الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حكم الإسراء والمعراج:
والإسراء -كما عرفنا- ثابت بالقرآن الكريم، وثابت أيضاً بالأحاديث الكثيرة (1) التي رواها الشيخان وغيرهما -كما سيأتي-، وقد تواترت (2) الأخبار بأنه صلى الله عليه وسلم أسري به على البراق، وعليه فالإسراء، متواتر، وكونه على البراق كذلك!
ونقل ابن كثير (3) عن أبي الخطاب عمر بن دحية في كتابه (التنوير في مولد السراج المنير) قوله: تواترت الروايات في حديث الإسراء
…
ثم قال: فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون، وأعرض عنه الزنادقة والملحدون:
أما المعراج فقد أشار إليه القرآن الكريم -كما سيأتي- وثبت بالأحاديث الصحيحة التي رواها الشيخان وغيرهما، ولذلك لا يجوز إنكاره!
ولا شك أن قطع مسافة تضرب أكباد الإبل لقطعها شهراً مصعدةً، وشهراً آيبةً، في جزء من الليل أمر خارق لنواميس الطبيعة وقوانينها، ونظمها التي أقامها الله على سنن عامّة في ترابط ذرّات الكون وعناصره، تسير عليها منذ أوجد الله تعالى بقدرته هذا الكون العظيم!
(1) انظر: شرح المواهب اللدنيّة: 6: 12 - 14.
(2)
انظر: نظم المتناثر في الحديث التواتر: 133، وأضواء على أحاديث الإسراء والمعراج:14.
(3)
تفسير ابن كثير: 3: 24.
ونعود إلى قوله تعالى:
نعود فنبصر سورة الإسراء تبدأ بتسبيح الله، وهو أليق حركة نفسيّة تتَّسق مع جوّ الإسراء اللطيف، وأليق صلة بين العبد والرّبّ في ذلك الأفق الوضيء!
وهذا لا يقال إلا في الأمور المستبعدة عادة لتعاظمها (1)، والتي لا تألفها مدارك العقول في متعارف الحياة، وقد تنكرها لأوّل وهلة، نظراً للسنن العامّة التي قام عليها نظام الكون وطبيعة الترابط بين عناصره ومكوّناته، فإذا رُميت بسهم التأمّل ومعرفة اقتدار الله تعالى وقهره لكل مخلوق له من مادّة أو نظام، رجعت العقول إلى التصديق والقبول، ما لم يصدّها العناد المستكبر، وآمنت بأن لله تعالى في عظمة اقتداره وقهر سلطانه سنناً خاصّة لها أسبابها ومناسباتها وأزمانها وأحداثها ودواعيها؛ لأن الألوهيّة الحقّة القاهرة القادرة المدبّرة الحكيمة لا تقيّدها من مخلوقة لها مرئيّة أو معلومة، لدى العقول، أو معتادة في متعارف الحياة ومألوفاتها، بل إن هذه الألوهيّة الحقّة تقتضي أن يكون الإطلاق الكامل حقًّا لها في مشيئة كينونة ما تشاء كونه!
ولكن ذلك يجري على نظام خاصّ مقدّر -وهو ما سمّيناه بالسنن الخاصّة التي تقتضيها مناسباتها في أزمانها وأشخاصها وأحدائها- شُرِّف به
(1) محمَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم: 2: 344 بتصرف.
نبيّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم ووقع له بحالته الطبيعيّة الكاملة بشريّةً وروحاً، فلم تفقد روحه جسمه، ولم يُفارق جسمه روحَه، بل أسرى بهما ربّ العزة جل شأنه، وهذه الحالة الكاملة لشخص النبيّ صلى الله عليه وسلم التي لا تفارق فيها الرُّوح جسمَها المقدور لها في الحياة به ومعه في تلازم امتزاجيّ لا يعرف حقيقته إلا الله تعالى هي التي يطلق عليها في لغة العرب عند التفاهم، وفي عرف الناس كافّةً عند التعامل تعريفاً لفظ (عبد)، كما جاء في آية الإسراء ويتأكّد ذلك بإضافة التشريف والتكريم لهذا العبد المكرّم التي خصّه الله بها في هذا المقام، فقال:{سُبحَانَ الَّذِي أَسرَى بِعَبدِهِ} ! لاستشعار وقوع ما لم يكن في حسبان العقول، وقد جرى عرف القرآن الأسلوبي على ذلك، فقال تعالى:{وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبدُ اللهِ يَدْعُوهُ} (الجن: 19)!
والقائم الذي يدعو الله هو الشخص المؤلف من روح وجسد، ويزيد ذلك تأكيداً تحديد مبدأ الإسراء ونهايته، وهذا في المتعارف لدى العقول لا يقال إلا في أمر مادّيّ يفيد الانتقال من مكان إلى مكان!
فالإسراء كان قطعاً بمقتضى منطوق الآية الكريمة ومفهومها وإشاراتها ولوائحها بأكمل ما يطلق عليه لفظ (عبد)، وهو شخص النبيّ صلى الله عليه وسلم المكوّن من روحه وجسده، لم تُفارق روحُه جسدَه، ولم يفقد جسدُه روحَه في جميع لحظات الرحلة المباركة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ومن المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام ذهاباً وأوبةً، فلا وجه مطلقاً لصرف هذه الحقيقة عن وجهها الذي تدلّ عليه الآية دلالةً بيّنةً!