الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ونبصر صبر الرسول صلى الله عليه وسلم على هؤلاء الذين واجهوه بسوء العاملة -كما عرفنا- ومع ذلك كله لم يطلب من الله أن ينتقم منهم، بل دعا الله تبارك وتعالى أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده .. ومن ثم كان قدوم ثقيف مسلمة -كما سيأتي بعد حصار الطائف ورجوعه إلى المدينة!
قدوم الجنّ وإسلامهم:
قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من الطائف راجعاً إلى مكة، حين يئس من خبر ثقيف، حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلّي، فمرّ به النّفر من الجنّ الذين ذكرهم الله تبارك وتعالى، وهم -فيما ذكر لي- سبعة نفر من جنّ أهل نصيبين، فاستمعوا له، فلمّا فرغ من صلاته ولّوْا إلى قومهم منذرين، قد آمنوا، وأجابوا إلى ما سمعوا، فقصّ الله خبرهم عليه صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل:{وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ} إلى قوله تعالى: {ويُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31)} ! (الأحقاف).
وقال تبارك وتعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ} ! (الجن) إلى آخر القصة من خبرهم في هذه السورة (1).
وأخرج الحاكم وغيره عن ابن مسعود قال: هبطوا، يعني: الجنّ، على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا، قالوا: صه، وكانوا تسعة، أحدهم زوبعة، فأنزل الله:{وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ} إلى قوله: {ضَلالٍ مُّبِينٍ (32)} ! (2).
(1) السيرة النبوية: ابن هشام: 2: 73 وصرح بالسماع، وهو مرسل عن محمَّد بن كعب القرظي.
(2)
الحاكم: 2: 456، وصححه ووافقه الذهبي، وأبو نعيم: الدلائل: 304، والبيهقي: الدلائل: 2: 228.
وأخرج أحمد وغيره عن الزبير: {وَإِذ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَستَمِعونَ الْقُرآنَ} قال: بنخلة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي العشاء:{كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19)} ! (الجن). (1)
ويروي الشيخان وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: انطلق النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه، عامدين إِلى سوق عُكاظ، وقد حِيلَ بين الشياطين وبين خبر السماء، وأُرسِلَت عليهم الشُّهب، فرجعت الشياطين إِلى قومهم، فقالوا: مَا لكمْ؟ فقالوا: حيلَ بيننا وبين خبر السماء، وأُرسِلَتْ علينا الشُّهب! قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إِلا شيءٌ حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومَغَارِبها، فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء! فانصرف أولئك الذين توجَّهوا نحو تِهامة إِلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو بنخلَةَ، عَامدينَ إِلى سوق عُكَاظ، وهو يُصَلِّي بأَصْحَابِهِ صلاة الفجر، فلمّا سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله! الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إِلى قومهم، وقالوا: يا قومنا {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2)} ! فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ أُوحِيَ إِليَّ} ! وإِنما أوحي إِليه قول الجن! (2).
(1) الشوكاني: 5: 28، وأحمد: 1: 167، قال الهيثمي: المجمع: 7: 132 ورجاله رجال الصحيح، وابن جرير: 26: 22، عن عكرمة عن ابن عباس، وإسناده معقّد كما قال أحمد شاكر: انظر: أحمد: 3: 46 مؤسسة الرسالة.
(2)
البخاري: 10 الأذان (773)، وانظر (4921)، ومسلم (449)، وأحمد: 1: 252، والترمذي (3323)، والنسائي: الكبرى (11624، 11625)، والتفسير (644)، وأبو يعلى (2369)، والطبري: التفسير: 29: 102، والطحاوي: شرح المشكل (2330)، والبيهقي: الدلائل: 2: 225، والبغوي: معالم التنزيل: 4: 173، والطبراني: الكبير: (12449)، والحاكم: 2: 503، وابن حبان (6526).
ويروي مسلم وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار، أنهم بينما هم جلوسٌ ليلةً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رُمِيَ بنجم فاستنار، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ماذا كنتم تقولون في الجاهليّة إِذا رُمِيَ بمثل هذا؟ "! قالوا: الله ورسوله أعلم، كنا نقول: وُلِدَ الليلة رجل عظيمٌ، ومات رجل عظيمٌ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإِنها لا يُرْمَى بها لموت أحدٍ ولا لحياته، ولكنْ ربُّنا تبارك وتعالى اسمه، إِذا قضَى أمْراً سَبَّحَ حَملةُ الْعَرْش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونَهُمْ، حتى يَبْلُغَ التّسْبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلُونَ حَمَلَة العَرْش لحملة العَرْش: ماذا قال ربّكم؟ فيخبرونهم ماذا قال، قال فَيَسْتَخْبرُ بعض أهل السموات بَعْضاً، حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدُّنْيا، فَتَخْطَفُ الجِنُّ السّمْعَ، فيقذفون إِلى أوليائهم، ويرْمُون به، فما جاؤوا به على وجهه فهو حقٌّ، ولكنهم يقرفون فيه ويزيدُون"! (1)
ويروي أحمد وغيره بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان الجن يسمعون الوحي، فيستمعون الكلمة فيزيدون فيها عشراً، فيكون ما سمعوا حقًّا، وما زادوه باطلاً، وكانت النجوم لا يُرمى بها قبل ذلك، فلما بُعث النبيُّ صلى الله عليه وسلم كان أحدُهم لا يأتي مَقْعَدَه إِلا رُمِيَ بشهاب يُحرق ما أصاب، فَشَكَوْا ذلك إِلى إِبليس، فقال: ما هذا إِلا من أمر قدْ
(1) مسلم: 39 - السلام (2229)، والبخاري: خلق أفعال العباد (469)، وأحمد: 1: 218، والترمذي (3224)، والنسائي: التفسير (292) والكبرى (11272)، والطحاوي: شرح المشكل (2332، 2333، 2334)، وأبو نعيم: الحلية: 3: 143، والبيهقي: الدلائل: 2: 236، والأسماء والصفات: 1: 327، وابن إسحاق: السيرة النبوية: ابن هشام: 1: 265.
حدثَ، فبثَّ جنوده، فإذا هم بالنبي صلى الله عليه وسلم يصلِّي بين جَبَلَيْ نَخْلَة، فأتَوهُ فأخبروه، فقال: هذا الحدثُ الذي حدثَ في الأرض! (1)
ومقالة النفر من الجنّ (2) - مع خشوعهم عند سماع القرآن- تتضمن أسس الاعتقاد الكامل: تصديق الوحي، ووحدة العقيدة بين التوراة والقرآن، والاعتراف بالحق الذي يهدي إليه، والإيمان بالآخرة وما ينتهي إلى المغفرة وما ينتهي إلى العذاب من الأعمال، والإقرار بقوّة الله وقدرته على الخلق، وولايته وَحْده للعبادة والربط بين خلق الكون وإحياء الموتى!
وذكر القرآن لحادث صرف نفر من الجنّ ليستمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم، وحكاية ما قالوا وما فعلوا .. هذا وحده كاف بذاته لتقرير وجود الجنّ، ولتقرير وقوع الحادث، ولتقرير أن الجنّ هؤلاء يستطيعون أن يستمعوا للقرآن بلفظه
(1) أحمد: 1: 274، 323، والترمذي (3324)، والنسائي: الكبرى (11626)، والتفسير (646)، وأبو يعلى (2502)، والطحاوي: شرح المشكل (2331)، والطبراني: الكبير (12431)، والبيهقي: الدلائل: 2: 239.
(2)
في ظلال القرآن: 6: 3270.
العربي المنطوق كما يلفظه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولتقرير أن الجنّ خلق قابلون للإيمان وللكفران، مستعدّون للهُدى وللضلال، وليس هناك من حاجة إلى تثبيت أو تأكيد لهذه الحقيقة؛ فما يملك إنسان أن يزيد الحقيقة التي يقرّرها الله سبحانه ثبوتاً!
وهذا الكون من حولنا حافل بالأسرار .. حافل بالقوى والخلائق المجهولة لنا كنهاً وصفةً وأثراً .. ونحن نعيش في أحضان هذه القوى والأسرار .. نعرف منها القليل، ونجهل منها الكثير، وفي كل يوم نكشف بعض هذه الأسرار، وندرك بعض هذه القوى، ونتعرّف إلى بعض هذه الخلائق تارةً بذواتها. وتارةً بصفاتها، وتارةً بمجرّد آثارها في الوجود من حولنا!
ونحن ما نزال في طريق المعرفة لهذا الكون، الذي نعيش نحن وآباؤنا وأجدادنا، ويعيش أبناؤنا وأحفادنا، على ذرّة من ذرّاته الصغيرة .. هذا الكوكب الأرضيّ الذي لا يبلغ أن يكون شيئاً يذكر في حجم الكون أو وزنه!
وما عرفناه اليوم -ونحن مانزال في الطريق- يعدّ بالقياس إلى معارف البشريّة قبل خمسة قرون فقط عجائب أضخم من عجيبة الجنّ، ولو قال قائل للناس قبل خمسة قرون عن شيء من أسرار الذرّة التي نتحدّث عنها اليوم لظنّوه يتحدّث عمّا هو أشدّ غرابةً من الجن قطعاً!
ونحن نعرف ونكشف في حدود طاقتنا البشريّة، المعدّة للخلافة في هذه الأرض، ووفق مقتضيات هذه الخلافة، وفي دائرة ما سخّره الله لنا ليكشف لنا عن أسراره، وليكون لنا ذلولاً، كيما نقوم بواجب الخلافة في الأرض .. ولا نتعدّى معرفتنا وكشوفنا في طبيعتها وفي مداها -مهما امتدّ الأجل بالبشريَّة،
ومهما سخّر لنا من قوى الكون وكشف لنا من أسراره، لا نتعدّى تلك الدائرة .. دائرة ما نحتاجه للخلافة في هذه الأرض، وفق حكمة الله وتقديره!
وسنكشف كثيراً، وسنعرف كثيراً، وستفتح لنا عجائب من أسرار هذا الكون وطاقاته .. مما قد تعتبر أسرار الذّرة بالقياس إليه شيئاً يسيراً .. ولكننا سنظلّ في حدود الدائرة المرسومة للبشر في المعرفة، وفي حدود قوله تعالى:{وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً (85)} (الإسراء)! قليلاً بالقياس إلى ما في هذا الوجود من أسرار وغيوب لا يعلمها إلا خالقه وقيّومه. وفي حدود تمثيله لعلمه غير المحدود، ووسائل المعرفة البشريّة المحدودة بقوله:{وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} (لقمان: 27)!.
فليس لنا -والحالة هذه- أن نجزم بوجود شيء أو نفيه، وتصوّره أو عدم تصوّره، من عالم الغيب المجهول، ومن أسرار هذا الوجود وقواه، لمجرّد أنه خارج عن مألوفنا العقليّ أو تجاربنا المشهودة، ونحن لم ندرك بعد كل أسرار أجسامنا وأجهزتها وطاقاتها، فضلاً على إدراك أسرار عقولنا وأرواحنا!
وقد تكون هناك أسرار ليست داخلةً في برنامج ما يكشف لنا عنه أصلاً، وأسرار ليست داخلةً في برنامج ما يكشف لنا عن كنهه، فلا يكشف لنا إلا عن صفته أو أثره أو مجرد وجوده .. لأن هذا لا يفيدنا في وظيفة الخلافة في الأرض!
فإذا كشف الله تبارك وتعالى عن القدر المقسوم لنا من هذه الأسرار والقوى. عن طريق كلامه -لا عن طريق تجاربنا ومعارفنا الصادرة من طاقاتنا الموهوبة لنا من لدنه أيضاً- فسبيلنا في هذه الحالة أن نتلقّى هذه الهبة بالقبول والشكر والتسليم .. نتلقّاها كما هي؛ فلا نزيد عليها ولا ننقص منها؛ لأن
المصدر الوحيد الذي نتلقّى عنه مثل هذه المعرفة لم يمنحنا إلا هذا القدر بلا زيادة، وليس هنالك مصدر آخر نتلقّى عنه مثل هذه الأسرار!
ومن هذا النصّ القرآني، ومن نصوص سورة الجنّ، والأرجح أنها تعبير عن الحادث نفسه، ومن النصوص الأخرى المتناثرة في القرآن عن الجنّ، ومن الآثار النبوية الصحيحة -التي قدّمنا بعضها عن الجنّ- نستطيع أن ندرك بعض الحقائق عن الجن .. ولا زيادة:
هذه الحقائق تتلخّص في أن هنالك خلقاً اسمه الجنّ، مخلوق من النار، لقول إبليس في الحديث عن آدم:{قَالَ أَنَا خَيرٌ مِّنْه خَلَقتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقتَهُ مِن طِينٍ (76)} (ص)!
ويروي مسلم وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خلقت الملائكة من نور، وخُلق الجانّ من مارج من نار، وخلق آدم مما وُصِفَ لكم"(1).
وإبليس كان من الجنّ (2)، كما قال تعالى:{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} (الكهف)!
وهذا الخلق له تجمعات خاصة، وأصناف خاصة!
يروي الحاكم وغيره عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: قال
(1) مسلم: 53 - الزهد (2996)، وأحمد: 6: 153، 168، والبيهقي: الأسماء والصفات: 385 - 386، وابن حبان (6155)، وأورده السيوطي: الدرر المنثور: 7: 695 وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن المنذري، وابن مردويه.
(2)
انظر: تفسير الشوكاني: 3: 297.
رسول الله صلى الله عليه وسلم (1): "الجنُّ ثلاثة أصناف، صنفٌ لهم أجنحة يطيرون في الهواء .. وصنف حيّات وكلاب، وصنف يحلّون ويظعنونَ".
وله تجمعّات تشبه تجمّعات البشر في قبائل وأجناس: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27)} (الأعراف)!
وله قدرة على الحياة على هذا الكوكب -لا ندري أين- قال تعالى لآدم وإبليس معاً: {اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36)} (البقرة)!
ويطالعنا ما رواه مسلم وغيره عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة، أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته، قال فوجدته يُصلِّي، فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته، فسمعت تحريكاً في عراجين (2) في ناحية البيت فالتفتُّ فإِذا حيَّةٌ، فوثبْت لأقتلها، فأشار إِليّ: أن اجْلِس، فجلسْت، فلمّا انصرف أشار إِلى بيت في الدّار، فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت: نعم، قال: كان فيه فَتًى منّا حديث عهد بِعُرْسٍ. قال: فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنْصاف النّهار، فيرجع إِلى أهله، فاستأذنه يوماً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"خذ عليك سلاحك، فإِنِّي أخشى عليه قريظة" فأخذ الرجل سلاحه، ثم رجع فإِذا
(1) الحاكم: 2: 456 وصحح إسناده ووافقه الذهبي، والبيهقي: الأسماء والصفات: 388، وأبو نعيم: الحلية: 5: 137، والطحاوي: شرح مشكل الآثار: 4: 95 - 96، وابن حبان (6156)، وانظر: المجمع: 8: 136.
(2)
أي الأعواد التي في سقف البيت.
امرأته بين البابين قائمة، فأهوى إِليها الرمح ليطعنها به، وأصابته غيْرةٌ فقالت له: اكْفُفْ عليك رُمْحَك، وادخُل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني، فدخل فإِذا بحيّة عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إِليها بالرمّح فانتظمها به، ثم خرج فركزه في الدّار، فاضطربت عليه، فما يُدري أيّهما كان أسرع موتاً، الحيّة أم الفتى؟ قال فجئنا إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له، وقلنا: ادْعُ الله يُحْييه لنا، فقال:"استغفروا لصاحبكم" ثم قال: "إِن بالمدينة جنًّا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئاً فآذنوه ثلاثة أيّام، فإِن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإِنما هو شيطان".
وفي رواية: "إِن لهذه البيوت عوامر، فإِذا رأيتم شيئاً منها فحرّجوا عليها ثلاثاً، فإِن ذهب، وإِلا فاقتلوه، فإِنه كافر"، وقال لهم:"اذهبوا فادفنوا صاحبكم"(1).
وفي رواية للشيخين وغيرهما عن ابن عُمر رضي الله عنهما: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر يقول: "اقتلوا الحيّات، واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر، فإِنهما يطمسان البصر، ويستسقطان الحبل"(2).
هذا، والجنّ الذين سخّروا لسليمان عليه السلام (3)، كانوا يقومون بأعمال في الأرض تقتضي أن يكونوا مزوّدين بالمدرة على الحياه فيها، وأن للجن قدرةً
(1) مسلم: 39 - السلام (2236)، ومالك: 2: 976 - 977، وأبو داود (5259)، والترمذي بعد الحديث (1484)، وابن حبان (5637).
(2)
البخاري: 58 - بدء الخلق (3297)، وانظر (3310، 3312، 4016)، ومسلم (2233)، والحميدي (620)، وأحمد: 2: 12109، والبغوي (3263)، وابن حبان (5638).
(3)
في ظلال القرآن: 6: 3271 وما بعدها بتصرف.
كذلك على الحياة خارج هذا الكوكب، لقول الله تعالى حكايته عن الجن:{وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (9)} (الجن)!
وأنه يملك التأثير في إدراك البشر، وهو مأذون في توجيه الضالّين منهم -غير عباد الله- للنصوص السابقة، ولقوله تعالى في حكاية إبليس اللعين:{فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83)} (ص)!
وأنه يستطيع أن يسمع صوت الإنسان ويفهم لغته، بدلالة استماع نفر من الجن للقرآن وفهمه والتأثّر به، وأنه قابك للهدى والضلال، بدلالة قول هذا النفر:{وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15)} (الجن)!
وبدليل ذهابهم إلى قومهم منذرين، يدعونهم إلى الإيمان بعد ما وجدوه في نفوسهم، وعلموا أن قومهم لم يجدوه بعد!
ونعود إلى قوله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29)} (الأحقاف)!
نعود فنرى تدبيراً من الله تعالى أن يصرف هؤلاء النفر من الجنّ إلى استماع القرآن في هذا الوقت، بعد تلك الظروف القاسية التي عرضنا لها، لا مصادفةً عابرةً، وكان في تقدير الله أن تعرف الجنّ نبأ الرسالة الخالدة الخاتمة الأخيرة، كما عرفت من قبل رسالة موسى عله السلام، وأن يؤمن فريق منهم وينجو من النار المعدّة لشياطين الجنّ، كما هي معدّة لشياطين الإنس سواء!
ويرسم النصّ مشهد هذا النفر وهم يستمعون إلى هذا القرآن، ويصوّرون لنا ما وقع في حسّهم منه، من الرّوعة والتأثّر والرهبة، والخشوع:{فَلَمَّا حَضرُوهُ قَالُوا أَنصتُوا} ! وتلقي هذه الكلمة ظلال الموقف كله مدّة الاستماع: {فَلَمَّا قضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَومِهِم مُّنذِرِينَ (29)} !
وهذه كتلك تصوّر الأثر الذي انطبع في قلوبهم من الإنصات للقرآن، فقد استمعوا صامتين منتبهين حتى النهاية .. فلما انتهت التلاوة لم يلبثوا أن سارعوا إلى قومهم، وقد حملت نفوسهم ومشاعرهم منه ما لا تطيق السكوت عليه، أو التلكؤ في إبلاغه والإنذار به، وهي حالة من امتلأ حسه بشيء جديد، وحفلت مشاعره بمؤثر قاهر غلاب، يدفعه دفعاً إلى الحركة به، والاحتفال بشأنه وإبلاغه للآخرين في جد واهتمام:{قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30)} !
ولّوا إلى قومهم مسارعين يقولون: {إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى} ! يصدّق كتاب موسى في أصوله، فهم إذن كانوا يعرفون كتاب موسى، فأدركوا الصلة بين الكتابين بمجرد سماع آيات من هذا القرآن؛ لأن طبيعتها تشي بأنها من ذلك النبع الذي نبع منه كتاب موسى. وشهادة هؤلاء الجن البعيدين -نسبياً- عن مؤثّرات الحياة البشرية، بمجرد تذوقهم لآيات من القرآن، ذات دلالة وذات إيحاء عميق!
ثم عبّروا عما خالج مشاعرهم منه، وما أحسته ضمائرهم، فقالوا عنه:{يَهدِي إِلَى الْحَقِّ وَإلَى طَرِيقٍ مسْتَقِيمٍ (30)} !
ووقع الحق والهدى في هذا القرآن هائل ضخم، لا يقف له قلب غير
مطموس، ولا تصمد له روح غير معاندة ولا مستكبرة ولا مشدودة بالهوى الجامح اللئيم .. ومن ثمّ لمس هذه القلوب لأوّل وهلة، فإذا هي تنطق بهذه الشهادة، وتعبّر عما مسّها منه هذا التعبير!
ثم مضوا في نذارتهم لقومهم في حماية المقبنع المندفع، الذي يحسِّ أن عليه واجباً في النذارة، لا بد أن يؤديه:{يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31)} !
فقد اعتبروا نزول هذا الكتاب إلى الأرض دعوة من الله لكل من بلغته من إنس وجنّ، واعتبروا محمداً صلى الله عليه وسلم داعياً إلى الله بمجرد تلاوته لهذا القرآن واستماع الثقلين له، فنادوا قومهم بهذا النداء، وآمنوا كذلك بالآخرة، وعرفوا أن الإيمان والاستجابة لله يكون معهما غفران الذنب، والإجارة من العذاب، فبشّروا وأنذروا بهذا الذي عرفوه!
ويطالعنا قوله جلّ شأنه: {وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (32)} !
وهنا نبصر تكلة طبيعية لنذارة النفر لقومهم، فقد دعوهم إلى الاستجابة والإيمان، فالاحتمال قويّ وراجح أن يبيّنوا لهم أن عدم الاستجابة وخيم العاقبة، وأن الذي لا يستجيب لا يعجز الله أن يأتي به ويوقع عليه الجزاء، ويذيقه العذاب الأليم، فلا يجد له من دون الله أولياء ينصرونه أو يعينونه، وأن هؤلاء المعرضين ضالون ضلالاً بيناً عن الصراط المستقيم!
وكذلك الآية التي بعدها: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33)} !
وهنا نبصر تعجيباً من أولئك الذين لا يستجيبون لله، حاسبين أنهم سيفلتون، أو أنه ليس هناك حساب ولا جزاء!
وتلك لفتة إلى كتاب الكون المنظور .. وكثيراً ما يتضمّن السياق القرآني مثل هذا التناسق .. فيتم التطابق على الحقيقة الواحدة في السورة الواحدة!
وكتاب الكون يشهد بالقدرة البدعة ابتداء لهذا الخلق الهائل: السماوات والأرض، ويوحي للحسّ البشريّ بيسر الإحياء بعد الموت .. وهذا الإحياء هو المقصود، وصياغة القضية في أسلوب الاستفهام، والجواب أقوى وآكد في تقرير هذه الحقيقة .. تم يجيء التعقيب التالي:{إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33)} فتضم الإحياء وغيره في نطاق هذه القدرة الشاملة لكل شيء كان أو يكون!
وعند ذكر الإيحاء يرتسم مشهد الحساب كأنه شاخص للعيون: {{وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (34)} !
ويبدأ المشهد حكايته أو مقدمة لحكاية: {وَيَوْمَ يعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ} ! وبينما السامع في انتظار وصف ما سيكون، إذا المشهد يشخص بذاته، وإذا الحوار قائم في المشهد المعروض:{أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقّ} !
ويا له من سؤال؟ بل يا لها من قارعة للذين كانوا يكذبون ويستهزئون ويستعجلون .. واليوم تتلوَّى أعناقهم على الحق الذي كانوا ينكرون، والجواب في خزي وفي مذلّة وفي ارتياع:{بَلَى وَرَبِّنَا} ! هكذا هم يقسمون: {وَرَبِّنَا} ! .. ربهم الذي كانوا لا يستجيبون لداعيه، ولا يستمعون لنبيه ولا يعترفون بربوبيته، ثم هم اليوم يقسمون على الحق الذي أنكروه!