الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صانع، إنما لك تسلط ونفوذ علينا في هذه الدنيا الزائلة، بتهديدنا بالقتل، ولا سبيل لك علينا فيما بعدها، ونحن قد رغبنا بالآخرة.
إننا صدقنا بالله ربنا المحسن إلينا، ليغفر لنا خطايانا ويعفو عن سيئاتنا، وعلى ما أجبرتنا عليه من عمل السحر، لمعارضة آيات الله ومعجزات نبيه، والله خير لنا منك جزاء، وأدوم ثوابا، مما كنت وعدتنا، وأبقى منك عذابا.
وكان رؤساء السّحرة اثنين وسبعين، فقالوا لفرعون: أرنا موسى نائما، فرأوه فوجدوه تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بساحر، الساحر إذا نام بطل سحره، فأبى فرعون إلا أن يعارضوه.
والظاهر أن فرعون نفّذ تهديده للسحرة بالقتل والتصليب، لقول ابن عباس:
أصبحوا سحرة، وأمسوا شهداء بررة.
التهديد بالجزاء والترغيب بالثواب في كلام السحرة
تابع السحرة الكلام مع فرعون بعد إصرارهم على الإيمان، واستخفافهم بتهديداته وإنذاراته، فحذروه من نقمة الله وعذابه الدائم، ورغّبوه في ثوابه الأبدي الخالد، وهذه صفة أهل الإخلاص والإيمان، فإنهم كما أحبوا الخير لأنفسهم، أحبوا الخير لغيرهم، وإذا هابوا الشر حتى لا يصيبهم السوء، هابوا امتداد شراراته لإصابة الآخرين وهذا الموقف المشرّف، دوّنه القرآن الكريم في الآيات التالية:
[سورة طه (20) : الآيات 74 الى 76]
إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (74) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى (76)
[طه: 20/ 74- 76] .
قالت فرقة من المفسرين: هذه الآية بجملتها هي من كلام السحرة لفرعون على جهة الموعظة له، والبيان فيما فعلوه. وهذا هو المتبادر للذهن. وقالت فرقة أخرى: بل هي من كلام الله تبارك وتعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم، تنبيها على قبح ما فعل فرعون، وحسن ما فعل السحرة، وموعظة وتحذيرا. وقد تضمنت القصة حالة المجرم الذي اكتسب الجرائم والخطايا.
والمعنى: إن من يلقى الله يوم القيامة، وهو مجرم في حق نفسه وربّه، فعذابه في جهنم، لا يموت فيها ميتة مريحة، ولا يحيا حياة كريمة، فهو يألم كما يألم الحي. وهذا القول: لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى مختص بالكافر، فإنه معذب عذابا ينتهي به إلى الموت، ثم لا يجهز عليه فيستريح، بل يعاد جلده، ويجدّد عذابه، فهو لا يحيا حياة هنيّة، وأما من يدخل النار من المؤمنين بالمعاصي، فهم قبل أن تخرجهم الشفاعة، في غمرة، قد قاربوا الموت، إلا أنهم لا يجهز عليهم، ولا يجدّد عذابهم. فهذا هو الفرق ما بينهم وبين الكفار. وفي الحديث الصحيح: أنهم أي عصاة المؤمنين يموتون إماتة.
والواقع أنهم يقتربون من الموت، فهذا معنى الإماتة، لأنه لا موت في الآخرة.
هذا هو مصير الكفرة أهل النار. وأما أهل الإيمان والصلاح، فإنهم يلقون ربهم يوم المعاد، قد آمنت قلوبهم، وصفت نفوسهم، وتطابق قولهم وعملهم مع قرارة ضمائرهم، وأدوا الطاعات، وخافوا ربهم، فأولئك لهم بإيمانهم وعملهم الصالح الجنة ذات الدرجات والمنازل العالية الرفيعة، والغرف الآمنة، والمساكن الطيبة.
لهم الدرجات العلى وهي القرب من الله تعالى. ومن المعلوم أن الجنة درجات، والنار دركات،
روى الإمام أحمد والترمذي عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، ومنها تخرج الأنهار الأربعة، والعرش فوقها، فإذا سألتم الله تعالى، فاسألوه الفردوس» .