الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تعالى، حتى تخرج من الأرض، وتسير فيها، وهذا لا يمنعه عقل ولا شرع، وهو ظاهر الحديث، فوجب المصير إليه!
وقال الأبيّ: (1) ووجه الجمع أن يكون أصلها في السماء، وأنزل من أصلها إلى الأرض النيل والفرات!
الشبهة الثامنة وردّها:
وجاء قوله: (ودنا الجبّار، ربُّ العزّة، فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى) قال الخطابي (2): ليس في هذا الكتاب -يعني صحيح البخاري- حديث أشنع ظاهرًا، ولا أشنع مذاقًا من هذا الفصل، فإنه يقتضي تحديد المسافة بين أحد المذكورين وبين الآخر، وتمييز مكان كل واحد منهما، هذا إلى ما في التدلّي من التشبيه والتمثيل له بالشيء الذي تعلّق من فوق إلى أسفل، قال: فمن لم يبلغه من هذا الحديث إلا هذا القدر مقطوعًا عن غيره، ولم يعتبره بأول القصّة وآخرها اشتبه عليه وجهه ومعناه، وكان قصاراه إمّا رد الحديث من أصله، وإمّا الوقوع في التشبيه، وهما خطتان مرغوب عنهما!
وأمّا من اعتبر أوّل الحديث بآخره فإنه يزول عنه الإشكال، فإنه مصرّح فيهما بأنّه كان رؤيا لقوله في أوله (وهو نائم) وفي آخره (استيقظ)، وبعض الرؤيا مثل يضرب ليتأوّل على الوجه الذي يجب أن
(1) إكمال إكمال المعلم: 1: 318.
(2)
فتح الباري: 13: 483 - 484 بتصرف.
يصرف إليه معنى التعبير في مثله، وبعض الرؤيا لا يحتاج إلى ذلك، بل يأتي كالمشاهدة!
ثم قال الخطابي مشيرًا إلى رفع الحديث من أصله بأن القصّة بطولها إنما هي حكايته يحكيها أنس من تلقاء نفسه، لم يعزها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا نقلها عنه، ولا أضافها إلى قوله، فحاصل الأمر في النقل أنها من جهة الراوي إمّا عن أنس، وإمّا من شريك، فإنه كثير التفرّد بمناكير الألفاظ التي لا يتابعه عليها سائر الرواة ..
وقال: إن الذي وقع في هذه الرواية من نسبة التدلّي للجبّار عز وجل مخالف لعامّة السلف، والعلماء، وأهل التفسير، ومن تقدّم منهم ومن تأخّر .. قال: والذي قيل فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه دنا جبريل من محمَّد صلى الله عليه وسلم، فتدلّى، أي تقرّب منه، وقيل: هو على التقديم والتأخير: أي تدلّى فدنا؛ لأنّ التدلّي بسبب الدنو.
الثاني: تدلّى له جبريل بعد الانتصاب والارتفاع، حتى رآه متدلّيًا، كما رآه مرتفعًا، وذلك من آيات الله، حيث أقدره على أن يتدلّى في الهواء من غير اعتماد على شيء، ولا تمسّك بشيء.
الثالث: دنا جبريل، فتدلّى محمَّد صلى الله عليه وسلم ساجدًا لربّه تعالى، شاكرًا على ما أعطاه.
قال: وقد روي هذا الحديث عن أنس من غير طريق شريك، فلم يذكر هذه الألفاظ الشنيعة، وذلك مما يقوّي الظنّ أنها صادرة من جهة شريك!
قال ابن حجر: وما نفاه من أن أنسًا لم يسند هذه القصة إلى النبي لا تأثير له، فأدنى أمره فيها أن يكون مرسل صحابي، فإمّا أن يكون تلقّاها عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن صحابي تلقاها عنه، ومثل ما اشتملت عليه لا يقال بالرأي، فيكون لها حكم الرفع، ولو كان لما ذكره تأثير لم يحمل حديث أحد روى مثل ذلك على الرفع أصلًا، وهو خلاف عمل المحدّثين قاطبةً، فالتعليل بذلك مردود ..
قال: وقد أخرج الأموي في مغازيه من طريق البيهقي، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس في قوله تعالى:
{وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13)} ! [النجم]
قال: دنا منه ربه، وهذا سند حسن، وهو شاهد قويّ لرواية شريك!
وقال: وأمّا ما جزم به من مخالفة السلف والخلف لرواية شريك عن أنس في التدلّي ففيه نظر، فقد ذكرت من وافقه، وقد نقل القرطبي عن ابن عباس أنه قال:(دنا الله سبحانه وتعالى! (1)
ثم قال وقد أزال العلماء إشكاله، فقال القاضي عياض: إضافة
(1) السابق: 484، وانظر: الدر المنثور: 6: 123، والبيهقيُّ: الدلائل: 2: 130، 132، ففيه متابع آخر لرواية شريك!.
الدنوّ والقرب إلى الله تعالى أو من الله، ليس دنوّ مكان، ولا قرب زمان، وإنما هو بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم إبانة لعظيم منزلته، وشريف رتبته، وبالنسبة إلى الله عز وجل تأنيس لنبيّه وإكرام له، ويتأوّلُ فيه ما قالوه فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الأخير، يقول: من يدعوني فأستجيب له؛ ومن يسألني فأعطيَه؟ ومن يستغفرني فأغفر له؟ "(1).
وفي رواية:
"ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدّنيا كلّ ليلة، حين يمضي ثلث الليل الأوّل، فيقول: أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأُعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر".
وفي رواية:
"إذا مضى شطرُ الليل أو ثلثاه، ينزل الله جلّ وعلا، إلى سماء الدنيا فيقول: من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يدعوني أستجيب له؟
(1) البخاري: 19 - التهجد (1145)، وانظر (6321، 7494)، ومسلم (758)، ومالك: 15 - القرآن (30)، وأحمد: 2: 267، 282، 419، 433، والترمذي (446)، والدارمي (1487)، وأبو داود (1315، 4733)، وابن ماجه (1366)، وابن أبي عاصم: السنة (492)، وابن حبّان (920).
من ذا الذي يسترزقني أرزقه؟ من ذا الذي يستغفرني أغفر له؟ حتى ينفجر الصبح".
وفي رواية:
"ينزل الله عز وجل حين يبقى ثلث الليل الآخر".
قال الترمذي: وقد رُوي هذا الحديث من أوجه كثيرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم!
وقال: وفي الباب عن عليّ بن أبي طالب، وأبي سعيد، ورفاعة الجهني، وجبير بن مطعم، وابن مسعود، وأبي الدرداء، وعثمان بن أبي العاص!
والأحاديث في هذا كثيرة، وعليه فإذا كان كل حديث متشابه يردّ فإن تلك الأحاديث تردّه، وهذا أمر مردود!
وقد نقل القرطبي عن ابن عباس أنه قال: (دنا الله سبحانه وتعالى قال: والمعنى دنا أمره وحكمه، وأصل التدلّي النزول إلى الشيء، حتى يقرب منه، قال: وقيل تدلّى الرفرف لمحمد صلى الله عليه وسلم حتى جلس عليه، ثم دنا من ربّه، وقيل: الدنوّ مجاز عن القرب المعنوي، لإظهار عظيم منزلته عند ربّه تعالى، والتدلّي: طلب زيادة القرب، وقاب قوسين بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم عبارة عن لطف المحل، وإيضاح المعرفة، وبالنسبة إلى الله إجابة سؤاله، ورفع درجته! (1)
(1) فتح الباري: 13: 484.