الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الضحاك من أن سورة (الحج) مدنيّة لزم بقاء ما ألقى الشيطان قرآناً في اعتقاد النبي صلى الله عليه وسلم زماناً طويلاً والمؤمنين زماناً طويلاً، والقول بذلك من الشناعة بمكان، بل هو أكبر من الشناعة، وأقرب إلى الكفر منه إلى الإيمان!
وقال جل وعلا: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} (النجم)!
والظاهر أن الضمير لما ينطق به النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج الدارمي وغيره عن يحيى بن أبي كثير، عن الأوزاعي، عن حسان قال: كان جبريل ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالسنّة، كما ينزل بالقرآن. (1)
والمتبادر من لحن الخطاب أن جميع ما ينطق به صلى الله عليه وسلم من ذلك ليس عند إلقاء الشيطان، كما أنه ليس عن هوى!
قال العلاّمة الآلوسي:
وبقيت آيات كثيرة أخرى في هذا الباب، ظواهرها تدلّ على المدّعي أيضاً، وتأويل جميع الظواهر الكثيرة لقول شرذمة قليلة بصحّة الخبر المنافي لها، مع قول جم غفير بعد الفحص التام بعدم صحته، مما لا يميل إليه القلب السليم، ولا يرتضيه الطبع المستقيم، ويبعد القول بثبوته أيضاً عدم إخراج أحد من المشايخ الكبار، له في شيء من الكتب الستة، مع أنه مشتمل على قصّة غريبة، وفي الطباع ميل إلى سماع الغريب وروايته!
المفسدة الرابعة:
ومن المفاسد اللازمة على كون النبي صلى الله عليه وسلم هو الناطق بما ألقى الشيطان من كلمات الكفر والشرك، أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد اشتبه عليه ما يلقيه الشيطان بما
(1) الدارمي: فتح المنان (617)، وانظر: ابن عبد البر: الجامع: 2: 234، والمروزي: السنة: 32 - 33 (103) وصححه الحافظ في الفتح.
يلقيه عليه الملك وهو يقتضي أنه صلى الله عليه وسلم على غير بصيرة فيما يوحى إليه، وفيما يبلّغه عن الله تعالى، ويقتضي أيضاً جواز تصوّر الشيطان بصورة الملك، ملبّساً على النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح ذلك -كما قال في الشفاء- لا في أوّل الرسالة ولا بعدها، والاعتماد في ذلك على دليل المعجزة!
وقال ابن العربي: تصوّر الشيطان في صورة الملك ملبّساً على النبي صلى الله عليه وسلم كتصوّره في صورة النبي صلى الله عليه وسلم ملبّساً على الخلق، وتسليط الله تعالى له على ذلك كتسليطه في هذا، فكيف يسوغ في لبّ سليم استجازة ذلك؟ ولكن الغرنوقيّين استجازوه وقالوا بوقوعه لسيّد الخلق خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا ألباب لهم!
وأجاب الشيخ الكوراني على هذه المفسدة، فقال: إن هذا الاشتباه في حالة خاصّة للتأديب لا يقتضي أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم على غير بصيرة، فيما يوحى إليه في غير تلك الحالة!
قلنا: أيّ (تأديب) هذا الذي يردّده الكوراني، وقد أبطل وجوده بوجود أساسه في زعمه، وكان أساسه التمسّك بنصّ مرسل سعيد بن جبير وأمثاله من المراسيل الواهية الواهنة التي زعمت أن الشيطان ألقى على لسان النبي صلى الله عليه وسلم كلمات الكفر الخبيث بمدح الأوثان، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم نطق بما ألقاه الشيطان على لسانه، ملبّساً عليه بأنه ملك الوحي، وملبّساً عليه أن ما ألقاه على لسانه قرآن أوحي إليه به في البين من آيات سورة (النجم)، وكان هذا التلبيس (تأديباً) للنبي صلى الله عليه وسلم وتصفية له، وترقيةً إلى الأكمل؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أراد إيمان الجميع، وهذا على خلاف إرادة الله وتقديره!
ثم ذهب الشيخ الكوراني في ردّه على الوجه الثالث من وجوه المفاسد في
قصّة الغرانيق إلى التنصّل من نصّ رواية المراسيل، وقال: إنه لابدّ من حمل الكلام الشيطاني على الاستفهام وحذف أداته، أو على إضمار القول من المشركين، وهذا بلا شكّ تطويح بمصدر (التأديب) إلى هاوية البطلان؛ لأنه حينئذ لا تلبيس على النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون المقام مقام (تأديب)، كما زعم من لم يرجُ لله وقاراً في عصمة الأنبياء!
على أن ردّ الشيخ الكورانيّ يحمل دلائل الإمعان والاستمساك بأن النبي صلى الله عليه وسلم ليس معصوماً من تلبيس الشيطان، ولا من اشتباه ما يلقيه من خبيث الكلمات، وفجور الكفر بآيات القرآن، ويكون صلى الله عليه وسلم مسلوب البصيرة في معرفة ما يوحى إليه من آيات الله وشرائعه، وليحكم على هذا أهل العقول من سائر الفرق والطوائف والنحل: لأنه أمر فوق إدراك العقول!
ولا وزن لتخصيصهم -الغرنوقيّين- هذا السلب ببعض الأحوال، وهي كما يزعمون الحالة الموجبة لـ (التأديب)؛ لأن ما جاز في بعض الأحوال، لا دعاء سبب باطل له يجوز أن يكون في غيرها الادعاء سبب له؛ لأن سبب (التأديب مختلق باطل)؛ لأنه مبنيّ على باطل، وهو ادّعاء أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد هدي الكلّ، وهذه الإرادة منافية لإرادة الله عدم هداية الكلّ، فاستحق النبي صلى الله عليه وسلم في زعم الكوراني- التأديب من أجل إرادته هدي الكلّ، والغرنوقيون يتحكّمون في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي إرادته، وفي تبليغ رسالته إلى الخلق، ليفرضوا كما فرض الخوارج المارقون من الدّين نقائص توجب -في زعمهم- التأديب، ولا شكّ أن هذا منزع جاف منكر خبيث، هو منزع الخوارج!
ثم قال الشيخ الكوراني: وأما قول عياض: لا يصحّ أن يتصوّر الشيطان بصورة الملك، ويلبّس عليه صلى الله عليه وسلم، فإن أراد به أنه لا يصحّ أن يلبّس تلبيساً قادحاً
فهو مسلّم، لكنه لم يقنع، دن أراد مطلقاً ولو كان غير مخلّ فلا دليل عليه، ودليل المعجزة إنما ينفي الاشتباه المخلّ بأمر النبوّة المنافي للتوحيد، القادح في العصمة، وما ذكره غير مخل، بل فيه تأديب!
وافتراءات أن في تلبيس الشيطان تلبيساً قادحاً مخلاًّ بالنبوّة والعصمة، وتلبيساً غير قادح ولا مخلّ بالنبوّة والعصمة، قد بيّنا أنها فرىً كاذبةً مختلقةً، ويستحيل أن يلبّس الشيطان على النبي صلى الله عليه وسلم، ويريه أنه ملكَ الوحي، ويعتقد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يلبّس عليه -فيلقي على لسانه كلمات الكفر والشرك، ويعتقدها النبي صلى الله عليه وسلم حتى ينبه على افترائها!
وقد عرضنا فيما سبق لـ (أخلوقة التأديب) التي اخترقها الشيخ الكوراني عند تملّصه من رأيه في (أكذوبة الغرانيق)، إذ هبّ عندما سدّت عليه المسالك إلى القول بأنه لابدّ من حمل الكلام الشيطانيّ على الاستفهام أو إضمار القول، وحينئذ فلا إلقاء من الشيطان على لسان النبي صلى الله عليه وسلم ولا تأديب لسيّد الكاملين!
ثم قال الشيخ إبراهيم الكوراني: وأمّا ما ذكره ابن العربي فقياس مع الفارق؛ لأن تصوّر الشيطان في صورة النبي صلى الله عليه وسلم مطلقماً منفيّ بالنصّ الصحيح، وتصوّره في صورة النبي ملبّساً على الخلق إغواء يعمّ، وهو سلطان منفيّ بالنصّ عن المخلصين، وأمّا تصوّره في صورة الملك في حالة خاصّة ملبّساً على النبي صلى الله عليه وسلم فليس من السلطان المنفيّ ولا بالتصوّر الممنوع، نعوذ بالله من الحور بعد الكور!
سبحان الله .. تلبيس يغوي النبي صلى الله عليه وسلم ويشبِّه عليه أخبث الكفر فيما ألقاه الشيطان -بزعم الغرنوقيّين- بآيات الله من القرآن المجيد جائز عند الشيخ