المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الضحاك من أن سورة (الحج) مدنيّة لزم بقاء ما ألقى - الجامع الصحيح للسيرة النبوية - جـ ٤

[سعد المرصفي]

فهرس الكتاب

- ‌«مقدمات جهاد الدعوة وأثرها في حياة الدعاة»

- ‌مقدمة

- ‌رسالة ورسول

- ‌1 - إنذار الأقربين:

- ‌2 - الجهر العام:

- ‌3 - بين زعماء قريش وأبي طالب:

- ‌4 - السخرية والاستهزاء:

- ‌5 - التطاول على القرآن ومنزله ومن جاء به:

- ‌6 - الاتصال باليهود وأسئلتهم:

- ‌ السؤال عن الروح:

- ‌ أهل الكهف:

- ‌ ذو القرنين:

- ‌7 - دستور الحكم الصالح:

- ‌الطغاة:

- ‌المستضعفون:

- ‌8 - إنذار يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌9 - {أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً}:

- ‌10 - بين الصهيونية والصليبيّة:

- ‌11 - معركة عقيدة:

- ‌12 - إسلام عمر الفاروق:

- ‌13 - عزيمة النبوّة:

- ‌14 - الاضطهاد والتعذيب:

- ‌15 - المساومة والإغراء:

- ‌16 - عقليَّة بليدة:

- ‌أولها:

- ‌ثانياً:

- ‌ثالثها:

- ‌رابعها:

- ‌17 - السمو الروحي:

- ‌18 - رسالة ورسول:

- ‌19 - طمأنينة قلب النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌20 - في رحاب سورة (فصلت):

- ‌21 - عناد المشركين:

- ‌22 - المعجزة الكبرى:

- ‌23 - نهاية المفاوضات:

- ‌24 - الصبر الجميل:

- ‌25 - تبليغ الرسالة:

- ‌26 - موقف الوليد بن المغيرة:

- ‌27 - نموذج للشرّ الخبيث:

- ‌قال المفسرون:

- ‌وقال الشوكاني في قوله:

- ‌28 - دعاية للرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌29 - نماذج الخبث البشري:

- ‌30 - أسلوب الآيات:

- ‌31 - معالم الفجور:

- ‌32 - خصائص هذا النموذج:

- ‌33 - رأي آخر:

- ‌قال الفخر الرازي

- ‌قال الفخر الرازي:

- ‌34 - في رحاب سورة (القلم):

- ‌35 - معالم خصائص نموذج الفجور:

- ‌ المعْلَم الأول:

- ‌ المعْلم الثاني:

- ‌ المعلم الثالث:

- ‌ المعْلم الرابع:

- ‌ المعْلَم الخامس:

- ‌ المعْلَم السادس:

- ‌36 - إشهار نموذج الشر:

- ‌37 - منح في ثنايا المحن:

- ‌38 - إذاعة الإرجاف:

- ‌39 - توجيه إلهي:

- ‌40 - إسلام الطفيل الدوسي:

- ‌41 - نور الهداية:

- ‌42 - مضاء العزيمة:

- ‌43 - حوار عقول:

- ‌44 - آيات من العبر:

- ‌45 - قوّة الإيمان:

- ‌46 - المستقبل للإسلام:

- ‌47 - درس للدعاة:

- ‌«طريق جهاد الدعوة في ضوء سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌مقدمة

- ‌هذا هو الطريق

- ‌أشدّ الناس بلاء:

- ‌مفرق الطريق:

- ‌ضرورة الابتلاء:

- ‌قيمة العقيدة:

- ‌حقيقة الابتلاء:

- ‌يخلص لنا ابتداءً:

- ‌ويخلص لنا ثانياً:

- ‌ويخلص لنا ثالثاً:

- ‌ويخلص لنا رابعاً:

- ‌ابتلاء شديد:

- ‌هذا هو الطريق

- ‌وهذه هي طبيعة هذا المنهج ومقوّماته

- ‌والمصابرة

- ‌والمرابطة

- ‌تمحيص المؤمنين:

- ‌تربية إيمانيّة:

- ‌توكّل على الله:

- ‌نهاية الظالمين:

- ‌إعداد وثبات:

- ‌الوجه الأول:

- ‌الوجه الثاني:

- ‌الوجه الثالث:

- ‌معالم في الطريق:

- ‌المعلم الأول:

- ‌المعلم الثاني:

- ‌المعلم الثالث:

- ‌زلزال شديد:

- ‌مناجاة في ليلة القدر:

- ‌الله والطاغوت:

- ‌شظايا من الإيمان:

- ‌الهجرة إلى الحبشة

- ‌أول هجرة في الإِسلام:

- ‌السابقون إلى الإِسلام:

- ‌مكانة السابقين:

- ‌غيظ قريش وحنقها:

- ‌إشارة الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة:

- ‌هجرة تبليغ الرسالة:

- ‌البعد عن مواطن الفتنة:

- ‌البعد عن إثارة المعوّقات في طريق الرسالة:

- ‌تخفيف الأزمات النفسيّة:

- ‌إفساح طريق التبليغ:

- ‌سجل المهاجرين:

- ‌حكمة سياسة الاستسرار:

- ‌سفارة المشركين إلى النجاشي:

- ‌سياسية تبليغ الدعوة:

- ‌إخفاق سفارة المشركين:

- ‌تملك النجاشيّ على الحبشة:

- ‌إسلام النجاشي:

- ‌عالميّة الدعوة الإِسلاميّة:

- ‌مكانة المرأة المسلمة:

- ‌عودة المهاجرين إلى المدينة:

- ‌هجرة مواجهة واختبار:

- ‌أسطورة الغرانيق

- ‌أكذوبة متزندقة:

- ‌المبشرون المستشرقون:

- ‌المستشرق اليهودي (يوسف شاخت) وأسطورة الغرانيق:

- ‌المستشرق (بروكلمان) وغيره:

- ‌السبب الأول:

- ‌السبب الثاني:

- ‌ردود العلماء:

- ‌بطلان الأسطورة سنداً ومتناً:

- ‌قول الحافظ ابن حجر:

- ‌قول الدكتور (أبو شهبة):

- ‌قول الإِمام محمد عبده:

- ‌البطلان من حيث الزمان:

- ‌سبب سجود المشركين:

- ‌لا سبيل للشيطان:

- ‌قال الشيخ عرجون:

- ‌على أن قول الشيخ الإِمام ابن تيمية:

- ‌ثم قال الإِمام ابن تيمية:

- ‌رأي أهوج للكوراني:

- ‌أمران باطلان:

- ‌الأمر الأول:

- ‌الأمر الثاني:

- ‌مفاسد رأي الكوراني:

- ‌المفسدة الأولى

- ‌قال الكوراني في ردّه على هذا الوجه من المفسدة:

- ‌قال الشيخ عرجون:

- ‌قال العلامة الآلوسي في نقض اعتراض الكوراني على المفسدة الأولى

- ‌المفسدة الثانية

- ‌وأجاب الشيخ الكوراني على هذا الوجه من المفسدة فقال:

- ‌قال العلاّمة الآلوسي:

- ‌يقول الشيخ عرجون:

- ‌قال العلاّمة الآلوسي:

- ‌المفسدة الثالثة:

- ‌وقال الشيخ عرجون

- ‌ويردّ الشيخ إبراهيم الكوراني على الوجه الثالث من وجوه المفاسد الغرنوقيّة، فيقول الآلوسي

- ‌قال الشيخ عرجون:

- ‌قال العلاّمة الآلوسي:

- ‌المفسدة الرابعة:

- ‌المفسدة الخامسة:

- ‌المفسدة السادسة:

- ‌قال العلاّمة الآلوسي:

- ‌ثم قال العلاّمة المفسّر شهاب الدين السيد محمود الآلوسي، معقّباً على ما ساقه من (أخبار هذه الأقصوصة الغرنوقيّة):

- ‌ثم قال الآلوسي:

- ‌قال شيخنا عرجون رحمه الله:

- ‌آيات القرآن:

- ‌درس للدعاة:

- ‌اعتباران:

- ‌الاعتبار الأول:

- ‌الاعتبار الثاني:

- ‌وصيّة أخويّة:

- ‌محنة الحصار الاقتصادي المقاطعة الظالمة

- ‌قوّة عزيمة الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌التآمر على قتل النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌تدبير أبي طالب لحماية الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌سبب كتابة الصحيفة:

- ‌شدّة حرص أبي طالب وشعره:

- ‌نقض ما تعاهدوا عليه:

- ‌آية الله في الصحيفة:

- ‌سعي أبي طالب:

- ‌كاتب الصحيفة:

- ‌شدة الحصار:

- ‌وفي رواية يونس:

- ‌كاتبها ماحيها:

- ‌تحرك العواطف:

- ‌لؤم نحيزة أبي جهل:

- ‌شعر أبي طالب بعد تمزيق الصحيفة:

- ‌المقاطعة في الصحيح:

- ‌إعداد لتحمّل أثقال الدعوة:

- ‌دروس للدعاة:

- ‌مسيرة الدعوة:

- ‌توالي اشتداد المحن

- ‌خُسران ملأ قريش:

- ‌مواقف العامة من الدعوة:

- ‌منهج الدعوة إلى الله:

- ‌رزء الحميّة القوميّة بوفاة أبي طالب:

- ‌شعر أبي طالب في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌وصيّة أبي طالب لقومه:

- ‌وفاة أبي طالب:

- ‌رزء الإِسلام ونبيّه بوفاة خديجة رضي الله عنها:

- ‌حقيقة الرسالة:

- ‌تسامي حياة الصدّيقية المؤمنة:

- ‌ورقة يؤكد فراسات خديجة:

- ‌دور خديجة رضي الله عنها:

- ‌موت خديجة وتسليم الله عليها وتبشيرها:

- ‌الرسول صلى الله عليه وسلم في الطائف:

- ‌قدوم الجنّ وإسلامهم:

- ‌توجيه ربّانيّ:

- ‌«الإسراء والمعراج - منحة ربانية بعد اشتداد المحن»

- ‌مقدمة

- ‌منحة ربَّانيَّة

- ‌طريق الدعوة:

- ‌أعظم آيّات الإعجاز الكوني:

- ‌تشريف وتكريم:

- ‌آيات الأنبياء:

- ‌رسالة عقليّة علميّة خالدة:

- ‌القرآن آية التحدّي العظمى:

- ‌الآيات الحسيّة لخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم

- ‌فكان الردّ عليهم:

- ‌ونقرأ التعقيب في الآية التالية:

- ‌ونبصر موقف أهل الإيمان عقب تلك الآيات مباشرة:

- ‌انشقاق القمر:

- ‌نبع الماء من بين أصابع النبيّ صلى الله عليه وسلم

- ‌تكثير الطعام القليل:

- ‌حنين الجذع:

- ‌التحدّي بالقرآن:

- ‌آية الإسراء أرفع المراتب:

- ‌مفهوم الإسراء:

- ‌مفهوم المعراج:

- ‌حكم الإسراء والمعراج:

- ‌أهم الأحاديث:

- ‌الحديث الأول:

- ‌الحديث الثاني:

- ‌الحديث الثالث:

- ‌الحكمة في اختصاص كل نبيّ بسماء:

- ‌صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء:

- ‌حكمة اجتماع الأنبياء في الصلاة:

- ‌بين الرسول صلى الله عليه وسلم وقريش:

- ‌حقيقة الإسراء والمعراج:

- ‌القول الأول:

- ‌القول الثاني:

- ‌القول الثالث:

- ‌قول باطل:

- ‌الإسراء ووحدة والوجود:

- ‌إبطال وحدة الوجود:

- ‌إنكار النصوص وتحريفها:

- ‌إغراب وتشويش:

- ‌طريق الكفاح في مسير الدعوة:

- ‌دعاة على الطريق:

- ‌وقت الإسراء والمعراج:

- ‌بدء الإسراء:

- ‌شبهات .. وردُّها

- ‌حديث شريك:

- ‌الشبهة الأولى وردّها:

- ‌الشبهة الثانية وردّها:

- ‌الشبهة الثالثة وردّها:

- ‌الشبهة الرابعة وردّها:

- ‌الشبهة الخامسة وردّها:

- ‌الشبهة السادسة وردّها:

- ‌الشبهة السابعة وردّها:

- ‌الشبهة الثامنة وردّها:

- ‌رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربّه ليلة المعراج:

- ‌القول الأوّل:

- ‌القول الثاني:

- ‌القول الثالث:

- ‌الراجح من الأقوال:

- ‌الشبهة التاسعة وردّها:

- ‌الشبهة العاشرة وردّها:

- ‌بين موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام:

- ‌مكانة المسجد الحرام

- ‌أول بيت للعبادة:

- ‌دين السلام:

- ‌ليلة القدر يكتنفها السلام:

- ‌أخوّة إنسانيّة:

- ‌الأسرة قاعدة الحياة البشريّة:

- ‌أساس السلام:

- ‌{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}:

- ‌أخص خصائص التحرّر الإنساني:

- ‌حرّية الدعوة:

- ‌إدراك العجز إدراك:

- ‌مكانة المسؤوليّة:

- ‌سلام عالمي:

- ‌ملّة إبراهيم:

- ‌سؤال الأمن يوم الخوف:

- ‌الأمن عبر التاريخ:

- ‌{أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا}:

- ‌{اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}:

- ‌حقوق الإنسان:

- ‌دعوة إبراهيم:

- ‌مكانة المسجد الأقصى ودور اليهود عبر التاريخ

- ‌تاريخ المسجد الأقصى:

- ‌في رحاب سورة الإسراء:

- ‌العصر الذهبي:

- ‌عهد الانقسام وزوال الملك:

- ‌مع الآيات القرآنية:

- ‌أشهر أقول المفسِّرين:

- ‌نبوءة المسيح عليه السلام:

- ‌رأي جديد:

- ‌سورة بني إسرائيل:

- ‌ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ}

- ‌ردّ الكرة:

- ‌فرصة للاختيار:

- ‌بشرى للمؤمنين:

- ‌تعليق على المقال:

- ‌فتح المسلمين للقدس:

- ‌القدس الشريف:

- ‌خطبة الفاروق رضي الله عنه

- ‌العهدة العمرية:

- ‌أساطير التعصّب والحروب:

- ‌قذائف الحق:

- ‌نبوءة النصر:

- ‌الأقصى بين الأمس واليوم

- ‌الأقصى ينادي:

- ‌شكوى

- ‌جواب الشكوى

- ‌فلسطين الدامية

- ‌أخي

- ‌رد على الشهيد

- ‌نكبة فلسطين

- ‌يا أمتي وجب الكفاح

- ‌يا قدس

- ‌إلى القدس هيّا نشدّ الرحال

- ‌فلسطين الغد الظاهر

- ‌مناجاة في رحاب الأقصى

- ‌ذبحوني من وريد لوريد

- ‌اغضب لله

- ‌مشاهد وعبر

الفصل: الضحاك من أن سورة (الحج) مدنيّة لزم بقاء ما ألقى

الضحاك من أن سورة (الحج) مدنيّة لزم بقاء ما ألقى الشيطان قرآناً في اعتقاد النبي صلى الله عليه وسلم زماناً طويلاً والمؤمنين زماناً طويلاً، والقول بذلك من الشناعة بمكان، بل هو أكبر من الشناعة، وأقرب إلى الكفر منه إلى الإيمان!

وقال جل وعلا: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} (النجم)!

والظاهر أن الضمير لما ينطق به النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج الدارمي وغيره عن يحيى بن أبي كثير، عن الأوزاعي، عن حسان قال: كان جبريل ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالسنّة، كما ينزل بالقرآن. (1)

والمتبادر من لحن الخطاب أن جميع ما ينطق به صلى الله عليه وسلم من ذلك ليس عند إلقاء الشيطان، كما أنه ليس عن هوى!

‌قال العلاّمة الآلوسي:

وبقيت آيات كثيرة أخرى في هذا الباب، ظواهرها تدلّ على المدّعي أيضاً، وتأويل جميع الظواهر الكثيرة لقول شرذمة قليلة بصحّة الخبر المنافي لها، مع قول جم غفير بعد الفحص التام بعدم صحته، مما لا يميل إليه القلب السليم، ولا يرتضيه الطبع المستقيم، ويبعد القول بثبوته أيضاً عدم إخراج أحد من المشايخ الكبار، له في شيء من الكتب الستة، مع أنه مشتمل على قصّة غريبة، وفي الطباع ميل إلى سماع الغريب وروايته!

‌المفسدة الرابعة:

ومن المفاسد اللازمة على كون النبي صلى الله عليه وسلم هو الناطق بما ألقى الشيطان من كلمات الكفر والشرك، أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد اشتبه عليه ما يلقيه الشيطان بما

(1) الدارمي: فتح المنان (617)، وانظر: ابن عبد البر: الجامع: 2: 234، والمروزي: السنة: 32 - 33 (103) وصححه الحافظ في الفتح.

ص: 1330

يلقيه عليه الملك وهو يقتضي أنه صلى الله عليه وسلم على غير بصيرة فيما يوحى إليه، وفيما يبلّغه عن الله تعالى، ويقتضي أيضاً جواز تصوّر الشيطان بصورة الملك، ملبّساً على النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح ذلك -كما قال في الشفاء- لا في أوّل الرسالة ولا بعدها، والاعتماد في ذلك على دليل المعجزة!

وقال ابن العربي: تصوّر الشيطان في صورة الملك ملبّساً على النبي صلى الله عليه وسلم كتصوّره في صورة النبي صلى الله عليه وسلم ملبّساً على الخلق، وتسليط الله تعالى له على ذلك كتسليطه في هذا، فكيف يسوغ في لبّ سليم استجازة ذلك؟ ولكن الغرنوقيّين استجازوه وقالوا بوقوعه لسيّد الخلق خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا ألباب لهم!

وأجاب الشيخ الكوراني على هذه المفسدة، فقال: إن هذا الاشتباه في حالة خاصّة للتأديب لا يقتضي أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم على غير بصيرة، فيما يوحى إليه في غير تلك الحالة!

قلنا: أيّ (تأديب) هذا الذي يردّده الكوراني، وقد أبطل وجوده بوجود أساسه في زعمه، وكان أساسه التمسّك بنصّ مرسل سعيد بن جبير وأمثاله من المراسيل الواهية الواهنة التي زعمت أن الشيطان ألقى على لسان النبي صلى الله عليه وسلم كلمات الكفر الخبيث بمدح الأوثان، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم نطق بما ألقاه الشيطان على لسانه، ملبّساً عليه بأنه ملك الوحي، وملبّساً عليه أن ما ألقاه على لسانه قرآن أوحي إليه به في البين من آيات سورة (النجم)، وكان هذا التلبيس (تأديباً) للنبي صلى الله عليه وسلم وتصفية له، وترقيةً إلى الأكمل؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أراد إيمان الجميع، وهذا على خلاف إرادة الله وتقديره!

ثم ذهب الشيخ الكوراني في ردّه على الوجه الثالث من وجوه المفاسد في

ص: 1331

قصّة الغرانيق إلى التنصّل من نصّ رواية المراسيل، وقال: إنه لابدّ من حمل الكلام الشيطاني على الاستفهام وحذف أداته، أو على إضمار القول من المشركين، وهذا بلا شكّ تطويح بمصدر (التأديب) إلى هاوية البطلان؛ لأنه حينئذ لا تلبيس على النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون المقام مقام (تأديب)، كما زعم من لم يرجُ لله وقاراً في عصمة الأنبياء!

على أن ردّ الشيخ الكورانيّ يحمل دلائل الإمعان والاستمساك بأن النبي صلى الله عليه وسلم ليس معصوماً من تلبيس الشيطان، ولا من اشتباه ما يلقيه من خبيث الكلمات، وفجور الكفر بآيات القرآن، ويكون صلى الله عليه وسلم مسلوب البصيرة في معرفة ما يوحى إليه من آيات الله وشرائعه، وليحكم على هذا أهل العقول من سائر الفرق والطوائف والنحل: لأنه أمر فوق إدراك العقول!

ولا وزن لتخصيصهم -الغرنوقيّين- هذا السلب ببعض الأحوال، وهي كما يزعمون الحالة الموجبة لـ (التأديب)؛ لأن ما جاز في بعض الأحوال، لا دعاء سبب باطل له يجوز أن يكون في غيرها الادعاء سبب له؛ لأن سبب (التأديب مختلق باطل)؛ لأنه مبنيّ على باطل، وهو ادّعاء أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد هدي الكلّ، وهذه الإرادة منافية لإرادة الله عدم هداية الكلّ، فاستحق النبي صلى الله عليه وسلم في زعم الكوراني- التأديب من أجل إرادته هدي الكلّ، والغرنوقيون يتحكّمون في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي إرادته، وفي تبليغ رسالته إلى الخلق، ليفرضوا كما فرض الخوارج المارقون من الدّين نقائص توجب -في زعمهم- التأديب، ولا شكّ أن هذا منزع جاف منكر خبيث، هو منزع الخوارج!

ثم قال الشيخ الكوراني: وأما قول عياض: لا يصحّ أن يتصوّر الشيطان بصورة الملك، ويلبّس عليه صلى الله عليه وسلم، فإن أراد به أنه لا يصحّ أن يلبّس تلبيساً قادحاً

ص: 1332

فهو مسلّم، لكنه لم يقنع، دن أراد مطلقاً ولو كان غير مخلّ فلا دليل عليه، ودليل المعجزة إنما ينفي الاشتباه المخلّ بأمر النبوّة المنافي للتوحيد، القادح في العصمة، وما ذكره غير مخل، بل فيه تأديب!

وافتراءات أن في تلبيس الشيطان تلبيساً قادحاً مخلاًّ بالنبوّة والعصمة، وتلبيساً غير قادح ولا مخلّ بالنبوّة والعصمة، قد بيّنا أنها فرىً كاذبةً مختلقةً، ويستحيل أن يلبّس الشيطان على النبي صلى الله عليه وسلم، ويريه أنه ملكَ الوحي، ويعتقد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يلبّس عليه -فيلقي على لسانه كلمات الكفر والشرك، ويعتقدها النبي صلى الله عليه وسلم حتى ينبه على افترائها!

وقد عرضنا فيما سبق لـ (أخلوقة التأديب) التي اخترقها الشيخ الكوراني عند تملّصه من رأيه في (أكذوبة الغرانيق)، إذ هبّ عندما سدّت عليه المسالك إلى القول بأنه لابدّ من حمل الكلام الشيطانيّ على الاستفهام أو إضمار القول، وحينئذ فلا إلقاء من الشيطان على لسان النبي صلى الله عليه وسلم ولا تأديب لسيّد الكاملين!

ثم قال الشيخ إبراهيم الكوراني: وأمّا ما ذكره ابن العربي فقياس مع الفارق؛ لأن تصوّر الشيطان في صورة النبي صلى الله عليه وسلم مطلقماً منفيّ بالنصّ الصحيح، وتصوّره في صورة النبي ملبّساً على الخلق إغواء يعمّ، وهو سلطان منفيّ بالنصّ عن المخلصين، وأمّا تصوّره في صورة الملك في حالة خاصّة ملبّساً على النبي صلى الله عليه وسلم فليس من السلطان المنفيّ ولا بالتصوّر الممنوع، نعوذ بالله من الحور بعد الكور!

سبحان الله .. تلبيس يغوي النبي صلى الله عليه وسلم ويشبِّه عليه أخبث الكفر فيما ألقاه الشيطان -بزعم الغرنوقيّين- بآيات الله من القرآن المجيد جائز عند الشيخ

ص: 1333