الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العقيدة في صميمها في كل أرض، وفي كل زمان .. صورتها وهي تنشأ في الجاهليَّة -أيّة جاهليّة- في الأرض المعادية لها -أيّة أرض- وبين القوم المعادين -أىّ قوم- فتضيق بها الصدور، وتتأذّى بها الأطماع والشهوات، وتتعرّض للأذى والمطاردة، وأصحابها -في أوّل الأمر- قلّة مستضعفة، ثم تنمو النبتة الطيّبة -كما لا بد أن تنمو- على الرغم من الأذى، وعلى الرغم من المطاردة، ثم تملك الصمود والمقاومة والدفاع عن نفسها، فيكون القتال، ويكون القتل .. وعلى هذا الجهد الشاق المرير يكون تكفير السيّئات، ويكون الجزاء ويكون الثواب!
هذا هو الطريق
.. طريق هذا المنهج الربّانيّ، الذي قدّر الله أن يكون تحقّقه في واقع الحياة بالجهد البشري .. وعن طريق هذا الجهد، وبالقدر الذي يبذله المؤمنون المجاهدون في سبيل الله، ابتغاء وجه الله!
وهذه هي طبيعة هذا المنهج ومقوّماته
، وتكاليفه، ثم هذه هي طريقة المنهج في التربية، وطريقته في التوجيه، للانتقال من مرحلة التأثّر الوجدانيّ بالتفكّر والتدبّر في خلق الله، إلى مرحلة العمل الإيجابي وفق هذا التأثّر تحقيقاً للمنهج الذي أراده الله! (1)
ونبصر في تقلّب الذين كفروا في البلاد مظهراً من مظاهر النعمة والوجدان، ومن مظاهر المكانة والسلطان، وهو مظهر يحيك في القلوب منه شيء لا محالة .. يحيك منه شيء في قلوب المؤمنين، وهم يعانون الشظف والحرمان، ويعانون الأذى والجهد، ويعانون المطاردة أو الجهاد .. وكلها مشقات وأهوال، بينما أصحاب الباطل ينعمون ويستمتعون! .. ويحيك منه شيء في قلوب الجماهير الغافلة، وهي ترى الحق وأهله يعانون هذا العناء،
(1) انظر: منهج التربية الإِسلامية: تربية العقل - محمد قطب.
والباطل وأهله في منجاة، بل في مسلاة! .. ويحيك منه شيء في قلوب الضالّين المبطلين أنفسهم، فيزيدهم ضلالاً وبطرًا ولجاجاً في الشر والفساد!
هنا تأتي هذه اللمسة: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)} !
متاع قليل .. ينتهي ويذهب .. أما المأوى الدائم الخالد، فهو جهنم .. وبئس المهاد!
وفي مقابل المتاع القليل الذاهب جنّات وخلود وتكريم من الله: {جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (198)} (آل عمران)!
وما يشك أحدٌ في أن ما عند الله خير للأبرار، وما تبقى في القلب شبهة في أن كفّة الذين اتقوا أرجح من كفّة الذين كفروا في هذا الميزان، وما يتردّد ذو عقل في اختيار النصيب الذي يختاره لأنفسهم أولو الألباب!
وفي موضع التربية، ومجال إقرار القيم الأساسية، في التصوّر الإِسلامي لا يعد المؤمنين هنا بالنصر، ولا يعدهم بقهر الأعداء، ولا يعدهم بالتمكن في الأرض، ولا يعدهم شيئاً من الأشياء في هذه الحياة ممَّا يعدهم به في مواضع أخرى، وممّا يكتب على نفسه لأوليائه في صراعهم مع أعدائهم!
إنه يعدهم شيئاً واحداً، هو {مَا عِنْدَ اللَّهِ} ! فهذا هو الأصل في هذه الدعوة، وهذه هي نقطة الانطلاق في هذه العقيدة: التجرّد المطلق من كل هدف، ومن كل غاية، ومن كل مطمع -حتى رغبة المؤمن في غلبة عقيدته،
وانتصار كلمة الله، وقهر أعداء الله- حتى هذه الرغبة يريد الله من المؤمنين أن يتجرّدوا منها، ويكلوا أمرها إليه، وتتخلّص قلوبهم من أن تكون هذه شهوة لها، ولو كانت لا تخصّها!
هذه العقيدة: عطاء ووفاء وأداء .. فقط، وبلا مقابل من أعراض هذه الأرض، وبلا مقابل كذلك من نصر وغلبة وتمكين واستعلاء .. ثم انتظار كل شيء هناك!
ثم يقع النصر، ويقع التمكين، ويقع الاستعلاء .. ولكن هذا ليس داخلاً في البيعة .. ليس جزءاً من الصفقة .. ليس في الصفقة مقابل في هذه الدنيا، وليس فيها إلا الأداء والوفاء والعطاء .. والابتلاء!
على هذا كانت البيعة، والدعوة مطاردة في مكّة .. وعلى هذا كان البيع والشراء .. ولم يمنح الله المسلمين النصر والتمكين والاستعلاء .. ولم يسلمهم مقاليد الأرض وقيادة البشريّة، إلا حين تحرّدوا هذا التجرّد ووفّوا هذا الوفاء!
وهنا نذكر ما رواه أحمد وغيره بسند صحيح من حديث طويل عن جابر .. وفيه: "فقمنا إِليه وبايعناه، فأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة"! (1)
هكذا "الجنة" .. والجنة فقط! لم يقل: النصر، والعزّ، والوحدة، والقوّة، والتمكين، والقيادة، والمال، والرخاء -مما منحه الله وأجراه على أيديهم- فذلك كله خارج عن الصفقة!
(1) أحمد: 3: 322 - 323، والبيهقي: 8: 146، والبزار (1755، 1756) كشف الأستار، وأبو يعلى (1887)، وابن حبان (6274، 7012).
لقد أخذوها صفقة بين متبايعين، أنهي أمرها، وأمضي عقدها، ولم تعد هناك مساومة حولها!
وهكذا ربّى الله الجماعة التي قدّر أن يضع في يدها مقاليد الأرض، وزمام القيادة، وسلّمها الأمانة الكبرى بعد أن تجرّدت من كل أطماعها، وكل رغباتها، وكل شهواتها، حتى ما يختص بالدعوة التي تحملها، والمنهج الذي تحققه، والعقيدة التي تموت من أجلها، فما يصلح لحمل هذه الأمانة الكبرى من بقي له أرب لنفسه في نفسه، أو بقيت فيه بقيّة لم تدخل في السلم كافة! (1)
ويطالعنا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)} (آل عمران)!
إنه النداء العلوي للذين آمنوا (2) نداؤهم بالصفة التي تربطهم بمصدر النداء، والتي تلقي عليهم هذه الأعباء، والتي تؤهّلهم للنداء، وتؤهّلهم للأعباء، وتكرمهم في الأرض كما تكرمهم في السماء:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ} !
النداء لهم، للصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى.
والصبر هو زاد الطريق في هذه الدعوة .. إنه طريق طويل شاقّ، حافل بالعقبات والأشواك. مفروش بالدماء والأشلاء، وبالإيذاء والابتلاء .. الصبر على أشياء كثيرة: الصبر على شهوات النفس ورغائبها، وأطماعها ومطامحها، وضعفها ونقصها، وعجلتها وملالها من قريب!
(1) انظر: 206 - 212 في ظلال القرآن.
(2)
السابق: 551 بتصرف.
والصبر على شهوات الناس ونقصهم وضعفهم وجهلهم وسوء تصوّرهم، وانحراف طباعهم، وأثرتهم، وغرورهم، والتوائهم، واستعجالهم للثمار!
والصبر على تنفج الباطل، ووقاحة الطغيان، وانتفاش الشرّ، وغلبة الشهوة، وتصغير الغرور والخيلاء!
والصبر على قلّة الناصر، وضعف المعين، وطول الطريق، ووساوس الشيطان في ساعات الكرب والضّيق!
والصبر على مرارة الجهاد لهذا كله، وما تثيره في النفس من انفعالات متنوعة، من الألم، والغيظ، والحنق، والضيق، وضعف الثقة أحياناً في الخير.
وقلّة الرَّجاء أحياناً في الفطرة البشريّة، والملل والسأم واليأس أحياناً والقنوط!
والصبر بعد ذلك كله على ضبط النفس في ساعة القدرة والانتصار والغلبة. واستقبال الرخاء في تواضع وشكر، وبدون خيلاء وبدون اندفاع إلى الانتقام، وتجاوز القصاص الحق إلى الاعتداء! والبقاء في السرّاء والضرّاء على صلة بالله، واستسلام لقدره، وردّ الأمر إليه كله في طمأنينة وخشوع!
الصبر على هذا كله -وعلى مثله- مما يصادف السالك في هذا الطريق الطويل لا تصوّره حقيقة الكلمات، فالكلمات لا تنقل المدلول الحقيقي لهذه المعاناة، إنما يدرك هذا المدلول من عانى مشقّة الطريق، وتذوّقها انفعالات وتجارب ومرارات!
والذين آمنوا كانوا قد ذاقوا جوانب كثيرة من ذلك المدلول الحقيقي، فكانوا أعرف بمذاق هذا النداء!
كانوا يعرفون معنى الصبر الذي يطلب الله إليهم أن يزاولوه!