المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

إن الذين يقولون هذا القول، وينسبون ما يصيبهم من الخير - الجامع الصحيح للسيرة النبوية - جـ ٤

[سعد المرصفي]

فهرس الكتاب

- ‌«مقدمات جهاد الدعوة وأثرها في حياة الدعاة»

- ‌مقدمة

- ‌رسالة ورسول

- ‌1 - إنذار الأقربين:

- ‌2 - الجهر العام:

- ‌3 - بين زعماء قريش وأبي طالب:

- ‌4 - السخرية والاستهزاء:

- ‌5 - التطاول على القرآن ومنزله ومن جاء به:

- ‌6 - الاتصال باليهود وأسئلتهم:

- ‌ السؤال عن الروح:

- ‌ أهل الكهف:

- ‌ ذو القرنين:

- ‌7 - دستور الحكم الصالح:

- ‌الطغاة:

- ‌المستضعفون:

- ‌8 - إنذار يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌9 - {أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً}:

- ‌10 - بين الصهيونية والصليبيّة:

- ‌11 - معركة عقيدة:

- ‌12 - إسلام عمر الفاروق:

- ‌13 - عزيمة النبوّة:

- ‌14 - الاضطهاد والتعذيب:

- ‌15 - المساومة والإغراء:

- ‌16 - عقليَّة بليدة:

- ‌أولها:

- ‌ثانياً:

- ‌ثالثها:

- ‌رابعها:

- ‌17 - السمو الروحي:

- ‌18 - رسالة ورسول:

- ‌19 - طمأنينة قلب النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌20 - في رحاب سورة (فصلت):

- ‌21 - عناد المشركين:

- ‌22 - المعجزة الكبرى:

- ‌23 - نهاية المفاوضات:

- ‌24 - الصبر الجميل:

- ‌25 - تبليغ الرسالة:

- ‌26 - موقف الوليد بن المغيرة:

- ‌27 - نموذج للشرّ الخبيث:

- ‌قال المفسرون:

- ‌وقال الشوكاني في قوله:

- ‌28 - دعاية للرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌29 - نماذج الخبث البشري:

- ‌30 - أسلوب الآيات:

- ‌31 - معالم الفجور:

- ‌32 - خصائص هذا النموذج:

- ‌33 - رأي آخر:

- ‌قال الفخر الرازي

- ‌قال الفخر الرازي:

- ‌34 - في رحاب سورة (القلم):

- ‌35 - معالم خصائص نموذج الفجور:

- ‌ المعْلَم الأول:

- ‌ المعْلم الثاني:

- ‌ المعلم الثالث:

- ‌ المعْلم الرابع:

- ‌ المعْلَم الخامس:

- ‌ المعْلَم السادس:

- ‌36 - إشهار نموذج الشر:

- ‌37 - منح في ثنايا المحن:

- ‌38 - إذاعة الإرجاف:

- ‌39 - توجيه إلهي:

- ‌40 - إسلام الطفيل الدوسي:

- ‌41 - نور الهداية:

- ‌42 - مضاء العزيمة:

- ‌43 - حوار عقول:

- ‌44 - آيات من العبر:

- ‌45 - قوّة الإيمان:

- ‌46 - المستقبل للإسلام:

- ‌47 - درس للدعاة:

- ‌«طريق جهاد الدعوة في ضوء سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌مقدمة

- ‌هذا هو الطريق

- ‌أشدّ الناس بلاء:

- ‌مفرق الطريق:

- ‌ضرورة الابتلاء:

- ‌قيمة العقيدة:

- ‌حقيقة الابتلاء:

- ‌يخلص لنا ابتداءً:

- ‌ويخلص لنا ثانياً:

- ‌ويخلص لنا ثالثاً:

- ‌ويخلص لنا رابعاً:

- ‌ابتلاء شديد:

- ‌هذا هو الطريق

- ‌وهذه هي طبيعة هذا المنهج ومقوّماته

- ‌والمصابرة

- ‌والمرابطة

- ‌تمحيص المؤمنين:

- ‌تربية إيمانيّة:

- ‌توكّل على الله:

- ‌نهاية الظالمين:

- ‌إعداد وثبات:

- ‌الوجه الأول:

- ‌الوجه الثاني:

- ‌الوجه الثالث:

- ‌معالم في الطريق:

- ‌المعلم الأول:

- ‌المعلم الثاني:

- ‌المعلم الثالث:

- ‌زلزال شديد:

- ‌مناجاة في ليلة القدر:

- ‌الله والطاغوت:

- ‌شظايا من الإيمان:

- ‌الهجرة إلى الحبشة

- ‌أول هجرة في الإِسلام:

- ‌السابقون إلى الإِسلام:

- ‌مكانة السابقين:

- ‌غيظ قريش وحنقها:

- ‌إشارة الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة:

- ‌هجرة تبليغ الرسالة:

- ‌البعد عن مواطن الفتنة:

- ‌البعد عن إثارة المعوّقات في طريق الرسالة:

- ‌تخفيف الأزمات النفسيّة:

- ‌إفساح طريق التبليغ:

- ‌سجل المهاجرين:

- ‌حكمة سياسة الاستسرار:

- ‌سفارة المشركين إلى النجاشي:

- ‌سياسية تبليغ الدعوة:

- ‌إخفاق سفارة المشركين:

- ‌تملك النجاشيّ على الحبشة:

- ‌إسلام النجاشي:

- ‌عالميّة الدعوة الإِسلاميّة:

- ‌مكانة المرأة المسلمة:

- ‌عودة المهاجرين إلى المدينة:

- ‌هجرة مواجهة واختبار:

- ‌أسطورة الغرانيق

- ‌أكذوبة متزندقة:

- ‌المبشرون المستشرقون:

- ‌المستشرق اليهودي (يوسف شاخت) وأسطورة الغرانيق:

- ‌المستشرق (بروكلمان) وغيره:

- ‌السبب الأول:

- ‌السبب الثاني:

- ‌ردود العلماء:

- ‌بطلان الأسطورة سنداً ومتناً:

- ‌قول الحافظ ابن حجر:

- ‌قول الدكتور (أبو شهبة):

- ‌قول الإِمام محمد عبده:

- ‌البطلان من حيث الزمان:

- ‌سبب سجود المشركين:

- ‌لا سبيل للشيطان:

- ‌قال الشيخ عرجون:

- ‌على أن قول الشيخ الإِمام ابن تيمية:

- ‌ثم قال الإِمام ابن تيمية:

- ‌رأي أهوج للكوراني:

- ‌أمران باطلان:

- ‌الأمر الأول:

- ‌الأمر الثاني:

- ‌مفاسد رأي الكوراني:

- ‌المفسدة الأولى

- ‌قال الكوراني في ردّه على هذا الوجه من المفسدة:

- ‌قال الشيخ عرجون:

- ‌قال العلامة الآلوسي في نقض اعتراض الكوراني على المفسدة الأولى

- ‌المفسدة الثانية

- ‌وأجاب الشيخ الكوراني على هذا الوجه من المفسدة فقال:

- ‌قال العلاّمة الآلوسي:

- ‌يقول الشيخ عرجون:

- ‌قال العلاّمة الآلوسي:

- ‌المفسدة الثالثة:

- ‌وقال الشيخ عرجون

- ‌ويردّ الشيخ إبراهيم الكوراني على الوجه الثالث من وجوه المفاسد الغرنوقيّة، فيقول الآلوسي

- ‌قال الشيخ عرجون:

- ‌قال العلاّمة الآلوسي:

- ‌المفسدة الرابعة:

- ‌المفسدة الخامسة:

- ‌المفسدة السادسة:

- ‌قال العلاّمة الآلوسي:

- ‌ثم قال العلاّمة المفسّر شهاب الدين السيد محمود الآلوسي، معقّباً على ما ساقه من (أخبار هذه الأقصوصة الغرنوقيّة):

- ‌ثم قال الآلوسي:

- ‌قال شيخنا عرجون رحمه الله:

- ‌آيات القرآن:

- ‌درس للدعاة:

- ‌اعتباران:

- ‌الاعتبار الأول:

- ‌الاعتبار الثاني:

- ‌وصيّة أخويّة:

- ‌محنة الحصار الاقتصادي المقاطعة الظالمة

- ‌قوّة عزيمة الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌التآمر على قتل النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌تدبير أبي طالب لحماية الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌سبب كتابة الصحيفة:

- ‌شدّة حرص أبي طالب وشعره:

- ‌نقض ما تعاهدوا عليه:

- ‌آية الله في الصحيفة:

- ‌سعي أبي طالب:

- ‌كاتب الصحيفة:

- ‌شدة الحصار:

- ‌وفي رواية يونس:

- ‌كاتبها ماحيها:

- ‌تحرك العواطف:

- ‌لؤم نحيزة أبي جهل:

- ‌شعر أبي طالب بعد تمزيق الصحيفة:

- ‌المقاطعة في الصحيح:

- ‌إعداد لتحمّل أثقال الدعوة:

- ‌دروس للدعاة:

- ‌مسيرة الدعوة:

- ‌توالي اشتداد المحن

- ‌خُسران ملأ قريش:

- ‌مواقف العامة من الدعوة:

- ‌منهج الدعوة إلى الله:

- ‌رزء الحميّة القوميّة بوفاة أبي طالب:

- ‌شعر أبي طالب في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌وصيّة أبي طالب لقومه:

- ‌وفاة أبي طالب:

- ‌رزء الإِسلام ونبيّه بوفاة خديجة رضي الله عنها:

- ‌حقيقة الرسالة:

- ‌تسامي حياة الصدّيقية المؤمنة:

- ‌ورقة يؤكد فراسات خديجة:

- ‌دور خديجة رضي الله عنها:

- ‌موت خديجة وتسليم الله عليها وتبشيرها:

- ‌الرسول صلى الله عليه وسلم في الطائف:

- ‌قدوم الجنّ وإسلامهم:

- ‌توجيه ربّانيّ:

- ‌«الإسراء والمعراج - منحة ربانية بعد اشتداد المحن»

- ‌مقدمة

- ‌منحة ربَّانيَّة

- ‌طريق الدعوة:

- ‌أعظم آيّات الإعجاز الكوني:

- ‌تشريف وتكريم:

- ‌آيات الأنبياء:

- ‌رسالة عقليّة علميّة خالدة:

- ‌القرآن آية التحدّي العظمى:

- ‌الآيات الحسيّة لخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم

- ‌فكان الردّ عليهم:

- ‌ونقرأ التعقيب في الآية التالية:

- ‌ونبصر موقف أهل الإيمان عقب تلك الآيات مباشرة:

- ‌انشقاق القمر:

- ‌نبع الماء من بين أصابع النبيّ صلى الله عليه وسلم

- ‌تكثير الطعام القليل:

- ‌حنين الجذع:

- ‌التحدّي بالقرآن:

- ‌آية الإسراء أرفع المراتب:

- ‌مفهوم الإسراء:

- ‌مفهوم المعراج:

- ‌حكم الإسراء والمعراج:

- ‌أهم الأحاديث:

- ‌الحديث الأول:

- ‌الحديث الثاني:

- ‌الحديث الثالث:

- ‌الحكمة في اختصاص كل نبيّ بسماء:

- ‌صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء:

- ‌حكمة اجتماع الأنبياء في الصلاة:

- ‌بين الرسول صلى الله عليه وسلم وقريش:

- ‌حقيقة الإسراء والمعراج:

- ‌القول الأول:

- ‌القول الثاني:

- ‌القول الثالث:

- ‌قول باطل:

- ‌الإسراء ووحدة والوجود:

- ‌إبطال وحدة الوجود:

- ‌إنكار النصوص وتحريفها:

- ‌إغراب وتشويش:

- ‌طريق الكفاح في مسير الدعوة:

- ‌دعاة على الطريق:

- ‌وقت الإسراء والمعراج:

- ‌بدء الإسراء:

- ‌شبهات .. وردُّها

- ‌حديث شريك:

- ‌الشبهة الأولى وردّها:

- ‌الشبهة الثانية وردّها:

- ‌الشبهة الثالثة وردّها:

- ‌الشبهة الرابعة وردّها:

- ‌الشبهة الخامسة وردّها:

- ‌الشبهة السادسة وردّها:

- ‌الشبهة السابعة وردّها:

- ‌الشبهة الثامنة وردّها:

- ‌رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربّه ليلة المعراج:

- ‌القول الأوّل:

- ‌القول الثاني:

- ‌القول الثالث:

- ‌الراجح من الأقوال:

- ‌الشبهة التاسعة وردّها:

- ‌الشبهة العاشرة وردّها:

- ‌بين موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام:

- ‌مكانة المسجد الحرام

- ‌أول بيت للعبادة:

- ‌دين السلام:

- ‌ليلة القدر يكتنفها السلام:

- ‌أخوّة إنسانيّة:

- ‌الأسرة قاعدة الحياة البشريّة:

- ‌أساس السلام:

- ‌{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}:

- ‌أخص خصائص التحرّر الإنساني:

- ‌حرّية الدعوة:

- ‌إدراك العجز إدراك:

- ‌مكانة المسؤوليّة:

- ‌سلام عالمي:

- ‌ملّة إبراهيم:

- ‌سؤال الأمن يوم الخوف:

- ‌الأمن عبر التاريخ:

- ‌{أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا}:

- ‌{اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}:

- ‌حقوق الإنسان:

- ‌دعوة إبراهيم:

- ‌مكانة المسجد الأقصى ودور اليهود عبر التاريخ

- ‌تاريخ المسجد الأقصى:

- ‌في رحاب سورة الإسراء:

- ‌العصر الذهبي:

- ‌عهد الانقسام وزوال الملك:

- ‌مع الآيات القرآنية:

- ‌أشهر أقول المفسِّرين:

- ‌نبوءة المسيح عليه السلام:

- ‌رأي جديد:

- ‌سورة بني إسرائيل:

- ‌ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ}

- ‌ردّ الكرة:

- ‌فرصة للاختيار:

- ‌بشرى للمؤمنين:

- ‌تعليق على المقال:

- ‌فتح المسلمين للقدس:

- ‌القدس الشريف:

- ‌خطبة الفاروق رضي الله عنه

- ‌العهدة العمرية:

- ‌أساطير التعصّب والحروب:

- ‌قذائف الحق:

- ‌نبوءة النصر:

- ‌الأقصى بين الأمس واليوم

- ‌الأقصى ينادي:

- ‌شكوى

- ‌جواب الشكوى

- ‌فلسطين الدامية

- ‌أخي

- ‌رد على الشهيد

- ‌نكبة فلسطين

- ‌يا أمتي وجب الكفاح

- ‌يا قدس

- ‌إلى القدس هيّا نشدّ الرحال

- ‌فلسطين الغد الظاهر

- ‌مناجاة في رحاب الأقصى

- ‌ذبحوني من وريد لوريد

- ‌اغضب لله

- ‌مشاهد وعبر

الفصل: إن الذين يقولون هذا القول، وينسبون ما يصيبهم من الخير

إن الذين يقولون هذا القول، وينسبون ما يصيبهم من الخير إلى الله، وما يصيبهم من الضرّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحتمل فيهم وجوه:

‌الوجه الأول:

إنهم يتطيّرون بالنبي صلى الله عليه وسلم فيظنونه -حاشاه- شؤماً عليهم، يأتيهم السوء من قبله، فإن أجدبت السنة، ولم تنسل البهيمة، أو إذا أصيبوا في موقعة، تطيّروا بالرسول صلى الله عليه وسلم، فأمّا حين يصيبهم الخير فينسبون هذا إلى الله!

‌الوجه الثاني:

إنهم يريدون عامدين تجريح قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم، تخلّصاً من التكاليف التي يأمرهم بها .. وقد يكون تكليف القتال منها أو أخصها، فبدلاً من أن يقولوا: إنهم ضعاف يخشون مواجهة القتال، يتّخذون ذلك الطريق الملتوي الآخر! ويقولون: إن الخير يأتيهم من الله، وإن السوء لا يجيئهم إلا من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم ومن أوامره، وهم يعنون بالخير أو السوء النفع أو الضرّ القريب الظاهر!

‌الوجه الثالث:

هو سوء التصوّر فعلاً لحقيقة ما يجري لهم وللناس في هذه الحياة، وعلاقته بمشيئة الله، وطبيعة أوامر النبي صلى الله عليه وسلم لهم، وحقيقة صلة الرسول بالله سبحانه وتعالى!

وهذا الوجه الثالث -إذا صحّ- ربما يكون قابلاً لأن يوسم به ذلك الفريق الذي كان سوء تصوّرهم لحقيقة الموت ولأجل يجعلهم يخشون الناس كخشية الله أو أشدّ خشية، ويقولون:{رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} !

ص: 1216

غير أننا ما نزال نميل إلى اعتبار المتحدث عنهم هنا طائفة أخرى .. تجتمع فيها تلك الأوجه كلها أو بعضها، وهذا الوجه الثالث منها!

إن القضية التي تتناولها هذه الآيات، هي جانب من قضيّة كبيرة .. القضيّة المعروفة في تاريخ الجدل والفلسفة في العالم كله باسم (قضية القضاء والقدر) أو (الجبر والاختيار) .. وقد وردت في أثناء حكايته ذلك الفريق من الناس، ثم في الردّ عليهم، وتصحيح تصوّرهم .. والقرآن يتناولها ببساطة واضحة، لا تعقيد فيها ولا غموض .. فلنعرضها كما وردت، وكما ردّ عليها القرآن الكريم:{وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78)} !

إن الله هو الفاعل الأول، والفاعل الواحد، لكل ما يقع في الكون، وما يقع للناس، وما يقع من الناس، فالناس يملكون أن يتّجهوا وأن يحاولوا، ولكن تحقّق الفعل -أي فعل- لا يكون إلا بإرادة من الله وقدره؛ فنسبة إنشاء الحسنة أو إنشاء السيّئة وإيقاعها بهم للرسول صلى الله عليه وسلم وهو بشر منهم مخلوق مثلهم نسبة غير حقيقيّة، تدلّ على عدم فقههم شيئاً في هذا الموضوع!

إن الإنسان قد يتّجه ويحاول تحقيق الخير بالوسائل التي أرشد الله إلى أنها تحقّق الخير، ولكن تحقّق الخير فعلاً يتمّ بإرادة الله وقدره؛ لأنه ليست هناك قدرة -غير قدرة الله- تنشئ الأشياء والأحداث، وتحقّق ما يقع في هذا الكون من وقائع، وإذن يكون تحقُّق الخير -بوسائله التي اتخذها الإنسان وباتّجاه الإنسان وجهده- عملاً من أعمال القدرة الإلهيّة!

وإن الإنسان قد يتّجه إلى تحقيق السوء، أو يفعل ما من شأنه إيقاع السوء،

ص: 1217

ولكن وقوع السوء فعلاً ووجوده أصلاً لا يتمّ إلا بقدرة الله وقدر الله؛ لأنه ليس هناك قدرة منشئة للأشياء والأحداث في هذا الكون غير قوّة الله!

وفي الحالتين يكون وجود الحدث وتحقّقه من عند الله .. وهذا ما تقرّره الآية الأولى!

أما الآية الثانية: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} !

فإنها تقرر حقيقة أخرى، ليست داخلة ولا متداخلة مع مجال الحقيقة الأولى .. إنها في واد آخر .. والنظرة فيها من زاوية أخرى:

إن الله سبحانه قد سنَّ منهجاً، وشرع طريقاً، ودلَّ على الخير، وحذّر من الشرّ .. فحين يتبع الإنسان هذا المنهج، ويسير في هذا الطريق، ويحاول الخير، ويحذر الشر .. فإن الله يعينه على الهدى كما قال:

{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)} (العنكبوت)!

ويظفر الإنسان بالحسنة، ولا يهم أن يكون من الظواهر التي يحسبها الناس من الخارج كسباً .. إنما هي الحسنة فعلاً في ميزان الله تعالى .. وتكون من عند الله؛ لأن الله هو الذي سنَّ المنهج، وشرع الطريق، ودلَّ على الخير، وحذَّر من الشرّ .. وحين لا يتبع الإنسان منهج الله الذي سنّه، ولا يسلك الطريق الذي شرعه، ولا يحاول الخير الذي دلّ عليه، ولا يحذر الشرّ الذي حذّره منه .. حينئذ تصيبه السيئة الحقيقيّة، سواء في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معاً، ويكون هذا من عند نفسه؛ لأنه هو الذي لم يتبع منهج الله وطريقه!

ص: 1218

وهذا معنى غير المعنى الأوّل، ومجال غير المجال الأوّل!

ولا يغيّر هذا من الحقيقة الأولى شيئاً، وهي أن تحقِّق الحسنة، وتحقّق السيّئة، ووقوعها لا يتم إلا بقدرة الله وقدره؛ لأنه المنشئ لكل ما ينشأ، المحدث لكل ما يحدث، الخالق لكل ما يكون .. أيًّا كانت ملابسة إرادة الناس وعملهم في هذا الذي يحدث، وهذا الذي يكون!

أمَّا القضيّة التي تمثّل هذه النصوص جانباً منها، أو التي تذكر بها، فهي (قضيّة الجبر والاختيار)، وإلى أيّ حدّ تعمل إرادة الإنسان فيما يحدث منه أو يحدث له؟ وكيف تكون له إرادة يقوم عليها الحساب والجزاء، بينما إرادة الله هي المنشئة لكل ما يحدث، ومنه إرادة الإنسان نفسه واتجاهه وعمله، إلى آخر هذه القضيّة

وكل ما يحدث بإرادة الله وقدره .. والإنسان يريد ويعمل، ويحاسب على إرادته وعمله .. والقرآن كله كلام الله، ولن يعارض بعضه بعضاً، فلا بدّ إذن أن تكون هناك نسبة معيّنة بين هذا القول وذاك، ولا بدّ إذن أن يكون هناك مجال لإرادة الإنسان وعمله، يكفي لحسابه عليه وجزائه، دون أن يتعارض هذا مع مجال الإرادة الربّانيّة والقدر الإلهيّ .. كيف؟ هذا ما لا سبيل لبيانه؛ لأن العقل البشري غير كفء لإدراك كيفيّات عمل الله!

ونبصر حدود وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم وعمله، وموقف الناس منه، وموقفه من الناس، ورد الأمر كله إلى الله في النهاية:{وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80)} !

إن وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم هي أداء الرسالة، لا إحداث الخير، ولا إحداث

ص: 1219

السوء، فهذا من أمر الله .. والله شهيد على أنه أرسل النبي صلى الله عليه وسلم لأداء هذه الوظيفة. {وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79)} !

وأمر الناس مع الرسول صلى الله عليه وسلم أن من أطاعه فقد أطاع الله، فلا تفرقة بين قول الله وقول رسوله .. ومن تولّى معرضاً مكذباً فأمره إلى الله من ناحية حسابه وجزائه، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يرسل ليجبر أحداً على الهدى، ويكرهه على الدّين، وليس موكلاً بحفظ أحد من العصيان والضلال، فهذا ليس داخلاً في وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا داخلاً في قدرته!

بهذا البيان يصحّح تصوّرهم عن حقيقة ما يقع لهم .. فكله لا ينشأ ولا يتحقق إلا بإرادة الله وقدره .. وما يصيبهم من حسنة أو سيّئة -بأيّ معنى من معاني الحسنة أو السيّئة، سواء حسب ما يرونه هم في الظاهر، أو ما هو في حقيقة الأمر والواقع- فهو من عند الله؛ لأنه لا ينشئ شيئاً ولا يحدثه ولا يخلقه ويوجده إلا الله .. وما يصيبهم من حسنة حقيقيّة -في ميزان الله- فهو من عند الله؛ لأنه بسبب منهجه وهدايته، وما يصيبهم من سيّئة حقيقيّة -في ميزان الله- فهو عند أنفسهم؛ لأنه بسبب تنكّبهم عن منهج الله والإعراض عن هدايته!

والرسول صلى الله عليه وسلم وظيفته الأولى والأخيرة أنه رسول، لا ينشئ ولا يحدث ولا يخلق، ولا يشارك الله في خاصّيّة الألوهيّة .. وهي الخلق والإنشاء والإحداث .. وهو يبلّغ ما جاء به من عند الله، فطاعته فيما يأمر به إذن هي طاعة لله، وليس هناك طريق آخر لطاعة الله غير طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس الرسول مكلَّفاً أن يحدث الهدى للمعرضين المتولّين، ولا أن يحفظهم من الإعراض والتولّي بعد البلاغ والبيان!

ص: 1220

حقائق هذا واضحة مريحة، بيّنة صريحة، تبني التصوّر، وتريح الشعور، وتمضي شوطاً مع تعليم الله لهذه الجماعة، وإعدادها لدورها الكبير الخطير!

ونبصر السياق يحكي عند حال طائفة أخرى -في الصفّ المسلم- لعلّها هي طائفة المنافقين، يذكر عنها فعلاً جديداً، وفصلاً جديداً! ومع الحكاية التنفير من الفعلة، ومع التنفير التعليم والتوجيه والتنظيم .. كل ذلك في آيات قليلة، وعبارات معدودة:{وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)} (النساء).

إن هذا الفريق من الناس إذا كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع منه القرآن وما فيه من التكاليف قالوا {طَاعَةٌ} قالوها هكذا جامعة شاملة .. طاعة مطلقة، لا اعتراض ولا استفهام، ولا استيضاح ولا استثناء! ولكن ما إن يخرجوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تبيّت طائفة منهم غير الذي تقول، وتروح فيما بينها تتآمر على عدم التنفيذ، وعلى اتخاذ خطّة للتخلص من التكليف!

ولعل النص يصوّر حال الجماعة المسلمة كلها، ويستثني منها هذه الطائفة ذات الشأن الخاص .. ويكون المعنى: أن المسلمين يقولون {طَاعَةٌ} بجملتهم .. ولكن طائفة -وهي هذه الطائفة المنافقة- إذا خرجت بيّت أفرادها غير ما قالوا .. وهي صورة ترسم تلك الخلخلة بعينها في الصف المسلم، فإن هؤلاء مندسّون فيه على كل حال، وتصرّفهم على هذا النحو يؤدي الصفّ ويخلخله، والجماعة المسلحة تخوض المعركة في كل ميادينها وبكل قوتها!

ص: 1221

والله عز وجل يطمئن النبي صلى الله عليه وسلم والمخلصين في الصفّ .. يطمئنهم بأن عينه على هذه الطائفة التي تبيّت وتمكر .. وشعور المسلمين بأن عين الله على المبيِّتين الماكرين يثبت قلوبهم، ويسكب فيها الطمأنينة إلى أن هذه الطائفة لن تضرّهم شيئاً بتآمرها وتبييتها .. ثم هو تهديد ووعيد للمتآمرين المبيّتين، فلن يذهبوا مفلحين، ولن يذهبوا ناجين:{وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} !

وكانت الخطّة التي وجّه الله إليها نبيّه صلى الله عليه وسلم في معاملة المنافقين، هي أخذهم بظاهرهم -لا بحقيقة نواياهم- والإعراض والتقاضي عما يبدو منهم .. وهي خطّة فتلتهم في النهاية، وأضعفتهم، وجعلت بقاياهم تتوارى ضعفاً وخجلاً .. وهنا طرف من هذه الخطّة:{فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} !

ومع هذا التوجيه بالإغضاء عنهم، التطمين بكلاءة الله وحفظه مما يبيّتون:{وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81)} !

نعم .. وكفى بالله وكيلاً، لا يضارّ من كان وكيله، ولا يناله تآمر ولا تبييت ولا مكيدة!

وكأنما كان الذي يدفع هذه الطائفة إلى أن تقول في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم مع القائلين: {طَاعَةٌ} فإذا خرجت بيَّتت غير هذا الذي تقول .. كأنما كان هذا بسبب شكهم في مصدر ما يأمرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم، وظنهم أن هذا القرآن من عنده! وحين يوجد مثل هذا الشك لحظة يتوارى سلطان الأمر والتكليف جملة، فهذا السلطان مستمدّ كله من الاعتقاد الجازم الكامل بأن هذا كلام الله، وبأنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى .. ومن ثم كان هذا التوكيد الشديد الجازم المكرّر على هذه الحقيقة!

ص: 1222

وهنا يعرض عليهم القرآن خطّة، هي غاية ما يبلغه النهج الربّانيّ من تكريم الإنسان، والعقل الإنساني، واحترام هذا الكائن البشري وإدراكه، الذي وهبه الخالق جل شأنه!

يعرض عليهم الاحتكام في أمر القرآن إلى إدراكهم هم وتدبّر عقولهم .. ويعين لهم منهج النظر الصحيح، كما يعين لهم الظاهرة التي لا تخطئ إذا اتبعها ذلك المنهج، وهي ظاهرة واضحة كل الوضوح في القرآن من جهة، ويمكن للعقل البشري إدراكها من جهة أخرى .. ودلالتها على أنه من عند الله دلالة لا تمارى:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)} (النساء)!

وفي هذا العرض، وهذا التوجيه، منتهى الإكرام للإنسان وإدراكه وشخصيّته .. كما أن فيه منتهى النصفة في الاحتكام إلى هذا الإدراك في ظاهرة لا يعييه إدراكها، وهي في الوقت ذاته ذات دلالة لا تمارى!

والتناسق المطلق الشامل الكامل هو الظاهرة التي لا يخطئها من تدبّر هذا القرآن أبداً .. ومستوياتها ومجالاتها، مما تختلف القول والأجيال في إدراك مداها، ولكن كل عقل وكل جيل يجد منها -بحسب قدرته وثقافته وتجربته وتقواه- ما يملك إدراكه، في محيط يتكيّف بمدى القدرة والثقافة والتجربة، والتقوى!

ومن تمَّ فإن كل أحد، وكل جيل، مخاطب بهذه الآية، ومستطيع -عند التدبّر وفق منهج مستقيم- أن يدرك من هذه الظاهرة (ظاهرة عدم الاختلاف، أو ظاهرة التناسق) ما تهيّئه له قدرته وثقافته وتجربته وتقواه!

ص: 1223

وتلك الطائفة في ذلك الجيل كانت تخاطب بشيء تدركه، وتملك التحقّق منه بإدراكها في حدودها الخاصة!

تتجلَّى هذه الظاهرة .. ظاهرة عدم الاختلاف، أو ظاهرة التناسق .. ابتداء في التعبير القرآني من ناحية الأداء وطرائقه الفنيّة .. ففي كلام البشر تبدو القمم والسفوح، التوفيق والتعثّر، القوة والضعف، التحليق والهبوط والرفرفة والثقلة، الإشراق والانطفاء .. إلى آخر الظواهر التي تتجلَّى معها سمات البشر، وأخصّها سمة (التغيّر)، والاختلاف المستمرّ الدائم من حال إلى حال .. يبدو ذلك في كلام البشر، واضحاً عندما تستعرض أعمال الأديب الواحد، أو المفكّر الواحد، أو الفنّان الواحد، أو السياسي الواحد، أو القائد العسكري الواحد .. أو أيّ كان في صناعته، التي يبدو فيها الوسم البشري واضحاً .. وهو:(التغيّر والاختلاف)!

وواضح كل الوضوح أن هذه الظاهرة عكسها هو (الثبات والتناسق)، وهي الظاهرة الملحوظة في القرآن .. ونحن نتحدّث فقط عن ناحية التعبير اللفظي، والأداء الأسلوبي، فهناك مستوى واحد في هذا الكتاب المعجز تختلف ألوانه باختلاف الموضوعات التي يتناولها؛ ولكن يتّحد مستواه وأفقه، بالإضافة إلى الكمال في الأداء بلا تغيّر ولا اختلاف من مستوى إلى مستوى .. وليس كما هو الحال في كل ما يصنع الإنسان!

إنه كتاب يحمل طابع الصبغة الربّانيّة، ويدلّ على الموجود الذي لا يتغيّر من حال إلى حال، ولا تتوالى عليه الأحوال! (1)

وتتجلّى ظاهرة عدم الاختلاف .. والتناسق المطلق الشامل الكامل .. بعد

(1) انظر: التصوير الفني في القرآن الكريم.

ص: 1224

ذلك في ذات المنهج الذي تحمله العبارات، ويؤدّيه الأداء .. منهج التربية للنفس البشريّة والمجتمعات البشريّة .. ومحتويات هذا المنهج في جوانبه الكثيرة (1) .. ومنهج التنظيم للنشاط الإنسانيّ للأفراد وللمجتمع الذي يضمّ الأفراد -وشتّى الجوانب والملابسات التي تطرأ في حياة المجتمعات البشريّة على توالي الأجيال- ومنهج التقويم للإدراك البشري ذاته، وتناول شتّى قواه وطاقاته وإعمالها معاً في عمليّة (الإدراك) ومنهج التنسيق بين الكائن الإنسانيّ بجملته -في جميع مجتمعاته وأحواله ومستوياته- وبين هذا الكون الذي يعيش فيه، ثم بين دنياه وآخرته، وما يشتجر في العلاقة بينهما من ملابسات لا تحصى في عالم كل فرد، وفي عالم (الإنسان) وهو يعيش في هذا الكون بشكل عام!

وإذا كان الفارق بين صنعة الله وصنعة الإنسان واضحاً كل الوضوح في جانب التعبير اللفظي والأداء الفنّي، فإنه أوضح من ذلك في جانب التفكير والتنظيم والتشريع .. فما من نظريّة بشريّة، وما من مذهب بشري إلا وهو يحمل الطابع البشري الذي يتسم بجزئيّة النظر والرؤية، والتأثّر الوقتي بالمشكلات الوقتيّة، وعدم رؤية التناقضات في النظريّة أو المذهب أو الخطّة التي تؤدّي إلى الاصطدام بين مكوّناتها -إن عاجلاً وإن آجلاً- كما تؤدّي إلى إيذاء بعض الخصائص في الشخصيّة البشريّة الواحدة التي لم يحسب حساب بعضها، أو في مجموعة الشخصيات الذين لم يحسب حساب كل واحدة منها .. إلى عشرات ومئات من النقائص والاختلافات الناشئة من طبيعة الإدراك البشري المحدود، ومن الجهل البشريّ بما وراء اللحظة الحاضرة، فوق جهله بكل

(1) انظر: منهج التربية الإِسلامية: محمد قطب.

ص: 1225

مكوّنات اللحظة الحاضرة -في أيّة لحظة حاضرة- وعكس ذلك كله هو ما يتّسم به المنهج القرآنيّ الشامل الكامل، الثابت الأصول ثبات النواميس الكونيّة، الذي يسمح بالحركة الدائمة -مع ثباته- كما تسمح بها النواميس الكونيّة!

وتدبّر هذه الظاهرة، في آفاقها هذه، قد لا يتسنّى لكل إدراك، ولا يتسنّى لكل جيل؛ بل المؤكد أن كل إدراك سيتفاوت مع الآخر في إدراكها، وكل جيل سيأخذ بنصيبه في إدراكها، ويدع آفاقاً منها للأجيال المترقية في جانب من جوانب المعرفة أو التجربة؛ إلا أنه يتبقى من وراء كل الاختلاف البشري الكثير في إدراك هذه الظاهرة -كاختلافه الكثير في كل شيء- بقيّة يلتقي عليها كل إدراك، ويلتقي عليها كل جيل .. وهي أن هذه الصنعة شيء وصنعة البشر شيء آخر، وأنه لا اختلاف في هذه الصنعة ولا تفاوت. وإنما (وحدة وتناسق) .. ثم يختلف الناس بعد ذلك ما يختلفون في إدراك آحاد وآفاق وأبعاد وأنواع ذلك التناسق! (1)

وإلى هذا القدر الذي لا يخطئه متدبّر -حين يتدبّر- يكل الله تلك الطائفة، كما يكل كل أحد، وكل جماعة، وكل جيل .. وإلى هذا القدر من الإدراك المشترك يكل إليهم الحكم على هذا القرآن، وبناء اعتقادهم في أنه من عند الله، ولا يمكن أن يكون من عند غير الله!

ويحسن أن نقف هنا وقفةً قصيرةً، لتحديد مجال الإدراك البشري في هذا الأمر وفي أمر الدّين كلّه، فلا يكون هذا التكريم الذي كرّمه الله للإنسان بهذا التحكيم، سبيلاً إلى الغرور، وتجاوز الحدّ المأمون، والانطلاق من السياج الحافظ على المضيّ في التّيه بلا دليل!

(1) انظر (خصائص التصوّر الإِسلامي ومقوماته) و (الإِسلام ومشكلات الحضارة) و (هذا الدين).

ص: 1226

إن مثل هذه التوجيهات في القرآن الكريم يساء إدراكها، وإدراك مداها. فيذهب بها جماعة من المفكّرين -قديماً وحديثاً- إلى إعطاء الإدراك البشريّ لمملطة الحكم النهائية في أمر الدّين كله، ويجعلون منه ندًّا للشرع، بل يجعلونه هو المسيطر على شرع الله!

الأمر ليس كذلك .. الأمر أن هذه الأداة العظيمة -أداة الإدراك البشري- هي بلا شك موضع التكريم من الله، ومن ثم يكل إليها إدراك الحقيقة الأولى: حقيقة أن هذا الدّين من عند الله، وهناك ظواهر يسهل إدراكها، وهي كافية بذاتها للدلالة، دلالة هذا الإدراك البشريّ ذاته، على أن هذا الدّين من عند الله .. ومتى أصبحت هذه القاعدة الكبيرة مسلّماً بها أصبح من منطق هذا الإدراك ذاته أن يسلم -بعد ذلك- تلقائيًّا بكل ما ورد في هذا الدّين -لا يهمّ عندئذ أن يدرك حكمته الخفيّة أو لا يدركها، فالحكمة متحقّقةٌ حتماً ما دام من عند الله، ولا يهمّ عندئذ أن يرى (المصلحة) متحقّقة فيه في اللحظة الحاضرة .. والعقل البشري ليس ندًّا لشريعة الله، فضلاً عن أن يكون الحاكم عليها؛ لأنه لا يدرك إلا إدراكاً ناقصاً في المدى المحدود، ويستحيل أن ينظر من جميع الزوايا إلى جميع المصالح -لا في اللحظة الواحدة ولا في التاريخ كله- بينما شريعة الله تنظر هذه النظرة، فلا ينبغي أن يكون الحكم فيها، أو في حكم ثابت قطعي من أحكامها موكولاً إلى الإدراك البشري .. وأقصى ما يتطلّب من الإدراك البشري أن يتحرّى إدراك دلالة النصّ وانطباقه، لا أن يتحرّى المصلحة أو عدم المصلحة فيه! فالمصلحة متحقّقة أصل أبو جود النصّ من قبل الله تعالى .. إنما يكون هذا فيما لا نص فيه، مما يجدّ من الأقضية، وهذا جاء بيان المنهج فيه، وهو ردّه إلى الله والرسول .. وهذا هو مجال الاجتهاد الحقيقي، إلى جانب الاجتهاد في فهم

ص: 1227

النصّ، والوقوف عنده، لا تحكيم العقل البشريّ في أن مدلوله يحمل المصلحة أو لا يحملها!

إن مجال العقل البشريّ الأكبر يكمن في معرفة نواميس الكون والإبداع في عالم المادة .. وهو ملك عريض!

ويجب أن نحترم الإدراك البشريّ بالقدر الذي أراده الله له من التكريم في مجاله الذي يحسنه، ثم لا نتجاوز به هذا المجال، كي لا نمضي في التّيه بلا دليل، إلا دليلاً يهجم على ما لا يعرف من مجاهد الطريق .. وهو عندئذ أخطر من المضيّ بلا دليل! (1)

ويمضي السياق يصوّر حال طائفة أخرى، أو يصف فعلة أخرى لطائفة في المجتمع:{وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83)} (النساء)!

والصورة التي يرسمها النص، هي صورة جماعة في المعسكر الإِسلاميّ، لم تألف نفوسهم النظام، ولم يدركوا قيمة الإشاعة في خلخلة المعسكر، وفي النتائج التي تترتّب عليها، وقد تكون قاصمة؛ لأنهم لم يرتفعوا إلى مستوى الأحداث، ولم يدركوا جدّية الموقف، وأن كلمة عابرة وفلتة لسان، قد تجرّ من العواقب على الشخص ذاته، وعلى جماعته كلها ما لا يخطر له ببال، وما لا يتدارك بعد وقوعه بحال، أو ربما لأنهم لا يشعرون بالولاء الحقيقي الكامل لهذا المعسكر، وهكذا لا يعنيهم ما يقع له من جراء أخذ كل شائعة، والجري بها هنا

(1) انظر: خصائص التصور الإِسلامي ومقوماته: الربانية، والثبات، والتوازن!

ص: 1228

وهناك وإذاعتها حين يتلقّاها لسان عن لسان، سواء كانت إشاعة أمن أو إشاعة خوف .. فكلتاهما قد يكون لإشاعتها خطورة مدمّرة!، فإن إشاعة أمر الأمن مثلاً في معسكر متأهّب مستيقظ متوقّع لحركة من العدو .. إشاعة أمر الأمن في مثل هذا المعسكر تحدث نوعاً من التراخي -مهما تكن الأوامر باليقظة- لأن اليقظة النابعة من التحفّز للخطر غير اليقظة النابعة من مجرّد الأوامر! .. وفي ذلك التراخي قد تكون القاضية!

كذلك إشاعة أمر الخوف في معسكر مطمئن لقوّته، ثابت الأقدام بسبب هذه الطمأنينة، قد تحدث إشاعة أمر الخوف فيه خلخلة وارتباكاً، وحركات لا ضرورة لها لاتقاء مظان الخوف .. وقد تكون كذلك القاضية!

وعلى أيّة حال فهي سمة المعسكر الذي لم يكتمل نظامه، أو لم يكتمل ولاؤه لقيادته، أو هما معاً .. ويبدو أن هذه السمة وتلك كانتا واقعتين في المجتمع المسلم حينذاك، باحتوائه على طوائف مختلفة المستويات في الإيمان، ومختلفة المستويات في الإدراك، ومختلفة المستويات في الولاء .. وهذه الخلخلة هي التي كان يعالجها القرآن بمنهجه الرباني!

والقرآن يدلّ الجماعة المسلمة على الطريق الصحيح: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} !

أي لو أنهم ردّوا ما يبلغهم من أنباء الأمن أو الخوف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم إن كان معهم، أو إلى أمرائهم المؤمنين، لعلم حقيقته القادرون على استنباط هذه الحقيقة، واستخراجها من ثنايا الأنباء المتناقضة، والملابسات المتراكمة!

فمهمة الجندي في الجيش المسلم، الذي يقوده أمير مؤمن -بشرط الإيمان ذاك وحدّه- حين يبلغ إلى أذنيه خبر أن يسارع فيخبر به نبيّه أو أميره، لا أن ينقله

ص: 1229

ويذيعه بين زملائه، أو بين من لا شأن لهم به؛ لأن قيادته المؤمنة هي التي تملك استنباط الحقيقة، كما تملك تقدير المصلحة في إذاعة الخبر- حتى بعد ثبوته أو عدم إذاعته!

وهكذا كان القرآن يربّي .. فيغرس الإيمان والولاء للقيادة المؤمنة، ويعلم نظام الجنديّة في آية واحدة .. بل بعض آية .. فصدر الآية يرسم صورةً منفرةً للجنديّ وهو يتلقّى نبأ الأمن أو الخوف، فيحمله ويجري متنقّلاً، مذيعاً له، من غير تثبّت، ومن غير تمحيص، ومن غير رجعة إلى القيادة .. ووسطها يعلم ذلك التعليم .. وآخرها يربط القلوب بالله في هذا، ويذكرها بفضله، ويحركها إلى الشكر على هذا الفضل، ويحذّرها من اتباع الشيطان الواقف بالمرصاد، الكفيل بإفساد القلوب لولا فضل الله ورحمته:{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83)} !

آية واحدة تحمل هذه الشحنة كلها، وتتناول القضيّة من أطرافها، وتتعمّق السريرة والضمير، وهي تضع التوجيه والتعليم! ذلك أنه من عند الله {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)} !

وحين يصل السياق إلى هذا الحدّ من تقويم عيوب الصفّ، التي تؤثّر في موقفه في الجهاد وفي الحياة -ومنذ أول الدرس وهذا التقويم مطرد لهذه العيوب- عندئذ ينتهي إلى قمّة التحضيض على القتال الذي جاء ذكره في ثنايا الدرس .. قمة التكليف الشخصي، الذي لا يُقعد الفردَ عنه تبطئة ولا تخذيل، ولا خلل في الصف، ولا وعورة في الطريق، حيث يوجه الخطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقاتل -ولو كان وحيداً- فإنه لا يحمل في الجهاد إلا تبعة شخصه صلى الله عليه وسلم، وفي الوقت ذاته يحرّض المؤمنين على القتال .. وكذلك يوحي

ص: 1230