الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
احتمال غلبة أحد المتبارزين على الآخر أمر محتمل في كل منافسة أو مبارزة، لكن الذي لم يتوقعه أحد إنما هو
إيمان السحرة برب موسى وهارون
، وهذه معجزة إلهية تدل على أن الله غالب على كل شيء.
إيمان السحرة برب موسى وهارون
حينما ألقى موسى عليه السلام عصاه وانقلبت حية، والتقمت كل ما جاء به السحرة من الحبال والعصي، ثم رجعت إلى حالتها، أيقنوا بنبوة موسى عليه السلام، وأن الأمر ليس سحرا، وإنما الأمر من عند الله تعالى، وهذا كان له تأثير الصاعقة على فرعون وحاشيته، فلجأ إلى تهديد السحرة بتقطيع الأيدي والأرجل والتصليب في جذوع النخل، فما كان منهم إلا أن أعلنوا تحديهم لفرعون، وآثروا عليه السلامة والنجاة، لما رأوا من حجة الله تعالى وآياته البينات، قال الله تعالى واصفا هذا الحدث الجلل:
[سورة طه (20) : الآيات 70 الى 73]
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (70) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى (71) قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (73)
«1» [طه: 20/ 70- 73] .
في خلال هذه الآية تقدير وحذف يدل عليه ظاهر القول، وهو: فألقى موسى عصاه، فالتقمت كل ما جاء به السحرة، فلما رأوا ذلك أيقنوا بنبوة موسى عليه
(1) أوجدنا وهو الله تعالى.
السلام، وأن الأمر من عند الله تعالى، فانكبوا على وجوههم ساجدين لله، وآمنوا برب موسى وهارون، مفضّلين الآخرة على الدنيا، والحق على الباطل. وقوله: بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى بتقديم (هارون) قبل (موسى) لتستوي رؤوس الآيات، مثل قوله تعالى: أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى [طه: 20/ 52] ، فتأخير (شتى) لتعتدل رؤوس الآي.
وكذلك قوله تعالى: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129)[طه: 20/ 129]، فتأخير قوله: وَأَجَلٌ مُسَمًّى إنما هو لتستوي رؤوس الآي. وإنما قالوا:
بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى ولم يقولوا: (برب العالمين) لأن فرعون ادعى الربوبية وادعى الألوهية، فلو أنهم قالوا: آمنا برب العالمين فحسب، لقال فرعون: إنهم آمنوا بي، لا بغيري، فاختاروا هذه العبارة لإبطال قوله.
قال فرعون الذي أصر على كفره وعناده ومكابرته الحق بالباطل: أصدّقتم موسى وقوله واتبعتموه، من غير إذن مني لكم بذلك؟ فلم تؤمنوا عن بصيرة وتفكير، إنما أنتم أخذتم السحر عن موسى، فهو معلّمكم الكبير، وأنتم تلامذته، وتواطأتم معه علي وعلى رعيتي، لتظهروه وتروّجوا لدعوته.
فهدّدهم ونفّرهم عن الإيمان بقوله: أقسم أني لأمثّلن بكم، فأقطّعن أيديكم وأرجلكم من خلاف، أي بقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، أو على العكس، ولتعلمنّ هل أنا أشد عذابا لكم أو رب موسى؟! وهذا من فرعون تحدّ لقدرة الله، وتحقير لشأن موسى، وإظهار لما لفرعون من بأس وسلطة.
فازداد السحرة بعد هذا التهديد تمسكا بإيمانهم، وهانت عليهم أنفسهم من أجل رضوان الله، فقالوا: لن نختارك يا فرعون على ما جاءنا به موسى من البينات الواضحات من عند الله تعالى، والمعجزات الظاهرة، كانقلاب العصا ثعبانا، واليد نجما مشعا، وعلى ما حصل لنا من الهدى واليقين، فافعل ما شئت، واصنع ما أنت