن الكريم أعظم نعمة على الإنسانية في تاريخها الطويل لأنه كلام الله تعالى، ودستور العقيدة والشريعة ومنهاج الحياة والآداب والأخلاق، ولولا هذا القرآن لكان الناس في عماية (غواية) وضلال وجهالة، فبالقرآن وحده عرف كل إنسان ربّه، وثاب إلى رشده، وتربّت النفوس في مدرسة القرآن، فصارت من طراز آخر على منهج الحق واليقين والإحسان.
وكان من فضل الله على العرب أن أنزل القرآن المجيد بلغتهم العربية، كما أرسل كل رسول بلسان قومه، ليفهموا رسالته ويتّبعوا دعوته، قال الله تعالى مبيّنا هذه النعمة العظمى في مطلع سورة إبراهيم المكّية:
[سورة إبراهيم (14) : الآيات 1 الى 4]
بسم الله الرحمن الرحيم
الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (2) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (3) وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4)
«1» «2» «3» «4» «5» «6» [إبراهيم: 14/ 1- 4] .
(1) بتوفيقه لهم.
(2)
الغالب.
(3)
المحمود المثنى عليه.
(4)
هلاك. [.....]
(5)
يختارون ويؤثرون.
(6)
يطلبونها معوجة.
افتتحت هذه السورة بالحروف المقطعة كسورة البقرة وأمثالها للتّنبيه والتّحدي وتذكير العرب بأن هذا القرآن كلام من عند الله، بدليل أنه مكوّن من حروف لغتهم ومادة كلامهم، وهم عاجزون عن الإتيان بمثله.
والقرآن كتاب كريم أنزله الله رب العالمين، على رسوله الأمين، لإخراج الناس من ظلمات الضلال والجهل إلى نور الإيمان الحق والهدى والرشاد، بتوفيق الله وتيسيره وإذنه، وبواسطة الداعية والمبلّغ له، وهو النّبي صلى الله عليه وسلم، يبلّغ شريعة الله، ويرشد إلى الطريق القويم، طريق الله القوي الغالب القاهر المدرك، المحمود في جميع أفعاله وأقواله، وشرعه وخبره.
فحقيقة الهداية: إنما هي راجعة لله بالاختراع والإيجاد، والرسول مشارك في التوجيه والإنذار والدعوة إلى سبيل الهداية. وقوله سبحانه عن نبيّه لِتُخْرِجَ النَّاسَ تشريف للنّبي صلى الله عليه وسلم. وعم النَّاسَ إذ هو مبعوث إلى جميع الخلق والعالم كله، فبعثته عامة للأحمر والأسود، كما ثبت بالتواتر وبآيات كثيرة من القرآن، وبما شاهده الصحابة وآل البيت الكرام.
وكلمة الظُّلُماتِ استعارة للكفر، وكلمة النُّورِ استعارة للإيمان وطريق طاعة الله ورحمته، على سبيل التشبيه والمماثلة. وكلمة بِإِذْنِ رَبِّهِمْ أي بعلمه وقضائه وتمكينه لهم.
وإنزال القرآن من عند الله العزيز الحميد، وهما صفتان لائقتان في هذا الموضع، للدلالة على قدرة الله، واستيجاب الحمد على نعمة الإنزال على العالم كله، في هدايتهم، ومن أدلة القدرة الإلهية: أنه سبحانه له كل ما في السماوات والأرض خلقا وملكا وعبيدا وتصريفا وتدبيرا، وويل، أي هلاك وعذاب شديد يوم القيامة للكافرين برسالتك أيها النّبي، الذين جحدوا بوحدانية الله. وهذا وعيد وإنذار وتهديد.
ووصف الله تعالى هؤلاء الكافرين الجاحدين بالرسالة النّبوية بصفات ثلاث:
- فهم الذين يحبّون الدنيا ويؤثرونها على الآخرة، ويعملون للدنيا ومتعها فقط.
- وهم الذين يمنعون من اتّباع الرّسل ويعرقلون مسيرة الإيمان بالله والقرآن والنّبي.
- وهم يحبّون أن تكون سبيل الله معوجة مائلة عن الحق، لتوافق أهواءهم.
وسبيل الله: طريقة هداه وشرعه الذي جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم.
أولئك الجاحدون الموصوفون بتلك الصفات السابقة في ضلال بعيد عن الحق، وفي جهل عميق، لا يرجى منهم عودة إلى الصلاح والفلاح.
وإذا كانت مقاصد القرآن هذه وهي التنوير والهداية، فإن الله يسّر سبيل معرفتها للعرب حاملي رسالة الإسلام لتبليغها للعالم بجعل القرآن بلغتهم العربية لفهمه وإدراك غاياته ومعرفة شرائعه وأحكامه، كما أن من لطف الله وإحسانه أن يرسل كل رسول بلغة قومه، ليقع التّكلم بالبيان والعبارة المفهومة، ثم يكون غير أهل تلك اللغة أتباعا في التبيين لأهل اللسان، وهذه ضرورة متعيّنة إذ لا يعقل كون الكتاب الإلهي بكل لغات العالم.
وبعد هذا البيان وإقامة الحجة على الناس، يكون الناس فريقين: فريق الضّلال لإصراره على الكفر واجتراح السّيئات، وفريق الهداية لمبادرته إلى الإيمان، وتقتصر مهمة الرّسول على التّبليغ والبيان، وأما إيجاد الهداية والوقوع في الضّلال فهو بيد الله، ينفذ فيه سابق قضائه، ويعمل بمقتضى حكمته التي لا تعلّل، ولا يعترض عليها، ولا يفعل الله شيئا إلا بسابق علمه بحال كل إنسان، فيوفّقه للهداية أو يحجبه عنها، وهو سبحانه القوي الذي لا يغلب، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وهو الحكيم في صنعه وأفعاله.