الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عن قبول الحق، وفي صدور ضعفاء المؤمنين، ليشككهم في عقائد التوحيد والإيمان والهداية، وبهذا التمييز لا تختلط آيات الله ودلائل توحيده، وبراهين صدق أنبيائه ورسله ومحكم شرائعه بغيرها من أباطيل الشّبه الشيطانيّة .. قال الإِمام ابن تيمية: وجعل ما ألقى الشيطان فتنةً للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم إنما يكون إذا كان ظاهراً يسمعه الناس، لا باطناً في النفس!
قال الشيخ عرجون:
إذا كان ما ألقاه الشيطان إنما ألقاه في أسماع أوليائه من الكفرة الفجرة، ولم يلفظ به النبي صلى الله عليه وسلم لعصمته عن تلبيس الشيطان -كما هو منزع الإِمام ابن تيمية- وقد وقعت الفتنة بما سمعوه، وهم بمعزل عن إحكام آيات الله- فلا قيمة لنسخ ما ألقاه الشيطان في مسامعهم، ولم يختلط بآيات الله الموحَى بها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لصونها وإحكامها عن زيادة الشيطان!
على أن قول الشيخ الإِمام ابن تيمية:
وجعل ما ألقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض، والقاسية قلوبهم، إنما يكون إذا كان ظاهراً يسمعه الناس، لا باطناً في النفس، دعوى مجرّدة من الدليل؛ لأن ما يلقي الشيطان من الشبهة والأضاليل في قلوب أعداء الإِسلام أشدّ فتنةً للقاسية قلوبهم من المشركين المعاندين، والذين في قلوبهم مرض من المنافقين؛ لأن الشبهة والأضاليل تؤثر في القلب، وتغطّيه بالرّان وظلمة الكفر، وحيرة الشك، وتؤثر في العقل فتفسد إدراكاته، وأمّا ما يسمع ظاهراً ففتنته ضعيفةٌ موقوتةٌ بسماعه، والسماع لايستقرّ أثره، بل يذهب مع تيّار النسيان، ونزغات الشيطان!
ثم قال الإِمام ابن تيمية:
والفتنة التي تحصل بهذا النوع من النسخ من جنس الفتنة التي تحصل من نوع آخر من النسخ، وهذا النوع -أي الفتنة بإلقاء الشيطان في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم كلمات الكفر، ومدح الأوثان، ثم نسخ ذلك بعد
زمن قد يطول وقد يقصر -أدلّ على صدق الرسول وبعده عن الهوى من ذلك النوع- أي النسخ الاصطلاحي المعروف في أصول الفقه المتفق على جوازه ووقوعه من جمهور الأئمة، ولم يخالف فيه جوازاً أو وقوعاً سوى شذوذ من الناس، وقد شهر بهذه المخالفة أبو مسلم الأصفهاني ومن تقيّله من المتأخّرين!
وهذا النوع هو المعروف بإزالة حكم شرعي بحكم شرعي آخر لحكمة تشريعيّة، كتخفيف لحكم الأول، أو انتهاء زمن العمل به، أو زوال أثر الحكم الأوّل، أو كون الحكم الثاني أزجر منه عند كثرة الفساد وشيوعه!
قلنا: إن جعل نوع نسخ ما ألقاه الشيطان من كلمات الكفر أدلّ على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم من نوع النسخ الاصطلاحي أمر عجيب في قياس الاستقامة العلميّة ومنطق العقل، وإلا فكيف يكون نسخ ما ألقى الشيطان من كلمات الشرك والكفر على لسان النبي صلى الله عليه وسلم في قراءته لآيات الله بعد استقراره زمناً -وهو محال- أدلّ على صدق النبي صلى الله عليه وسلم وبُعده عن الهوى، وهذا النسخ بهذا المعنى يدلّ على أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل من الشيطان كلمات الكفر وأدخلها في آيات الله على أنها وحي من الله تعالى وقرآنه، واستقرّ عنده زمناً حتى نسخ وأزيل بوحي جديد!!
ولو صحّ هذا -وما زعمه (الغرنوقيّون) - فماذا بقي للنبي صلى الله عليه وسلم من معالم العصمة، وثقة الأمّة المأمورة بمتابعته في جميع ما يبلّغه عن الله تعالى، وقد بلّغها هذا الكفر الخبيث في زعم (الغرنوقيّين) القائلين بثبوت (أكذوبة الغرانيق)، كما جاءت بها المراسيل الواهية الباطلة؟! وما الضمان عند الأمّة في أن تقبل وتصدّق أن الوحي الناسخ لأكذوبة الشيطان هو وحي صادق من عند الله، وليس من تلبيس الشيطان؟! وما هو الضمان عند الأمّة فيما ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك من الوحي لتتقبّله وتمتثل لأحكامه تحقيقاً لوجوب المتابعة؟!
أمّا نسخ حكم شرعي بحكم شرعي آخر لحكمة اقتضت ذلك، وكلاهما -بالقطع- من عند الله فهو الدّالّ على صدق النبي صلى الله عليه وسلم وبعده عن الهوى؛ لأن الناسخ والمنسوخ كلاهما من عند الله تعالى بوحيه القاطع بلا افتراء، وكلاهما شرع صادق واجب الامتثال في زمنه، وليس للشيطان فيه أيّ مدخل، والنبيّ صلى الله عليه وسلم متبع في هذا النوع من النسخ أمر الله تعالى محقق لقول الله:{إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9)} (الأحقاف)!
وقوله: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} (النجم)!
ثم قال الإِمام ابن تيمية: فإنه -أي الرسول صلى الله عليه وسلم إذا كان يأمر بأمر، ثم يؤمر بخلافه وكلاهما من عند الله، وهو مصدّق في ذلك، فإذا قال عن نفسه: إن الثاني هو الذي من عند الله وهو الناسخ، وإن ذلك المرفوع الذي نسخه الله ليس كذلك كان أدلّ على اعتماده للصّدق وقوله الحق!
قلنا: هذا الكلام مغلق غامض، بل ظاهر التناقض، فعبارة الشيخ الإِمام السابقة تقرّر أن نوع النسخ فيما يلقيه الشيطان أدلّ على صدق النبيّ صلى الله عليه وسلم، وبعده عن الهوى، وعبارته هنا تقرّر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم يأمر بأمر ثم يأمر بخلافه، وكلاهما من عند الله، وهو مصدّق في الأمرين -هذا مسلّم في نوع النسخ الشرعي الذي هو إزالة حكم شرعيّ بحكم شرعيّ آخر لحكمة مقتضية لذلك!
أمّا نوع النسخ الذي أزال فيه الوحي الصادق حكماً شيطانيًّا بحكم آخر منزل من عند الله -في زعم مثبتي أكذوبة الغرانيق- فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يأمر فيه بأمر ثم أمر بخلافه، وإنما الذي اعتمده مثبتو (أكذوبة الغرانيق الخبيثة الباطلة) أن الشيطان هو صاحب الأمر الأول بإلقائه -كما تقول روايات الأكذوبة، على
لسان النبي صلى الله عليه وسلم كلمات أخبث الكفر، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قبل ذلك، وتلاه فيما تلا من آيات الله، واستقرّ ذلك عنده اعتقاداً حتى سجد في آخر السورة، وسجد معه المشركون، تعظيماً لآلهتهم التي مدحت بهذا الكلام الخبيث حتى نزل ملك الوحي بعد مضيّ قدر من الزمن، فاستقرأ النبيّ صلى الله عليه وسلم آيات السورة التي جاء بها إليه، فقرأ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وزاد (في زعم مثبتي أكذوبة الغرانيق) كلمات الشيطان في مدح الأوثان، فنبّهه جبريل عليه السلام
…
فكيف ينسب للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو المحفوظ بالعصمة من تلبيس الشيطان أنه يأمر بأمر، ثم يأمر بخلافه في (قصة الغرانيق الكاذبة الماطلة)؟!
وكيف يكون مصدّقاً في الأمرين؟
الأمر الأوّل، وهو زعم إلقاء الشيطان على لسانه أخبث الكفر!
والأمر الثاني، وهو إزالة هذا الضلال الكفور الذي يستحيل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قاله بلْه أمر به!
وإذا صدق في الأمرين في (أكذوبة الغرانيق)، فماذا يبقى له صلى الله عليه وسلم من الثقة به في النفس، لتتلقّى عنه ما يبلّغه من رسالته عن الله تعالى من الهداية؟
وإذا قال بعد ذلك أنه أمر بالأمرين:
أمر الحق الذي أزال به ما ألقاه الشيطان، وأمر الباطل الذي لبّس به عليه الشيطان، إذن فالأمر الثاني -أي الناسخ لما ألقاه الشيطان من الكفر والضلال هو من عند الله، وأن الأمر الأوّل المنسوخ ليس كذلك -أي ليس من عند الله- فكيف يكون ذلك أدلّ على اعتماده الصدق وقوله الحق، ولا شكّ أن الأمر الأوّل كذب وافتراء على الله تعالى ويستحيل وقوعه من النبي صلى الله عليه وسلم!
فإذا قال (الغرنوقيّون) إنه قد وقع فقد نسبوا الكذب المتعمّد على الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم! فيما بلّغه عنه، فأين الصدق الذي يدلّ عليه؟
وإذا نسب إليه صلى الله عليه وسلم الكذب في الأمر الأوّل المنسوخ فما برهان صدقه في الأمر الثاني، وهو الناسخ الذي نزل لمحو الباطل، وأنه ليس من عند الله، وإنما هو من عمل الشيطان وتلبيسه!
هذه كلها أباطيل حكيت من نسج الزندقة وأخبث الكفر، وخدع بها الأغرار -إن صحت بعض روايات المراسيل في أكذوبة الغرانيق- فكيف قبلها الشيخ الإِمام ابن تيمية، وهو صاحب الرسوخ في فقه الرواية ونقد الأسانيد؟!
وقد انتهى الشيخ الإِمام ابن تيمية إلى القول بأن الذين يثبتون العصمة بمعنى عدم وقوع الذنب من الأنبياء والمرسلين، ولاسيّما فيما يبلّغونه عن الله تعالي تأوّلوا بمثل تأويلات (الجهميّة) و (القدريّة) و (الدّهريّة) لنصوص (الأسماء والصفات) ونصوص (القدر) ونصوص (المعاد)، بل أوسع الشيخ في التهمة للنافين وقوع الذنب من الأنبياء والرسل فرماهم بـ (القرمطة) إلى أن قال: وهؤلاء يقصد أحدهم تعظيم الأنبياء فيقع في تكذيبهم، ويريد الإيمان بهم فيقع في الكفر بهم!
وتهمة (الجهميّة) و (القدريّة) و (القرمطة) تهمة تقليديّة شائعة، ولا سيّما في عصر الشيخ الإِمام ابن تيميّة على ألسنة المنتحلين لطريقته ومذهبه، يُرمى بها كل من يفهم نصوص الأسماء والصفات فهماً تنزيهيًّا يليق بجلال الله وكمال ألوهيَّته!
يقول الشيخ عرجون: وإنما عرضنا رأي الشيخ الإمام وناقشناه مناقشة