الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نعمة وعافية، وراحة وسلامة، فيزيلها عنهم إلا بتغيير ما بأنفسهم، بأن يصدر منهم الظلم والعصيان والفساد وارتكاب الشرور والآثام.
وإذا أراد الله تعالى بقوم سوءا من فقر أو مرض أو احتلال وغير ذلك من أنواع البلاء، فلا يستطيع أحد أن يدفع ذلك عنهم، وما لهم من غير الله تعالى ناصر يلي أمورهم، ويدفع عنهم الضّرر، فلا أحد يجلب لهم النفع، ويدفع عنهم الضّرّ. وهذا دليل واضح على أن الله قادر على كل شيء، ومتمكّن من إيقاع العذاب بالناس في أي زمن ومكان، فليس من الحكمة والمصلحة في شيء استعجال العذاب، فلكل أجل كتاب، ولكل عمل ميعاد. والشّر والخير بمنزلة واحدة، إذا أرادهما الله بعبد لم يردّ، وهذا تخويف وإنذار.
قدرة الله تعالى
أقام الله تعالى في قرآنه أدلّة واضحة قاطعة على قدرته وحكمته، منها نعمة وإحسان أحيانا، ومنها عذاب ونقمة وقهر أحيانا أخرى، والتّردد بين الحالين: حال النعمة وحال النقمة دليل على الشمول والعموم، لكل حال من الأحوال، ليعرف العبد أن الله ربّ العالمين صاحب السلطان المطلق، والإرادة النافذة التامّة في كل أمر من الأمور، وفي كل شأن من الشؤون. والتذكير بهذا لفت نظر إلى أن الله تعالى لا يغيب وجوده وتأثيره عن أي شيء. قال الله تعالى مبيّنا هذا التّلازم بين الوجود الإلهي في جميع الأشياء وبين مختلف الأشياء:
[سورة الرعد (13) : الآيات 12 الى 15]
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (12) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (13) لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَاّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَاّ فِي ضَلالٍ (14) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (15)
«1»
(1) المحملة بالماء.
«1» «2» «3» «4» «5» [الرّعد: 13/ 12- 15] .
هذه ألوان ملموسة محسوسة من مظاهر وآثار القدرة الإلهية، وتنبيه عليها وتذكير بها، فالله بإرادته وتدبيره يري الناس ظاهرة البرق والرّعد، تخويفا وتحذيرا، أما البرق: فهو ما يرى من النّور اللامع ساطعا من خلال السحاب، بسبب تقارب سحابتين في الشحنة الكهربائية، فيحدث الخوف من صواعق البرق، ويظهر الطمع في المطر. والله سبحانه هو الذي يوجد السّحب المحملة المترعة بالماء، فهي ثقال ببخار الماء وما يعقبه من أمطار.
وأما الرّعد: فهو الصوت المسموع خلال السحاب بسبب احتكاك الأجرام السماوية، وتصادم سحابتين مختلفي الشحنة الكهربائية. والرعد بصوته الهادر المخيف يسبح الله تعالى وينزهه، ويعلن بلسان الحال خضوعه لله، وانقياده لقدرته وحكمته.
وتسبّح الملائكة ربّهم وتنزهه عن الصاحبة والولد، لما يرون من جلال الله وهيبته.
روى الإمام أحمد والبخاري في الأدب وغيرهما عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النّبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان إذا سمع الرّعد قال: «اللهم لا تهلكنا بغضبك، ولا تقتلنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك» .
فالرّعد والبرق إما بشير خير أو نذير شرّ.
والله تعالى يرسل الصواعق للتّنبيه على القدرة والتّذكير بالنقمة، ينتقم الله بها
(1) أي القوة وأخذ الأعداء.
(2)
لله دعوة الحق وهي كلمة التوحيد.
(3)
ينقاد ويخضع. [.....]
(4)
أول النهار.
(5)
آخر النهار.
ممن يشاء. وسبب الصواعق: أن السّحب قد تمتلئ بكهربة شديدة، والأرض بكهربة أخرى مخالفة، فإذا قاربت السّحب من الأرض، حصل احتكاك كهربائي تنشأ عنه صاعقة، إذا صادفت شيئا أحرقته. فالله يصيب بالصواعق من يشاء، وعلى الرغم من هذه الأدلة الدالة على قدرة الله وألوهيته، يجادل الكفار، ويشكّون في عظمة الله تعالى وفي توحيده، والله سبحانه هو شديد المحال، أي شديد القوة والأخذ، وهو قادر على مكايدة الأعداء، وعلى إنزال العذاب في أي وقت يشاء.
ولله وحده دعوة الحق، أي لا إله إلا الله أي التوحيد، وله دعوة العباد بالحق، ودعوة الصدق والدعاء والتّضرع، لا لغيره من الأصنام والأوثان، والملائكة والبشر الذين اتّخذهم الناس آلهة، فدعاء غير الله من الأوثان باطل.
والذين يدعون الأصنام والأوثان والمعبودات الباطلة: لا يجيبونهم إطلاقا، ولا يستجيبون لهم دعاء، ولا يسمعون لهم نداء، ولا يحقّقون لهم نفعا، ولا يدفعون عنهم ضرّا. وما استجابتهم إلا كاستجابة الماء لمن بسط كفّيه إليه من بعيد، ليشرب منه وهو عطشان فهو لا يبلغ فمه أبدا. وليست عبادة الكافرين الأصنام إلا في خسار وضياع وبطلان لأن دعاءهم لهم غير مجاب، كما أن دعاءهم الله غير مجاب أيضا لأنهم مشركون، وتكون إجابة الأصنام ونحوها والانتفاع بها غير واقعة.
ومن كمال الله وقدرته وتسخير الأشياء له فقط أنه يسجد له أي يخضع وينقاد له كل شيء طوعا من المؤمنين والملائكة في حال الشّدة والرّخاء، وكرها من الكافرين في حال الشّدة، بل كل شيء في الكون خاضع منقاد لله الخالق الموجد، طواعية واختيارا أو قهرا وإكراها. وكذلك تسجد وتخضع لله ظلال الأشياء كلها بالغدوّ والآصال، أي في الصباح الباكر، وفي المساء المتأخّر.
والسّجود لله دالّ على الرّبوبية، فلا يستحقّ العبادة سوى الله تعالى. قال مجاهد: