الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كان الأمر خاصًّا بمياه العرب فهم قادرون على حمايته في دائرتها، وهم على أكمل استعداد لإيوائه في ديارهم، وحمايته، ونصرته على من يعاونه من العرب كافة، قريش فمن سواها!
45 - قوّة الإيمان:
وهنا موقف للنبوّة، يمثل عظمتها، ويصوّر قوّة إيمان الرسول صلى الله عليه وسلم برسالته، التي لا تتوقّف عند حدّ أمّة من الأمم، أو شعب من الشعوب، أو جنس من الأجناس، أو طائفة من البشر، أو نظام من النظم الاجتماعيّة في أي شكل من شكول الحكم، فذلك كله يجب أن يدخل في دائرة رسالة محمَّد صلى الله عليه وسلم، فيجب أن تكون في سيرها منطلقة في وجوه الأرض تنشر دعوتها مهما كانت العقبات التي تواجهها في طريقها، ومهما تكن قوّة العتوّ والجبروت التي تحاول تعويقها عن أهدافها!
ولهذا لما بيّن المثنى بن حارثة صاحب حرب شيبان أنه لا سبيل إلى القدرة على اقتحام أنهار كسرى، وحماية من يتخطّاها بأيّة دعوة -ولا سيما إذا كانت دعوة يكرهها الملوك، وفي طليعتهم الأكاسرة كدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن حماية شيبان إذا رأوه في ديارهم تكون حماية جزئيّة خاصة بمياه العرب- تجلّت عظمة النبوّة، وتعاظم جلال الرسالة، وترجم إيمان الرسول صلى الله عليه وسلم برسالة نفسه عن قوّته ونفاذ عزيمته، وهذا الإيمان هو المعجزة العملية الخالدة لتبليغ الرسالة بلاغاً كاملاً واضحاً، والسير بها إلى غايتها، لتخرج الناس من ظلمات الجهالة والاستعباد إلى نور العلم وحريّة العقيدة والعمل في الحياة، وقد كان بيان المثنى صريحاً متعقلاً، مقدّراً للموقف من وجهة نظرهم، فكان صورة صادقة في
صورته المعبّرة عن صدق القصد، بأنه وقومه لا يستطيعون إيواء رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمايته ونصرته على كسرى، وهو -كما يعلمون- في قوّته الحربيّة الهائلة، لكنهم قادرون على حمايته ونصرته مما يلي مياه العرب، وهذه حماية جزئيّة لا سلطان لها إلا على أضعف جوانب الحماية والنصرة، ودعوة محمَّد صلى الله عليه وسلم ورسالته دين الله الذي يعمّ أقطار الأرض في شرقها وغربها، ويعمّ جميع الأمم والشعوب والأجناس البشريّة، وممالكهم ودولهم، ويعمّ مقاومة القوى التي تقف في سبيل نشر الدعوة، مهما كانت، وكيفما كانت، ولا يمكن أن تتحقق نصرة دين الله وهو بهذا العموم إلا بحياطة عامّة شاملة. لا تهاب أعظم القوى، ولا ترهب سلطاناً لأحد في الأرض غير سلطان الله تعالى!
ولهذا جاء ردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على المثنى رداً جميلاً حازماً، مقدّراً للقوم صدق صراحتهم، وهم يعلمون موقفه في وحدته، والتماس الإيواء والنصرة أينما وجد لها سبيلاً، فقد حدّد صلى الله عليه وسلم في ردّه مهمة من ينبري لنصرة دين الله، وأنها يجب أن تكون عامةً شاملةً قويّةً قاهرةً، لا تهاب قوةً من قوى الأرض والبشر! فالنبي صلى الله عليه وسلم قدّر للقوم إحسانهم في أسلوب حوارهم معه، وردّهم عليه، وبيّن لهم أن جهدهم الجزئي في نصرة دين الله تعالى لن ينصره في دعوته وتبليغ رسالته؛ لأن دين الله في عمومه وخلوده وقوة سلطانه، وما جاء به من توحيد الله تعالى، وإخلاص العبوديّة له، وطرح عباده المخلوقين كيفما كانوا، لن ينصره نصراً يحقق له أهدافه إلا من حاطه من جميع جوانبه، لا يترك منه جانباً مكشوفاً، ولا ثغرةً مهدرة، لا تحرسها قوة قادرة، تملك الدفاع عنها وتردّ اعتداء من يحاول اقتحامها مهما كانت قوته وسلطانه!