الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مكانة المسجد الحرام
أول بيت للعبادة:
وإذا كان الإسراء والمعراج آية من آيات الله، ونقلة عجيبة بالقياس إلى مألوف البشر -كما عرفنا- ورحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مختارة من اللطيف الخبير، تربط بين عقيدة التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، إلى محمَّد خاتم النبيين صلوات الله وتسليماته عليهم أجمعين .. وتربط الأماكن المقدّسة لرسالات التوحيد جميعًا .. رجاء أن نبصر إعلان وراثة خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم لمقدّسات الرسل قبله .. واشتمال رسالته على هذه المقدّسات .. وارتباط رسالته بها جميعًا .. فهي رحلة ترمز إلى أبعد من حدود الزمان والمكان .. وتشمل آمادًا وآفاقًا أوسع من الزمان والمكان .. وتتضمّن معاني أكبر من المعاني القريبة التي تتكشف عنها للنظرة الأولى!
ويطالعنا قوله تعالى:
وهنا نبصر أول بيت عبر التاريخ (1) وضع في الأرض للعبادة، وخصّص لها، منذ أمَر الله إبراهيم عليه السلام أن يرفع قواعده، وأن يخصّصه للطائفين والعاكفين والرّكع السجود، وجعله مباركًا وجعله هُدى للعالمين، يجدون عنده
(1) في ظلال القرآن: 1: 434 وما بعدها بتصرف.
الهُدى في رحاب ملة إبراهيم، وفيه علامات بينة على أنه مقام إبراهيم .. وقبل ذلك يطالعنا قوله عز وجل:
{قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95)} [آل عمران]!
ونبصر أن هذا البيت بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ليكون مثابةً للناس وأمنًا، وليكون للمؤمنين قبلةً ومصلّى .. ومن ثم يجيء الأمر باتباع إبراهيم في ملّته، وهي التوحيد الخالص المبرّأ من الشرك في كل صوره:{فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95)} !
واليهود كانوا يزعمون أنهم ورثة إبراهيم، فها هو ذا القرآن الكريم يدلّهم على حقيقة دين إبراهيم، وأنه الميل عن كل شرك، ويؤكّد هذه الحقيقة مرّتين:
مرّة بأنّه كان حنيفًا!
ومرّة بأنّه ما كان من المشركين!
فما بالهم هم غير مقرّين!
ثم يقرّر أن الاتجاه للكعبة هو الأصل، فهي أول بيت وضع في الأرض للعبادة وخصّص لها .. ومن دخله كان آمنًا، وحتى في جاهليّة العرب، وفي الفترة التي انحرفوا فيها عن التوحيد الخالص الذي يمثّله هذا الدّين .. حتى في هذه الفترة بقيت حرمة هذا البيت سارية، كما قال الحسن البصري وغيره:
(كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة، ويدخل الحرم فيلقاه ابن المقتول، فلا يهيجه حتى يخرج)!