المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌14 - الاضطهاد والتعذيب: - الجامع الصحيح للسيرة النبوية - جـ ٤

[سعد المرصفي]

فهرس الكتاب

- ‌«مقدمات جهاد الدعوة وأثرها في حياة الدعاة»

- ‌مقدمة

- ‌رسالة ورسول

- ‌1 - إنذار الأقربين:

- ‌2 - الجهر العام:

- ‌3 - بين زعماء قريش وأبي طالب:

- ‌4 - السخرية والاستهزاء:

- ‌5 - التطاول على القرآن ومنزله ومن جاء به:

- ‌6 - الاتصال باليهود وأسئلتهم:

- ‌ السؤال عن الروح:

- ‌ أهل الكهف:

- ‌ ذو القرنين:

- ‌7 - دستور الحكم الصالح:

- ‌الطغاة:

- ‌المستضعفون:

- ‌8 - إنذار يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌9 - {أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً}:

- ‌10 - بين الصهيونية والصليبيّة:

- ‌11 - معركة عقيدة:

- ‌12 - إسلام عمر الفاروق:

- ‌13 - عزيمة النبوّة:

- ‌14 - الاضطهاد والتعذيب:

- ‌15 - المساومة والإغراء:

- ‌16 - عقليَّة بليدة:

- ‌أولها:

- ‌ثانياً:

- ‌ثالثها:

- ‌رابعها:

- ‌17 - السمو الروحي:

- ‌18 - رسالة ورسول:

- ‌19 - طمأنينة قلب النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌20 - في رحاب سورة (فصلت):

- ‌21 - عناد المشركين:

- ‌22 - المعجزة الكبرى:

- ‌23 - نهاية المفاوضات:

- ‌24 - الصبر الجميل:

- ‌25 - تبليغ الرسالة:

- ‌26 - موقف الوليد بن المغيرة:

- ‌27 - نموذج للشرّ الخبيث:

- ‌قال المفسرون:

- ‌وقال الشوكاني في قوله:

- ‌28 - دعاية للرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌29 - نماذج الخبث البشري:

- ‌30 - أسلوب الآيات:

- ‌31 - معالم الفجور:

- ‌32 - خصائص هذا النموذج:

- ‌33 - رأي آخر:

- ‌قال الفخر الرازي

- ‌قال الفخر الرازي:

- ‌34 - في رحاب سورة (القلم):

- ‌35 - معالم خصائص نموذج الفجور:

- ‌ المعْلَم الأول:

- ‌ المعْلم الثاني:

- ‌ المعلم الثالث:

- ‌ المعْلم الرابع:

- ‌ المعْلَم الخامس:

- ‌ المعْلَم السادس:

- ‌36 - إشهار نموذج الشر:

- ‌37 - منح في ثنايا المحن:

- ‌38 - إذاعة الإرجاف:

- ‌39 - توجيه إلهي:

- ‌40 - إسلام الطفيل الدوسي:

- ‌41 - نور الهداية:

- ‌42 - مضاء العزيمة:

- ‌43 - حوار عقول:

- ‌44 - آيات من العبر:

- ‌45 - قوّة الإيمان:

- ‌46 - المستقبل للإسلام:

- ‌47 - درس للدعاة:

- ‌«طريق جهاد الدعوة في ضوء سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌مقدمة

- ‌هذا هو الطريق

- ‌أشدّ الناس بلاء:

- ‌مفرق الطريق:

- ‌ضرورة الابتلاء:

- ‌قيمة العقيدة:

- ‌حقيقة الابتلاء:

- ‌يخلص لنا ابتداءً:

- ‌ويخلص لنا ثانياً:

- ‌ويخلص لنا ثالثاً:

- ‌ويخلص لنا رابعاً:

- ‌ابتلاء شديد:

- ‌هذا هو الطريق

- ‌وهذه هي طبيعة هذا المنهج ومقوّماته

- ‌والمصابرة

- ‌والمرابطة

- ‌تمحيص المؤمنين:

- ‌تربية إيمانيّة:

- ‌توكّل على الله:

- ‌نهاية الظالمين:

- ‌إعداد وثبات:

- ‌الوجه الأول:

- ‌الوجه الثاني:

- ‌الوجه الثالث:

- ‌معالم في الطريق:

- ‌المعلم الأول:

- ‌المعلم الثاني:

- ‌المعلم الثالث:

- ‌زلزال شديد:

- ‌مناجاة في ليلة القدر:

- ‌الله والطاغوت:

- ‌شظايا من الإيمان:

- ‌الهجرة إلى الحبشة

- ‌أول هجرة في الإِسلام:

- ‌السابقون إلى الإِسلام:

- ‌مكانة السابقين:

- ‌غيظ قريش وحنقها:

- ‌إشارة الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة:

- ‌هجرة تبليغ الرسالة:

- ‌البعد عن مواطن الفتنة:

- ‌البعد عن إثارة المعوّقات في طريق الرسالة:

- ‌تخفيف الأزمات النفسيّة:

- ‌إفساح طريق التبليغ:

- ‌سجل المهاجرين:

- ‌حكمة سياسة الاستسرار:

- ‌سفارة المشركين إلى النجاشي:

- ‌سياسية تبليغ الدعوة:

- ‌إخفاق سفارة المشركين:

- ‌تملك النجاشيّ على الحبشة:

- ‌إسلام النجاشي:

- ‌عالميّة الدعوة الإِسلاميّة:

- ‌مكانة المرأة المسلمة:

- ‌عودة المهاجرين إلى المدينة:

- ‌هجرة مواجهة واختبار:

- ‌أسطورة الغرانيق

- ‌أكذوبة متزندقة:

- ‌المبشرون المستشرقون:

- ‌المستشرق اليهودي (يوسف شاخت) وأسطورة الغرانيق:

- ‌المستشرق (بروكلمان) وغيره:

- ‌السبب الأول:

- ‌السبب الثاني:

- ‌ردود العلماء:

- ‌بطلان الأسطورة سنداً ومتناً:

- ‌قول الحافظ ابن حجر:

- ‌قول الدكتور (أبو شهبة):

- ‌قول الإِمام محمد عبده:

- ‌البطلان من حيث الزمان:

- ‌سبب سجود المشركين:

- ‌لا سبيل للشيطان:

- ‌قال الشيخ عرجون:

- ‌على أن قول الشيخ الإِمام ابن تيمية:

- ‌ثم قال الإِمام ابن تيمية:

- ‌رأي أهوج للكوراني:

- ‌أمران باطلان:

- ‌الأمر الأول:

- ‌الأمر الثاني:

- ‌مفاسد رأي الكوراني:

- ‌المفسدة الأولى

- ‌قال الكوراني في ردّه على هذا الوجه من المفسدة:

- ‌قال الشيخ عرجون:

- ‌قال العلامة الآلوسي في نقض اعتراض الكوراني على المفسدة الأولى

- ‌المفسدة الثانية

- ‌وأجاب الشيخ الكوراني على هذا الوجه من المفسدة فقال:

- ‌قال العلاّمة الآلوسي:

- ‌يقول الشيخ عرجون:

- ‌قال العلاّمة الآلوسي:

- ‌المفسدة الثالثة:

- ‌وقال الشيخ عرجون

- ‌ويردّ الشيخ إبراهيم الكوراني على الوجه الثالث من وجوه المفاسد الغرنوقيّة، فيقول الآلوسي

- ‌قال الشيخ عرجون:

- ‌قال العلاّمة الآلوسي:

- ‌المفسدة الرابعة:

- ‌المفسدة الخامسة:

- ‌المفسدة السادسة:

- ‌قال العلاّمة الآلوسي:

- ‌ثم قال العلاّمة المفسّر شهاب الدين السيد محمود الآلوسي، معقّباً على ما ساقه من (أخبار هذه الأقصوصة الغرنوقيّة):

- ‌ثم قال الآلوسي:

- ‌قال شيخنا عرجون رحمه الله:

- ‌آيات القرآن:

- ‌درس للدعاة:

- ‌اعتباران:

- ‌الاعتبار الأول:

- ‌الاعتبار الثاني:

- ‌وصيّة أخويّة:

- ‌محنة الحصار الاقتصادي المقاطعة الظالمة

- ‌قوّة عزيمة الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌التآمر على قتل النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌تدبير أبي طالب لحماية الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌سبب كتابة الصحيفة:

- ‌شدّة حرص أبي طالب وشعره:

- ‌نقض ما تعاهدوا عليه:

- ‌آية الله في الصحيفة:

- ‌سعي أبي طالب:

- ‌كاتب الصحيفة:

- ‌شدة الحصار:

- ‌وفي رواية يونس:

- ‌كاتبها ماحيها:

- ‌تحرك العواطف:

- ‌لؤم نحيزة أبي جهل:

- ‌شعر أبي طالب بعد تمزيق الصحيفة:

- ‌المقاطعة في الصحيح:

- ‌إعداد لتحمّل أثقال الدعوة:

- ‌دروس للدعاة:

- ‌مسيرة الدعوة:

- ‌توالي اشتداد المحن

- ‌خُسران ملأ قريش:

- ‌مواقف العامة من الدعوة:

- ‌منهج الدعوة إلى الله:

- ‌رزء الحميّة القوميّة بوفاة أبي طالب:

- ‌شعر أبي طالب في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌وصيّة أبي طالب لقومه:

- ‌وفاة أبي طالب:

- ‌رزء الإِسلام ونبيّه بوفاة خديجة رضي الله عنها:

- ‌حقيقة الرسالة:

- ‌تسامي حياة الصدّيقية المؤمنة:

- ‌ورقة يؤكد فراسات خديجة:

- ‌دور خديجة رضي الله عنها:

- ‌موت خديجة وتسليم الله عليها وتبشيرها:

- ‌الرسول صلى الله عليه وسلم في الطائف:

- ‌قدوم الجنّ وإسلامهم:

- ‌توجيه ربّانيّ:

- ‌«الإسراء والمعراج - منحة ربانية بعد اشتداد المحن»

- ‌مقدمة

- ‌منحة ربَّانيَّة

- ‌طريق الدعوة:

- ‌أعظم آيّات الإعجاز الكوني:

- ‌تشريف وتكريم:

- ‌آيات الأنبياء:

- ‌رسالة عقليّة علميّة خالدة:

- ‌القرآن آية التحدّي العظمى:

- ‌الآيات الحسيّة لخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم

- ‌فكان الردّ عليهم:

- ‌ونقرأ التعقيب في الآية التالية:

- ‌ونبصر موقف أهل الإيمان عقب تلك الآيات مباشرة:

- ‌انشقاق القمر:

- ‌نبع الماء من بين أصابع النبيّ صلى الله عليه وسلم

- ‌تكثير الطعام القليل:

- ‌حنين الجذع:

- ‌التحدّي بالقرآن:

- ‌آية الإسراء أرفع المراتب:

- ‌مفهوم الإسراء:

- ‌مفهوم المعراج:

- ‌حكم الإسراء والمعراج:

- ‌أهم الأحاديث:

- ‌الحديث الأول:

- ‌الحديث الثاني:

- ‌الحديث الثالث:

- ‌الحكمة في اختصاص كل نبيّ بسماء:

- ‌صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء:

- ‌حكمة اجتماع الأنبياء في الصلاة:

- ‌بين الرسول صلى الله عليه وسلم وقريش:

- ‌حقيقة الإسراء والمعراج:

- ‌القول الأول:

- ‌القول الثاني:

- ‌القول الثالث:

- ‌قول باطل:

- ‌الإسراء ووحدة والوجود:

- ‌إبطال وحدة الوجود:

- ‌إنكار النصوص وتحريفها:

- ‌إغراب وتشويش:

- ‌طريق الكفاح في مسير الدعوة:

- ‌دعاة على الطريق:

- ‌وقت الإسراء والمعراج:

- ‌بدء الإسراء:

- ‌شبهات .. وردُّها

- ‌حديث شريك:

- ‌الشبهة الأولى وردّها:

- ‌الشبهة الثانية وردّها:

- ‌الشبهة الثالثة وردّها:

- ‌الشبهة الرابعة وردّها:

- ‌الشبهة الخامسة وردّها:

- ‌الشبهة السادسة وردّها:

- ‌الشبهة السابعة وردّها:

- ‌الشبهة الثامنة وردّها:

- ‌رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربّه ليلة المعراج:

- ‌القول الأوّل:

- ‌القول الثاني:

- ‌القول الثالث:

- ‌الراجح من الأقوال:

- ‌الشبهة التاسعة وردّها:

- ‌الشبهة العاشرة وردّها:

- ‌بين موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام:

- ‌مكانة المسجد الحرام

- ‌أول بيت للعبادة:

- ‌دين السلام:

- ‌ليلة القدر يكتنفها السلام:

- ‌أخوّة إنسانيّة:

- ‌الأسرة قاعدة الحياة البشريّة:

- ‌أساس السلام:

- ‌{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}:

- ‌أخص خصائص التحرّر الإنساني:

- ‌حرّية الدعوة:

- ‌إدراك العجز إدراك:

- ‌مكانة المسؤوليّة:

- ‌سلام عالمي:

- ‌ملّة إبراهيم:

- ‌سؤال الأمن يوم الخوف:

- ‌الأمن عبر التاريخ:

- ‌{أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا}:

- ‌{اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}:

- ‌حقوق الإنسان:

- ‌دعوة إبراهيم:

- ‌مكانة المسجد الأقصى ودور اليهود عبر التاريخ

- ‌تاريخ المسجد الأقصى:

- ‌في رحاب سورة الإسراء:

- ‌العصر الذهبي:

- ‌عهد الانقسام وزوال الملك:

- ‌مع الآيات القرآنية:

- ‌أشهر أقول المفسِّرين:

- ‌نبوءة المسيح عليه السلام:

- ‌رأي جديد:

- ‌سورة بني إسرائيل:

- ‌ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ}

- ‌ردّ الكرة:

- ‌فرصة للاختيار:

- ‌بشرى للمؤمنين:

- ‌تعليق على المقال:

- ‌فتح المسلمين للقدس:

- ‌القدس الشريف:

- ‌خطبة الفاروق رضي الله عنه

- ‌العهدة العمرية:

- ‌أساطير التعصّب والحروب:

- ‌قذائف الحق:

- ‌نبوءة النصر:

- ‌الأقصى بين الأمس واليوم

- ‌الأقصى ينادي:

- ‌شكوى

- ‌جواب الشكوى

- ‌فلسطين الدامية

- ‌أخي

- ‌رد على الشهيد

- ‌نكبة فلسطين

- ‌يا أمتي وجب الكفاح

- ‌يا قدس

- ‌إلى القدس هيّا نشدّ الرحال

- ‌فلسطين الغد الظاهر

- ‌مناجاة في رحاب الأقصى

- ‌ذبحوني من وريد لوريد

- ‌اغضب لله

- ‌مشاهد وعبر

الفصل: ‌14 - الاضطهاد والتعذيب:

ومفاسد، بيما تنطوي عليه جوانحهم من الحقد الأسود، والشنآن العظيم، فزاده ذلك صمْداً في قوّة إيمانه برسالته إيماناً تمثّل إعجازه ومتانة نسجه، وقهر عزّته، في قوله صلى الله عليه وسلم -كما أسلفنا وهو يحلّق ببصره إلى السماء:"أترون هذه الشمس" قالوا: نعم، قال:"فما أنا بأقدر على أن أدع ذلك منكم، على أن تشتعلوا منها شعلة"!

إنها عزيمة النبوّة!

‌14 - الاضطهاد والتعذيب:

ونعود إلى حديث بدء الوحي .. نعود لنذكر مرّة من بعد مرّة قول ورقة للنبي صلى الله عليه وسلم: هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جزعاً، ليتني أكون حيًّا إِذ يُخرْجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أَوَ مُخْرِجيَّ همْ؟ " قال: نعم، لم يأتِ رجلٌ قَطّ بمثل ما جئت به إِلا عُودي، وإِن يُدركني يومك أنصرك نصْرًا مُؤزراً، ثم لم يَنْشب ورقةُ أن توفيّ، وفتر الوحي!

نعود لنبصر معلماً من معالم الرسالة في البلاء، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعرف مدى مكانته بين قومه!

وهنا يطالعنا ما رواه البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمداً يصلّي عند الكعبة، لأطانَّ على عُنقه، فبلغ النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال:"لو فعل لأخذته الملائكة"

وفي رواية: "لأخذته الملائكة عياناً"

وفي رواية: فلم يفجأهم منه إِلا وهو -أي أبو جهل- ينكص على عقبيه،

ص: 999

ويتقي بيديه، فقيل له: فقال: إِن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً وأجنحة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لو دنا لاختطفته الملائكة عضواً عضواً"(1)!

وفي رواية لمسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو جهل: هل يُعَفِّرُ محمدٌ وجهه بين أظهركم؟ قال فقيل: نعم، فقال: واللاّت والعُزّى لئنْ رأيتُه يفعل ذلك، لأطانّ رقبته، أو لأعفِّرنّ وجهه في التراب! قال: فأتَى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وهو يصلّي، زَعَم ليطَأ على رقبته! قال: فما فَجِئهُم منه، إِلا وهو ينكص على عقبيْه، ويتقّي بيديه! قال: فقيل له: ما لَكَ؟ فقال: إِن بيني وبينه لخندقاً من نار، وهَوْلاً، وأجنحة! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لو دنا مِنّي لاخْتَطَفَتْه الملائكةُ عُضواً عضْواً" قال: فأنزل الله عز وجل لا ندري في حديث أبي هريرة، أو شيءٌ بلغه:{كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18) كَلَّا لَا تُطِعْهُ} (العلق)!

زاد عُبيْد الله في حديثه، قال: وأمره بما أمره به!

(1) البخاري: 65 التفسير (4958)، وابن أبي شيبة: 14: 298، وأحمد: 1: 248، 256، 329، 368، والبزار: كشف الأستار (2189)، والترمذي (3348، 3349)، والنسائي: التفسير (81، 704، 705)، والكبرى (11061، 21684)، وأبو يعلى (2604)، والطبري: التفسير: 30: 255، 256، والطبراني: الكبير (11950)، والواحدي: أسباب النزول: 303، والبيهقي: 2: 192، وانظر: فتح الباري: 8: 724.

ص: 1000

وزاد ابن عبد الأعلى: فليدع ناديه، يعني قومه (1)!

ونبصر التشنيع والتعجيب في صورة الإنسان الطاغي الذي نسي نشأته وأبطره الغنى (2) .. ونبصر الرجعة إلى الله في كل شيء، وفي كل أمر، وفي كل نيّة، وفي كل حركة، فليس هناك مرجع سواه، إليه يرجع الصالح والطالح، والطائع والعاصي، والمحق والمبطل، والخيّر والشرّير، والغنيّ والفقير .. وإليه يرجع هذا الذي يطغى أن رآه استغنى .. ألا إلى الله تصير الأمور .. ومنه النشأة إليه المصير!

ونبصر التشنيع والتعجيب ونحن نتصوّر هذا الأمر المستنكر، كيف يقع؟

{أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} !

ونبصر التهديد:

{كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18)} !

ويروي البخاري وغيره عن عروة بن الزّبير، قال: سألت عبد الله بن عمروٍ، عن أشدّ ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: رأيت عُقبة بن أبي مُعيْطٍ، جاء إِلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهُو يصلّي، فوضع رداءً في عُنقه، فَخَنَقه

(1) مسلم (2797)، وأحمد: 2: 370، والطبري: التفسير: 30: 256، والبيهقي: 2: 189، والبغوي: معالم التنزيل: 4: 507، 508، وأبو نعيم: الدلائل (158)، وابن حبان (6571)، وانظر: الدر المنثور: 8: 565.

(2)

في ظلال القرآن: 6: 3942 بتصرف.

ص: 1001

به خَنْقاً شديداً، فجاء أبو بكر، حتى دفعه عنه، فقال:{أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} (غافر: 28)!

وفي رواية: قال: قلت له: ما أكثر ما رأيْتَ قريشاً أصابت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما كانت تُظْهرُ من عداوته، قال: قد حَضَرْتُهم وقد اجتمع أشرافهم في الحِجْر، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ما رأيْنا مِثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قطّ، سفَّه أحلامنا، وشَتَم آباءنا، وعابَ ديننَا، وفرّق جماعتنا، وسبَّ آلهتنَا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا، قال: فبينما هم كذلك، إِذ طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل يمشي، حتى استلم الركن، ثم مرّ بهم طائفاً بالبيت، فلما أن مرّ بهم غَمزوه ببعض يقول! قالوا: فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى! فلمَّا مرّ بهم الثانية، غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى! ثم مرّ بهم الثالثة، فغمزوه بمثلها، فقال:"تسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفسُ محمَّد بيده، لقد جئتكُم بالذّبح"! فأخذت القومَ كلمته، حتى ما منهم رجل إِلا كأنما على رأسه طائرٌ واقع، حتى إِن أشدَّهم فيه وصَاةً قبل ذلك لَيرْفؤُهُ بأحسن ما يجد من القول، حتى إِنه ليقول: انَصِرفْ يا أبا القاسم، انصرف راشدًا، فوالله! ما كنت جهولاً! قال: فانصرف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، حتى إِذا كان الغَدُ، اجتمعوا في الحِجْر وأنا معهم، فقال بعضُهم لبعض: ذكرتُم ما بلغ منكم، وما بلغكُم عنه، حتى إِذا ما بادأكُم بما تكرهون تركُتموه، فبينما هم في ذلك، إِذ طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوثبوا إِليه وثبةَ رجل واحد، فأحاطوا به، يقولون له: أنت الذي تقول كذا وكذا؟ لمِا كان يبلغهم عنه من عيْب آلهتهم ودينهم! قال: فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نَعم، أنا الذي أقول

ص: 1002

ذلك" قال: فلقد رأيت رجلاً منهم أخَذَ بمجمع ردائه، قال: وقام أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه دونه، يقول وهو يبكي:{أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} ! ثم انصرفوا عنه، فإِن ذلك لأشدّ ما رأيت قريشاً بلغتْ منه قط!

وفي رواية قال: ما رأيت قريشاً أرادوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلا يوماً رأيتهم وهم جلوس في ظلّ الكعبة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي عند المقام، فقام إِليه عقبةُ بن أبي مُعَيْط، فجعل رداءه في عنقه، ثم جذبه، حتى وَجَب لرُكبَتيْه صلى الله عليه وسلم، وتصايَحَ الناس، فظنّوا أنه مقتول! قال: وأقبل أبو بكر رضي الله عنه، يشتدّ حتى أخذ بِضَبُعَي رسول الله صلى الله عليه وسلم من ورائه، وهو يقول: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟! ثم انصرفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا قضى صلاته، مَرّ بهم وهم جلوسٌ في ظلّ الكعبة، فقال:"يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيده ما أُرسلتُ إِليكم إِلا بالذَّبْح" وأشار إِلى حلقه، فقال له أبو جهل: يا محمَّد، ما كنت جهولاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنْتَ منهم"(1)!

ويروي الشيخان وغيرهما عن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلّي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، إِذ قال بعضهم لبعض: أيُّكم يجيء بِسَلَى جزور بني فلان، فيضعه على ظهر محمَّد إِذا سجد! فانبعث أشقى القوم فجاء به، فنظر حتى إذا سجد النبي صلى الله عليه وسلم وضعه على ظهره بين كتفيه،

(1) البخاري: 62 فضائل الصحابة (3678)، وانظر (3856، 4815)، وخلق أفعال العباد (308)، وأحمد: 2: 218 وسنده حسن، والبزار كما ذكر ابن حجر: الفتح: 7: 168، والبيهقي:"الدلائل": 2: 275، وانظر: المجمع: 6: 1516، وابن حبان (6599)، وأبو يعلى: 1: 343.

ص: 1003

وأنا انظر لا أُغني شيئاً، لو كانت لي مَنَعةٌ. قال: فجعلوا يضحكون، ويُحيلُ بعضهم على بعض، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم ساجدٌ لا يرفع رأسه، حتى جاءته فاطمةُ، فطَرحَت عن ظهره، فرفع رأسه، ثم قال: "اللهُمّ!

عليك بقريش"! ثلاث مرات، فشقّ إِذْ دعا عليهم قال: وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة! ثُمّ سَمَّى: "اللهم! عليك بأبي جهل، وعليك بعُتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عُقبة، وأميّة بن خلف، وعقبة بن أبي معيط"! وعدّ السابع، فلم نحفظه! قال: فوالذي نفسي بيده! لقد رأيت الذين عدّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صرعى في القليب، قليب بدر! وفي رواية: غير أن أميّة تقطعت أوصاله، فلم يلق في البئر (1)!

ويروي أحمد وغيره بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إِن الملأ من قريش! اجتمعوا في الحِجْر فتعاقدوا باللات والعُزّى، ومناة الثالثة الأخرى، ونائلة وإِسافِ: لو رأينا محمداً، لقد قُمنا إِليه قيام رجل واحد، فلم نفارقه حتّى نقتله، فأقبلت ابنته فاطمة رضي الله عنها تبكي، حتى دخلتْ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: هؤلاء الملأ من قريش، قد تعاقدوا عليك، لو قد رأوك، لقد قاموا إِليك فقتلوك، فليس منهم رجلٌ إِلا قد عرف نصيبه من دمِك، فقال:"يا بُنَيَّة، أريني وَضُوءًا" فتوضّأ، ثم دخل عليهم

(1) البخاري: 4 الوضوء (240)، وانظر (520، 2934، 3185، 3854، 3960)، ومسلم (1794)، وأحمد: 1: 393، 417، وابن أبي شيبة: 14: 298، والطيالسي (325)، وابن خزيمة (785)، والبيهقي: 9: 78، و"الدلائل": 2: 279، 3: 82، والنسائي: 1: 161، والكبرى (8668، 8669)، وأبو عوانة: 4: 220، 222، 224، واللالكائي: أصول الاعتقاد (1418، 1419)، والبزار (2389، 2398) زوائد، وأبو نعيم: الدلائل: 1: 349، 350، وابن حبان (6570).

ص: 1004

المسجد، فلما رأوْه قالوا: ها هو ذا، وخَفَضُوا أبصارهم، وسقطتْ أذقانهم في صدورهم، وعُقروا في مجالسهم، فلم يرفعوا إِليه بصرًا، ولم يقُم إِليه منهم رجل، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قام على رؤوسهم، فأخذ قبضةً من التراب، فقال:"شاهت الوجوه" ثم حَصَبهم بها، فما أصاب رجُلاً من ذلك الحَصى حصاةٌ إِلا قتل يوم بدرٍ كافراً (1)!

وسيأتي مزيد بيان لذلك!

ويرى ابن كثير أن غالب ما وقع للرسول صلى الله عليه وسلم من اعتداء جسدي، وما يشبه ذلك، كان بعد وفاة عمه أبي طالب (2)!

ويروي أحمد وغيره بسند حسن عن عبد الله قال: أوّل من أظهر إِسلامه سبعة: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمّار، وأمّه سميّة، وصهيب، وبلال والمقداد! فأمّا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنعه الله بعمّه أبي طالب! وأما أبو بكر، فمنعه الله بقومه! وأما سائرهم فأخذهم المشركون، فألبسوهم أدْراعَ الحديد، وصَهَرُوهم في الشمس، فما منهم إِنسان إِلا وقد واتاهم على ما أرادوا، إِلا بلال، فإِنه قد هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأعْطوه الوِلْدان، وأخذوا يطوفون به شعاب مكّة، وهو يقول: أحدٌ، أحدٌ (3)!

(1) أحمد: 1: 303، 368، والحاكم: 1: 163، 3: 157 مختصراً، وأبو نعيم: الدلائل (139)، والبيهقي: الدلائل: 6: 240، وابن حبان (6502).

(2)

انظر: البداية: 3: 148.

(3)

أحمد: 1: 404، وفضائل الصحابة (191)، وابن أبي شيبة: 12: 149، 14: 313، وأبو نعيم: الحلية: 1: 149، 172، وابن عبد البر: الاستيعاب: 1: 141، والحاكم: 3: 284، والبيهقي: الدلائل: 2: 281 - 282، والشاشي (641)، وابن ماجه (150)، وابن حبان (7083).

ص: 1005

ويروي الحاكم وغيره بسند صحيح عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بعمّار واهله، وهم يعذّبون، فقال:"أبشروا آل عمار، وآل ياسر، فإِن موعدكم الجنّة"(1)!

قال ابن إسحاق: كانت بنو مخزوم يخرجون بعمّار بن ياسر وبأبيه وأمه، وكانوا أهل بيت إسلام، إذا حميت الظهيرة، يعذّبونهم برمضاء مكّة، فيمرّ بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول فيما بلغني:"صبراً آل ياسر، موعدكم الجنّة"

فأما أمّه فقتلوها، وهي تأبى إلا الإِسلام (2)!

ويروي الشيخان وغيرهما عن خبّاب رضي الله عنه قال (3): كنتُ قَيْناً في الجاهليّة، وكان لي على العاص بن وائل ديْنٌ، فأتيتُه أتقاضاه، قال: لا أُعطيك حتى تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فقلت: لا أكفر حتى يميتك الله ثم تبعث! قال: دَعْني حتى أموت وأبْعث، فسأوتَى مالاً وولداً فأقضيك،

(1) الحاكم: 3: 388، 389، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وانظر: ابن هشام: 1: 395، وذكره الهيثمي: المجمع: 9: 293، وقال: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات، وقال الألباني: حسن صحيح: فقه السيرة: الغزالي: 107، 108، وانظر: الفتح الرباني: 20: 220، والبيهقي: الدلائل: 2: 282.

(2)

ابن هشام: 1: 395، وانظر: البيهقي: الدلائل: 2: 282، والإصابة: 6: 332، 333 (9209).

(3)

البخاري: 34 البيوع (2091)، وانظر (2275، 2425، 4732، 4733، 4734، 4735)، ومسلم (2795)، وأحمد: 5: 110، 111، والطيالسي (1054)، والترمذي (3162)، والنسائي: التفسير (342)، والطبري: التفسير: 16: 120، 121، والطبراني: الكبير (3650، 3651، 3652، 3653، 3654)، والبيهقي: 6: 52، والدلائل: 2: 280، 281، والبغوي: التفسير: 3: 207، 208، وابن حبان (4885).

ص: 1006